واشنطن – سعيد عريقات
في تصعيدٍ محسوب في الخطاب السياسي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب طرح ملف إيران إلى واجهة الجدل الدولي، ملمّحاً بوضوح إلى أن خيار تغيير النظام لا يزال قائماً، حتى وإن جرى تأجيل استخدام القوة العسكرية. فقد قال ترمب في مقابلة مع موقع "بوليتيكو" يوم السبت: "حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران"، في تصريح أعاد إلى الأذهان نهج إدارته القائم على الجمع بين الضغط السياسي والتهديد العسكري من جهة، والتراجع التكتيكي من جهة أخرى.
وجاءت هذه التصريحات بعد أيام قليلة من قرار ترمب المفاجئ بعدم توجيه ضربات عسكرية إلى إيران، رغم أنه كان يدرس بجدية تنفيذ هجوم محدود رداً على قمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات الشعبية. هذا التراجع، وفق مصادر أميركية، لم يكن تعبيراً عن تهدئة بقدر ما كان نتيجة حسابات دقيقة تتعلق بجدوى الضربات واحتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وتزامن كلام ترمب مع تصعيد لفظي من جانب القيادة الإيرانية، إذ نشر حساب المرشد الأعلى علي خامنئي على منصة "إكس" سلسلة منشورات حادة اللهجة، حمّل فيها الرئيس الأميركي مسؤولية ما وصفه بـ"العنف والاضطرابات الدامية" داخل إيران. وكتب خامنئي: "نعتبر الرئيس الأميركي مذنباً بسبب الخسائر والأضرار والافتراءات التي ألحقها بالشعب الإيراني"، في اتهام مباشر يعكس حجم التوتر بين الطرفين.
وفي منشور آخر، اتهم خامنئي ترمب بتشويه صورة الشعب الإيراني عبر وصفه من قبل جماعات عنيفة، معتبراً ذلك "افتراءً شنيعاً". هذه اللغة التصعيدية لم تمر مرور الكرام في واشنطن، إذ رد ترمب قائلاً إن حكام طهران لا يحكمون إلا بالقمع والعنف. وأضاف: "ما هو مذنب به، كزعيم لبلد، هو التدمير الكامل للبلاد واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة"، متهماً القيادة الإيرانية بقتل الآلاف للحفاظ على قبضتها على السلطة، بدلاً من التركيز على إدارة شؤون البلاد.
وخلال الأسابيع الماضية، كثّف ترمب تصريحاته التي تجمع بين تشجيع المتظاهرين الإيرانيين وتهديد الحكومة، مؤكداً في أكثر من مناسبة أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى استهداف البرنامج النووي والمنشآت الصاروخية الإيرانية إذا رأت أن طهران تمضي في مسار يهدد الأمن الإقليمي والدولي. ورغم امتناعه المؤقت عن الضربة، يؤكد مسؤولون أميركيون أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً، وأن قراراً بهذا الشأن قد يُتخذ خلال أسابيع، وفق ما نقل موقع "أكسيوس" عن مصادر مطلعة.
ويأتي هذا كله في وقت يشهد فيه الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط تراجعاً ملحوظاً مقارنة بذروته خلال الحرب الإسرائيلية–الإيرانية في حزيران الماضي. وتشير تسريبات من داخل الإدارة الأميركية إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لعدول ترمب عن توجيه الضربة هو الشك في قدرة أي هجوم محدود على إسقاط النظام الإيراني أو حتى إضعافه بشكل حاسم، فضلاً عن المخاوف من ردود فعل انتقامية واسعة النطاق.
كما تواجه الولايات المتحدة تحديات لوجستية وأمنية، أبرزها نقص أنظمة الدفاع الصاروخي الكافية في المنطقة لحماية قواتها وقواعدها، وكذلك لحماية إسرائيل من أي رد إيراني محتمل. ومع ذلك، تسعى واشنطن إلى تعزيز حضورها العسكري بشكل مدروس، إذ من المنتظر أن تصل حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لينكولن" إلى المنطقة في وقت لاحق من هذا الأسبوع، في رسالة ردع واضحة دون إعلان نوايا هجومية مباشرة.
في موازاة ذلك، يبرز مجدداً نقاش قديم داخل الأوساط الأميركية حول البديل المحتمل للنظام الإيراني. إذ يدعو بعض أنصار تغيير النظام إلى تنصيب رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، قائداً لمرحلة انتقالية. غير أن ترمب نفسه رفض هذا الطرح صراحة، معتبراً أن بهلوي يفتقر إلى قاعدة شعبية حقيقية داخل إيران، وأن فرضه من الخارج لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.
ويعكس خطاب ترمب تجاه إيران تناقضاً بنيوياً في السياسة الأميركية: الرغبة في تغيير النظام من دون تحمل كلفة إسقاطه. فالتلويح الدائم بالخيار العسكري، مقروناً بالتراجع المتكرر، يضعف مصداقية الردع ويمنح طهران هامش مناورة أوسع. كما أن الرهان على انتفاضة داخلية، دون إستراتيجية دعم واضحة أو تصور لمرحلة ما بعد النظام، يبدو أقرب إلى الأمنيات السياسية منه إلى التخطيط الواقعي.
في المقابل، تكشف ردود خامنئي الحادة عن قلق عميق داخل بنية النظام الإيراني، لكنه قلق يُترجم إلى مزيد من الانغلاق لا إلى إصلاح. فتصوير الاحتجاجات كنتاج "مؤامرة أميركية" يسمح للسلطة بتبرير القمع، لكنه يعمّق الفجوة مع المجتمع. وبين تهديدات واشنطن وتصلب طهران، يبقى الشعب الإيراني عالقاً في معادلة صراع دولي لا يملك أدوات التحكم بمساراته.





شارك برأيك
ترمب: حان الوقت لتغيير القيادة الإيرانية