في سخنين، أمس الخميس، لم يخرج الناس إلى الشارع لأنهم يعتقدون أن مظاهرة واحدة قادرة على وقف الرصاص. خرجوا لأن البقاء في البيوت صار أخطر من الخروج، لأن الصمت، حين يطول، لا يعود حياداً، بل يتحول إلى مساحة آمنة للجريمة، وإلى شريك غير معلن في استمرارها.
لم تكن المظاهرة حدثاً عابراً في مدينة من مدن الجليل، بل لحظة مكثّفة من وعيٍ جماعيّ أدرك أن الخوف لم يعد شعوراً فردياً، بل حالة عامة، وأن العنف لم يعد انحرافاً طارئاً، بل نظاماً يومياً يُدار بالإهمال، ويُغذّى باللامبالاة، ويُترك لينظم تفاصيل الحياة.
سخنين أمس لم تمشِ وحدها. مشَت معها قرى ومدن، بوجعها وأسئلتها، وبإضرابٍ عام علّق نبض الحياة اليومية ليقول: هكذا لا يمكن الاستمرار.
لم يكن الإضراب استعراضاً للقوة، بل كان اعترافاً بالعجز، والعجز حين يُقال بصوت عالٍ يتحول إلى فعلٍ أخلاقي.
في الشوارع، لم يكن الغضب صاخباً بقدر ما كان ثقيلاً. غضب يعرف أن القاتل ليس وحده المشكلة، وأن الجريمة لا تنمو في الفراغ.
تنمو حين يشعر من يحمل السلاح أن لا أحد يطارده، وأن العدالة بطيئة، انتقائية، أو غائبة. تنمو حين يصبح الدم خبراً، لا جريمة؛ رقماً، لا حياة.
المتظاهرون لم يطلبوا المستحيل. لم يطالبوا بالأمن المطلق، ولا بالمدينة الفاضلة.
طالبوا بالحد الأدنى: أن تكون حياتهم ذات قيمة، وأن لا يُترك القتل بلا ردع، وأن لا تتحول البيانات الرسمية إلى بديلٍ عن الفعل الحقيقي.
في سخنين أمس، كان السؤال أعمق من الشعارات:
كيف يمكن لمجتمع أن يعيش وهو يشعر أن حياته أقل أولوية؟
كيف يمكن لأم أن تنام وهي لا تعرف إن كان ابنها سيعود؟
وكيف يمكن لشباب أن يخططوا للمستقبل في واقعٍ لا يضمن الحاضر؟
هذه ليست أسئلة وجدانية فقط، بل سياسية بامتياز، لأن العنف، حين يستشري، لا يكون أزمة أخلاقية فحسب، بل نتيجة مباشرة لسياسات فاشلة، ولتعامل أمني وقانوني يرى في المجتمع العربي ملفاً، لا بشراً.
وما جرى في سخنين أمس هو رفض صريح لهذا المنطق. رفض أن يكون الخوف قدراً. ورفض أن تتحول الحياة إلى انتظار دائم لخبر سيّئ جديد.
لكن، ورغم عمق اللحظة، يبقى السؤال الأصعب معلّقاً: ماذا بعد؟
فالمظاهرة، مهما كانت كبيرة، لا تكفي وحدها.
والإضراب، مهما كان صادقاً، لا يغيّر البنية التي تنتج العنف ما لم يُستكمل بمساءلة حقيقية، وبضغط سياسي متواصل، وبمشروع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الحق في الحياة، لا إدارة الموت.
الخطر الحقيقي ليس أن نفشل في وقف القتل فوراً، بل أن نعتاد عليه. أن نصبح مجتمعاً يحتجّ ثم يتعب، يغضب ثم ينسى، ويعود إلى يومياته وكأن الدم لم يكن.
سخنين، أمس، قالت بوضوح إنها لا تريد أن تعتاد. قالت إن الوجدان ما زال حيّاً، وإن الخوف لم ينتصر بعد، وإن الشارع -حين يخرج- لا يطلب الشفقة، بل العدالة.
قد لا توقف هذه المظاهرة رصاصة الغد، لكنها فعلت ما لا يقل أهمية:
أعادت للإنسان صوته،
وللحياة معناها،
وللصمت حدَّه الأخير.
———
سخنين، أمس، قالت بوضوح إنها لا تريد أن تعتاد. قالت إن الوجدان ما زال حيّاً، وإن الخوف لم ينتصر بعد، وإن الشارع -حين يخرج- لا يطلب الشفقة، بل العدالة.





شارك برأيك
سخنين.. حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكاً