في أزقة القدس العتيقة، حيث تفوح رائحة التاريخ من حجارتها العريقة، لا تزال أصداء صوت الأم هند تتردد بين ساحات دار الطفل العربي. لم تكن تلك الدار مجرد بناءٍ من حجر، بل كانت قلعةً شيدتها الأيقونة المقدسيّة هند الحسيني من رماد النكبة لتكون حضناً لمن لا حضن له. اليوم، نفتح دفاتر الذاكرة لنقرأ قصصاً لم تروَ بالكامل بعد، ترويها لنا "هداية الحسيني" و"سحر السيد-السلايمة"؛ ابنتان نبتتا في كنف هذه السيدة العظيمة، لتصبح كل واحدة منهما شاهداً حياً على عصرٍ من العطاء الاستثنائي والكرامة الوطنية التي لا تلين.
رماد النكبة وميلاد دار الطفل
تبدأ الحكاية من صدمة نكبة عام 1948، حين وجدت هند الحسيني نفسها أمام عشرات الأطفال اليتامى الناجين من مجزرة دير ياسين. في لحظةٍ فارقة، استوقفها بالقرب من باب العامود مشهدٌ يدمي القلوب؛ عدد من أيتام مجزرة دير ياسين، ألقى بهم الاحتلال من شاحنة وتركوهم لمصيرهم المجهول. اقتربت منهم هند بقلب الأم المكلومة، سألتهم: 'من أنتم؟ ولماذا تبكون هنا؟'، لتجيبها كبرى البنات بكلماتٍ زلزلت كيانها: نحن أطفال دير ياسين. لم تتردد هند للحظة، طلبت منهم بلهجة الواثق ألا يتحركوا ووعدتهم بالعودة فوراً، لتفتح لهم أبواب بيتها، محولةً مأساتهم من رصيف الشارع إلى دفءِ وطنٍ سيُعرف لاحقاً باسم مؤسسة دار الطفل العربي.
لم تكن تملك حينها سوى إرادتها وغرفتين متواضعتين، لكنها كانت تدرك أن المهمة تتجاوز الإطعام والإيواء؛ كانت المهمة هي صناعة الإنسان. انطلقت هند في رحلة بناء الصرح. لم تكن تطلب معونةً بضعف، بل كانت تطلبها كحقٍ وطني، فخاطبت عائلتها والمقدسيين قائلة: "يدٌ واحدة لا تصفق، هؤلاء الأطفال أمانة في أعناقنا جميعاً". واستجاب المقدسيون، فوهبت عائلة الحسيني بيوتهم وعقاراتهم، لتكون جزءاً من هذا الحلم الذي بدأ يكبر يوماً بعد يوم، ليصبح صرحاً يربط بين القسمين الداخلي والخارجي في منظومة تكافلية فريدة.
هداية: الابنة التي صارت ظلاً للأم
تعتبر هداية واحدة من أبرز الرموز التي تجسد إرث هند الحسيني. لم تكن هداية مجرد طالبة في الدار، بل كانت الابنة التي اختارتها هند لتكون قريبة منها دائماً، لدرجة أنها زوجتها من ابن عمها لتبقيها في مدارها. تروي هداية بملامح يملؤها الحنين كيف كانت هند تدير الدار بـ "حنان الأم وصرامة القائد". في القسم الداخلي، كانت هداية تشرف على الفتيات، مستمدةً قوتها من مبادئ هند التي كانت ترفض بشدة زواج القاصرات، وتعتبر العلم هو السلاح الأقوى للمرأة الفلسطينية.
تستذكر هداية كيف كانت هند تلاحق أهالي الفتيات، تلومهم وتوبخهم إن حاولوا إخراج بناتهم من المدرسة قبل إتمام المرحلة الثانوية، قائلة بصرامة: "ما دامت الفتاة في داري، فلا خروج إلا بشهادةٍ وعلم". ولم يكن الاهتمام أكاديمياً فقط، بل شمل التدريب المهني عبر قسم الخياطة والأعمال اليدوية وغيرها؛ فالتي لم تكن تجد في نفسها رغبة في التعليم الأكاديمي، كانت تجد في الخياطة حرفةً تصون كرامتها. وتضيف هداية أن الحياة اليومية كانت تدار بدقة متناهية؛ ثلاث وجبات مشبعة، ونظام نظافة صارم يشمل ترتيباً دقيقاً مرتين أسبوعياً، واهتماماً بأدق تفاصيل الصحة النفسية والجسدية عبر ممرضات مقيمات وعيادات مجهزة داخل الدار.
سحر: الملاذ الآمن في زمن الانكسار
على الجانب الآخر من السردية، تأتي قصة سحر لتعكس وجهاً آخر لدار الطفل. في عام 1980، وبعد وفاة والدتها، وجدت سحر (طفلة الأربعة عشر عاماً حينها) نفسها وحيدة في مواجهة مصير مجهول. حين قصد والدها الدار لتسجيلها في منتصف العام الدراسي، اعتذرت الإدارة لضيق المكان والقوانين، لكن الأم هند كانت تملك قلباً يتسع لكل فلسطين. حين التقى والد سحر بهند في بيتها بأريحا وشرح لها حاجته لحماية ابنته لا لحاجة مادية، فتحت هند أبوابها فوراً، متجاوزةً كل الروتين الإداري من أجل إنسانة محتاجة للأمان.
تقول سحر إنها لم ترَ في حياتها إنسانيةً تضاهي إنسانية هند؛ فقد كانت السيدة تتابع البنات في غرفهن، تتفقد طعامهن، وتتأكد من أن 'عصافير الدار' (كما كانت هند تحب تسميتهن) ينعمن بالأمان. شهدت سحر تحول الدار إلى صرحٍ يضم حضانة، ومدرسة، ومتحفاً، وكلية خدمة اجتماعية، وصولاً إلى بناء الكلية الجامعية التي كانت تهدف لحماية البنات من ضغوطات المجتمع والحفاظ على خصوصية تعليمهن في ظل بيئة مقدسية محافظة حينها، لتستقطب الفتيات من القدس والضفة وغزة والمخيمات والداخل المحتل.
الفلسفة التربوية: الأمومة قبل الأوراق
لم تكن هند الحسيني تؤمن بالشهادات فقط؛ بل كانت تبحث عن "الروح" أيضاً. تروي هداية أنها حين كانت تقترح توظيف متخصصات جامعيات، كانت هند تجيبها بيقين: "أنا لا أبحث عن موظفات، أنا أبحث عن أمهات، فالأُم هي التي تشعر بالطفل". ومن هنا ولدت فكرتها العبقرية باحتضان بعض الأرامل مع أطفالهن داخل الدار؛ لكي لا يفقد اليتيم حضن أمه، فكانوا يذهبون للمدارس صباحاً ويعودون ليناموا في كنف أمهاتهم داخل المؤسسة. كانت هند أيضاً "سيكلوبيديا" (موسوعة) من الثقافة والعطاء، تتابع دروس الفتيات وتحثهن على التفوق، وتشاركهن حتى في تذوق طعام الغداء لتتأكد من جودته، مناديةً هداية بلقب الدلع "هدهودة"، سائلةً إياها عن حب البنات للطعام قبل رأيها الشخصي.
المقاومة بالتربية: مواقف سياسية لا تنسى
خلال الانتفاضة الأولى، تجلى دور هند كقائدة وطنية. حين شحّت الموارد في القدس، سألتها هداية عن مخزون المؤنة، فأمرت هند بفتحه لكل عائلات المدينة، قائلة: "المؤنة ليست لبناتنا فقط، بل لكل المقدسيين". كانت تؤمن بأن الصمود يكمن في التكاثر والتربية، فكانت تقول بجرأة: "أنجبوا يا أهل القدس وأنا بربي لكم". وحتى في مواجهة كبار المسؤولين، مثل رئيس بلدية القدس الأول "تيدي كوليك"، كانت هند تخاطبهم بنديّة لانتزاع حقوق الدار، لدرجة أنه أمر رجاله بمنحها التراخيص فوراً إعجاباً بقوة شخصيتها ومنطقها السياسي الناقد.
أحد أكثر المواقف تأثيراً كان موقفها من شراء "قصر إسعاف النشاشيبي". حين أرادت تحويله لمركز دراسات ومكتبة، باعه لها صاحبه "نصري النشاشيبي" بمبلغ رمزي إكراماً لمسيرتها، رغم قيمته المليونية. كانت هند ترى في كل زاوية في القدس فرصة لبناء سكن للطالبات ومكتبات، كما حاولت مع "فندق الستراند" لتوسيع قدرة الدار الاستيعابية التي وصلت لـ 350 فتاة، لضمان ألا تبيت فتاة مغتربة خارج أسوار الأمان.
الوحدة الوطنية والتراث
لم يكن في قاموس هند مكان للتفرقة؛ ففي دار الطفل، كانت حكايات الميلاد تروى بجانب حكايات الهجرة النبوية. كانت الفتيات يلبسن الأثواب الفلسطينية من القدس وسبسطية وأريحا وبيت دجن وغيرها في أعراس وطنية تحاكي رحلة السيدة مريم وسيدنا عيسى نحو بيت لحم لجمع التبرعات. كان المسيحيون والمسلمون في دارها عائلة واحدة، يحتفلون بكل الأعياد معاً، في تجسيد حي لروح القدس التي ترفض التقسيم.
الرمق الأخير: رحيل الأيقونة
في سنواتها الثلاث الأخيرة، صارعت هند الحسيني سرطان الغدة الدرقية بعزيمة أدهشت الأطباء. رفضت العلاج على نفقة التأمين الصحي الحكومي، معتبرةً ذلك مساساً بكرامتها الوطنية، وتولت ابنة خالتها "سائدة" تكاليف علاجها من لندن. تروي هداية أن هند كانت تجلس في المشفى وهي تتلقى العلاج الكيميائي وتواجه الطبيب المشرف على حالتها قائلة: "إلى متى ستستمرون في القتل والذبح.. وأنا سأظل أربي؟". رحلت هند وفي محفظتها الحمراء شيكل واحد فقط، فقد وهبت كل ما تملكه لتكون وقفاً إسلامياً يحمي الدار من بعد رحيلها. كانت وصيتها الأخيرة أن تُدفن في حديقة الدار، لتستأنس بصوت 'عصافيرها' من الطالبات واليتيمات، غير أن السلطات حالت دون إنفاذ الوصية. غادرت هند بجسدها، بيد أنها أبقت خلفها هداية وسحر ومئات غيرهنَّ، يحملن شعلة العلم والكرامة.
خاتمة: إرثٌ لا يغيب
اليوم، ونحن في عام 2026، تظل دار الطفل وكلية هند الحسيني منارةً تضيء سماء المدينة. قصة هداية الحسيني وسحر السيد ليست مجرد ذكريات، بل هي الدليل الحي على أن الراحلة هند الحسيني لم تكن مجرد مؤسسة لجمعية، بل كانت معمارية للروح الفلسطينية. لقد استطاعت امرأة واحدة، بإيمان لا يتزحزح في قلبها، أن تصنع تاريخاً لا يُمحى، وتحول دموع أيتام دير ياسين وغيرهم إلى قصص نجاح ترويها الأجيال بفخر وعزة.





شارك برأيك
بين هداية وسحر: حكايتان من ذاكرة الأيقونة المقدسية هند الحسيني