أقلام وأراء

الأحد 25 يناير 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

صواريخُ ذكائكم.. ستسقط على رؤوسنا

نعود مع كتابة هذه الكلمات إلى المشهد الذي لازم الأسابيع القليلة الماضية، مشهد تسابقت فيه التهديدات، وتاهت معه الحلول، مشهد نعود معه إلى نبرةُ الوعيد لا صوتُ الهدوء والحلول السياسية. طهران من جهة وتل أبيب وواشنطن، من جهة أخرى، يتبارون في دق طبول الحرب وإغراقنا بسيل تصريحاتهم الصحفية المتخمة بما ينتظر الآخر من أدوات السحق والمحق. الحديث عن الأسلحة لا يرتبط فقط بالتهويب والترهيب، وإنما بوصفه منصةٍ للمباهاة والتفاخر بقوة تلك الأسلحة وما تمتلكه من مكونات تكنولوجية ذكية.
ويتصاعد التباهي يومياً في إبراز ذلك السلاح وكأنه إنجاز حضاري، حققه العقل البشري من تطور وتقدم وازدهار علمي. تطور وازدهار! لماذا؟ نعم للقتل والتدمير. صواريخ فرط صوتية ومسيّرات ذكية وأنظمة تحكم ذاتية ممهورة بخوارزميات ترسم خارطة الذكاء الاصطناعي، لتقرر من يعيش ومن يقتل ويمحق في أجزاء من الثانية. هنا يبرز السؤال الأكبر: صواريخكم وابتكاراتكم التفجيرية "المحقية" على من ستسقط؟ ومن سيدفع روحه مقابل "ذكائكم" القاتل ونزواتكم الاستعمارية "التحكمية" التي لطالما ألبستموها ثوب الإنسانية الصورية والآدمية الغائبة؟
إن الخطاب المتبادل مهما علت فيه الادعاءات البطولية والأهداف الإنسانية الكاذبة لا يتحدث عن الإنسان، ولا المدن، ولا المستقبل ولا الأجيال الواعدة، بل عن الموت والتقتيل والصواريخ الباليستية والقصف المركز والجوسسة الإلكترونية وأنظمة التعطيل والتشغيل، وسرعة الاختراق وحجم التوظيف الأنجع للذكاء الاصطناعي في أسلحة الموت التي ستتراشقونها فوق رؤوس أطفالنا في سماء استبحتموها واعتبرتموها حقاً مشروعاً تنفذون فيها أحلامكم ومسرحياتكم، وتدّعون عبر أثيرها عشقكم للسلام والخلاص والديمقراطية والازدهار.  
حروبكم يا سادة ليست سوى تجارب مخبرية كبرى، تُختبر فيها الخوارزميات على لحم البشر وممتلكاتهم وكامل مكونات حياتهم، لا لخدمة البشرية، بل لسرقة ثرواتها والسيطرة على اقتصادياتها. حال نرى منكم فيه عين على السلاح وعين على الغاز والبترول والمعادن الثمينة. وهنا لا بد من أن نسأل: كيف لكم أن تنظروا بالمرآة بعيون الرضا عن الذات وأنتم من توظفون أسلحة الموت بصورةٍ تجعل من الإنسان وحياته وحاله وماله، مجرد متغير ثانوي في معادلة السلاح؟!
ففي هذا السباق المحموم، تُستدعى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، اللذين كان من المفترض أن يُسخّرا لتحسين حياة البشر، وتقليل المخاطر، وحماية الأرواح، لتجد تلك الأرواح نفسها فجأة أمام تهلكة محققة ومصادرة لحياة الناس وأبنائها وأحلامها.
أنظمة "ذكية" تتنامى مستفيدة من تجربة الحروب السابقة ليست ذكية مهما امتلكت من ميّزات، بل غبية كعقول مالكيها، ودنيئة كما أربابها الذين تقلصت في قلوبهم هوامش الرحمة، ووظفوا الذكاء بلا أخلاق، والتكنولوجيا بلا ضمير، والقوة بلا كوابح والموت بلا حساب.
أما نحن، سكان هذه الجغرافيا المنكوبة، فلا نمتلك ترف المباهاة، بل نحتفظ بحق الرفض لصواريخكم المبتكرة وقنابلكم "الذكية"، وكأن ما فات من قتل وتدمير في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن لم تريدوه أنتم إلا أن يكون فعلاً نعدّ فيه المزيد من الضحايا، ونحصي معه المزيد من البيوت التي ستطحن! وكأن بنك نكباتنا لا ينضب ولا يجف.
لقد زرعتم في عقول أبنائنا ذاكرة الخوف لعقود مستثمرين في ويلات المنطقة ومصائبها، فما رأيكم بأن تستثمروا ذكاءكم الاصطناعي في الهدوء والوئام وفرض حلول عادلة تضع حداً للموت الذي لطالما جربتموه ولم يجلب إلا الكوارث والتسلح والدمار؟ لقد جربتم سلاح الموت، فهل تجربون مفاتن الحياة؟
فكلما تصاعدت حدة التهديدات في أرضنا ومدننا وقرانا ومخيماتنا، اقترب شبح الحرب من قلوبنا وأرواحنا، وكلما تحدثتم عن "ضربات دقيقة"، عرفنا أن الدقة لا تخفي الألم والوجع، وأن الذكاء الاصطناعي السلبي لا يلغي الاندثار والتقهقر والموت.
المفارقة المؤلمة أن من يتهافتون على استعراض قواهم لن يكونوا في مرمى نيرانها بل ستجدهم في الملاجئ المحصنة، والمربعات الآمنة، في طهران وتل أبيب وواشنطن بينما يحرم جمهور المتلقين قسراً لصنوف أسلحتكم من ميزات الحياة، فنرث نحن ومن معنا تبعات هذا التسابق الجنوني نحو الموت وسط بيئة مدمرة، واقتصادات متآكلة، وأجيال تنشأ تحت سماء ملبدة بالحروب التي لا تعرف النهاية.
إن أخطر ما في ماراثون التسلح والحرب والموت لا يكمن في السلاح بحد ذاته، بل في استسهال الحديث عنه لتصبح الحرب أمراً عادياً يصل حد التفاخر بقوة النيران وكثافة الدمار، باعتبار أن ذلك إنجاز تقني  مظفرٌ وسديد. صواريخ ذكائكم يا سادة، مهما بلغت دقته ودقتها، ستسقط في النهاية في قلوب البشرية وعلى رؤوسنا، وعلى ما تبقى من نوازع أخلاقية في عالمٍ ما زال يبحث عن الحياة. للحديث بقية!

[email protected]


دلالات

شارك برأيك

صواريخُ ذكائكم.. ستسقط على رؤوسنا

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.