أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأسره، واختطافه (وجلبه للولايات المتحدة) وتعهد الولايات المتحدة ب"إدارة" فنزويلا لفترة غير محددة، موجة واسعة من الجدل السياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها. فالخطوة لا تمثل مجرد عملية أمنية خاطفة، بل تعكس تحولًا واضحًا في سلوك ترمب الخارجي، يتناقض مع أحد أعمدة خطابه السياسي: إنهاء الحروب المفتوحة والانسحاب من مستنقعات التدخل الخارجي.
منذ عودته إلى الواجهة السياسية، واجه ترمب انتقادات متزايدة من قطاع مؤثر داخل قاعدته الانتخابية، ولا سيما أنصار حركة "ماغا" (أجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، أو أميركا أولا ) ، الذين رأوا أنه انشغل بملفات خارجية معقدة — من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط — على حساب القضايا الاقتصادية والمعيشية داخل الولايات المتحدة. وجاء التدخل في فنزويلا ليضاعف هذه الانتقادات، بعدما بدا وكأنه يعيد إنتاج نموذج التدخل الأمريكي طويل الأمد الذي طالما هاجمه.
تصريحات ترمب، التي أكد فيها أن بلاده "غير خائفة من إرسال قوات على الأرض"، وأن وجودًا عسكريًا قد يكون ضروريًا "فيما يتعلق بالنفط"، شكلت صدمة حتى داخل أوساط جمهورية. فالتعهد بإعادة بناء البنية التحتية النفطية وإدارة البلاد "بشكل صحيح ومربح" استحضر إلى الأذهان تجارب أميركية سابقة في العراق وأفغانستان، حيث تحول التدخل المحدود إلى التزام مفتوح الكلفة سياسيًا وبشريًا.
الفرق الجوهري، كما يشير مراقبون، أن عملية فنزويلا لم تقتصر على ضربة عسكرية بعيدة المدى، كما حدث في الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية سابقًا، بل شملت إسقاطًا مباشرًا لرأس النظام، وإعلانًا صريحًا عن نية واشنطن الإمساك بخيوط السلطة. وهنا استعاد ترامب، عن قصد أو غير قصد، ما يُعرف بـ"قاعدة بوتري بارن (مخزن الخزف)": إذا كسرتَ الشيء، فعليك أن تتحمل مسؤوليته.
ردود الفعل داخل معسكر "ماغا" لم تكن موحدة. شخصيات بارزة مثل النائبة مارجوري تايلور غرين رأت في الخطوة خيانة صريحة لوعود إنهاء الحروب، بينما حذر إستراتيجيون جمهوريون من خطر الانزلاق إلى مستنقع طويل الأمد، خاصة إذا تحول الوجود الأمريكي إلى هدف لهجمات أو تمرد محلي. في المقابل، أبدى صقور السياسة الخارجية في الحزب الجمهوري دعمًا واضحًا، معتبرين أن فنزويلا مستقرة وديمقراطية تخدم الأمن القومي الأميركي.
في ولايات مثل فلوريدا، حيث تعيش أكبر جالية فنزويلية في الولايات المتحدة، قوبل أسر مادورو واختطافه بمظاهر احتفال، ما منح ترمب غطاءً سياسيًا محليًا مهمًا بحسب ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز. كما سارع بعض الجمهوريين المترددين، مثل السيناتور مايك لي، إلى تبرير العملية بوصفها إجراءً محدودًا لحماية منفذي مذكرة الاعتقال.
إدارة ترمب حاولت تسويق التدخل على أنه امتداد مباشر لشعار "أميركا أولًا"، عبر ربط نظام مادورو بتدفقات الهجرة غير الشرعية، وعصابات الجريمة، وأزمة الفنتانيل. غير أن هذه الرواية تعرضت للتشكيك، بعدما أكدت تقارير استخباراتية أميركية أن تجارة الفنتانيل ترتبط أساسًا بالمكسيك والصين، وليس بفنزويلا، وأن عصابة "ترين دي أراغوا" لا تخضع لتوجيه مباشر من مادورو.
كما أن الانقسام لم يقتصر على القاعدة الشعبية، بل امتد إلى رموز اليمين المتشدد. فبينما دعمت شخصيات مثل لورا لومر ضرب إيران سابقًا، عارضت التدخل في فنزويلا، محذرة من أن النتيجة النهائية قد تكون فتح الباب أمام نفوذ صيني أوسع في أميركا اللاتينية، وتحميل دافعي الضرائب الأمريكيين كلفة إدارة دولة منهارة.
في جوهر الخلاف، يتضح أن ترمب ليس انعزاليًا كما يعتقد كثير من أنصاره، بل يتبنى التدخل ألانتقائي، الذي يتحرك عندما يرى (ترمب) مصالح اقتصادية أو أمنية مباشرة. هذا التناقض قد تكون له تداعيات مستقبلية، لا سيما على نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يُنظر إليه بوصفه الوريث المحتمل لحركة "ماغا". ففانس، المعروف بدعوته إلى ضبط النفس العسكري، وجد نفسه مضطرًا لدعم العملية، رغم خطابه السابق الرافض للمهمات المفتوحة.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيكون تدخل فنزويلا محطة عابرة تُسوَّق كانتصار سريع، أم بداية التزام طويل يقوض أحد أهم أسس التحالف الشعبوي الذي أوصل ترمب إلى السلطة؟
تكشف أزمة فنزويلا التناقض البنيوي في شعار "أميركا أولًا": فهو يرفض التدخل من حيث المبدأ، لكنه يقبله عندما يُعاد تعريفه كمصلحة اقتصادية أو أمنية مباشرة. هذا التلاعب بالمفهوم قد ينجح مرحليًا، لكنه يهدد بتفكيك الثقة بين القيادة وقاعدتها الشعبوية على المدى الطويل.
التدخل الأميركي في فنزويلا يعيد أميركا اللاتينية إلى دائرة الصراع الجيوسياسي الكبرى، بعد سنوات من التراجع النسبي. ومع ضعف الدولة الفنزويلية، فإن أي فراغ سياسي قد يتحول إلى ساحة تنافس بين واشنطن وبكين، بدل أن يكون نموذجًا ناجحًا لإعادة الاستقرار.
سياسيًا، قد لا يدفع ترمب الثمن الأكبر إذا طال أمد الوجود الأميركي، بل الجيل التالي من قيادة "ماغا". حيث أن نائب الرئيس جي دي فانس، الذي بنى خطابه على رفض الحروب المفتوحة، قد يجد نفسه أسير إرث يصعب الدفاع عنه أمام قاعدة سئمت التناقض بين الشعار والممارسة.





شارك برأيك
اختطاف وأسر مادورو يشعل صدامًا بين ترمب وقاعدته الانتخابية