أقلام وأراء

الخميس 18 ديسمبر 2025 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس

المرحلة الثانية بين حسابات نتنياهو وخطوط حماس الحمراء

تبدو الساحة السياسية والعسكرية المحيطة بقطاع غزة الآن عالقة إلى حد كبير بين رغبة معلنة في الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من خطة المفاوضات الأميركيّة — التي صاغها دونالد ترامب — وغياب نوايا حقيقية لدى طرفي النزاع (إسرائيل وحماس) للدخول في تلك المرحلة بشكل فعلي. هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والخطوات الواقعية لا ينبع فقط من خلافات تقنية حول تفاصيل التطبيق، بل من تداخل عوامل استراتيجية وسياسية تعني عملياً أن لا طرف منهما مستعد، على الأقل الآن، للتخلي عن أوراق قوة أساسية قبل أن يحصل على ضمانات ملموسة لما يريده.
موقف إسرائيل السياسي والعسكري يظهر بوضوح توجهاً نحو التشدّد في شروط "الانتقال" أو حتى استعدادها للعودة للقتال إذا لم تَمْدِدْها الظروف بتحقّق ما تسميه "النصر المطلق". بنيامين نتنياهو ظل يربط رضاه عن أي انتقال إلى مرحلة جديدة بنزع سلاح حماس واستعادة ضوابط أمنية تسمح لإسرائيل بالانسحاب دون الشعوربأنها تتخلى عن أمنها. وفي هذا السياق الجيش أبلغ نتنياهو، وفق تقارير صحفية، بخيارين: إما المضيّ في تطبيق بنود خطة ترامب كما صيغت، أو استئناف العمليات العسكرية إذا تبين أن الشروط الأمنية غير مضمونة، وهو عرض قُدّم بصورة عملية أمام صانع القرار السياسي خلال اجتماعات رسمية جرت مؤخرا. هذا العرض يوضّح أن القرار ليس مجرد توقيع على وثيقة دولية بل رهن بتقدير عسكري وسياسي لما إذا كان الانسحاب مؤمناً أم يشكل مخاطرة استراتيجية لإسرائيل.  
 إسرائيل تشك في قدرة أو رغبة المجتمع الدولي على نزع سلاح حماس من دون ضمانات عسكرية طويلة الأمد يجعلها مترددة للغاية في تسليم الملف لهيئة دولية أو قوة أممية. إسرائيل تطالب بتفكيك قدرات حماس المسلحة بشكل كلي، وتخشَى أن يؤدي توزيع القوة أو توظيف قوة دولية مؤقتة إلى فراغ أمني أو إلى بقاء ميليشيات مسلحة تعمل خلف الستار؛ هذه الخشية تتغذى من مزيج تاريخي من عدم ثقة في آليات تنفيذ دولية وملاحظات حول قدرات الردع المحدودة لبعض الدول أو القوات المشاركة المحتملة. نتيجة لذلك، تبقى الحكومة الإسرائيلية تميل إلى خيار "الانتظار" أو التهديد بالعودة للقتال كوسيلة ضغط لضمان نزع السلاح فعلياً قبل الإنسحاب.    
أما حماس فإن موقفها ليس أقل صلابة. علناً، لا تبدو الحركة مستعدة لتسليم ترسانتها أو التخلي عن قدرتها العسكرية كشرط مسبق لحلول سياسية تمس مركزيتها في غزة. حتى أن مواقفها الرسمية وغير الرسمية تشيرإلى القبول بشروط مرحلية — مثل تجميد الأسلحة أو وضعها في مخازن خارج ساحة العمليات — لكنها لا تقبل بتركها دون تمثيل سياسي أو حكومي فعّال داخل القطاع. بالنسبة لحماس، السلاح جزء من شرعية وجودها ومصدر نفوذها داخلياً وخارجياً، وأي اتفاق يجردها من كل قدراتها العسكرية دون تقديم ضمانات سياسية ووجود بديل حقيقي لنفوذها سيكون مرفوضاً من قبلها. لذلك، لن تُسَلِّم الحركة سلاحها بالكامل طالما لم تُقدَّم لها صيغة حكم تشاركي أو على الأقل آلية لصون دورها السياسي داخل غزة.
من جهة أخرى فإن الغموض الدولي والإداري يثبّت الجمود: تشكيل ما سُمّي بـ"مجلس السلام العالمي" وقوة دولية مؤقتة لم يكتمل بعد؛ الرئيس الأميركي أعلن عن نيته الكشف عن أسماء أعضاء المجلس في مطلع 2026، لكن التأجيلات والتردد في الالتزامات العملية — خاصة الالتزامات القتالية أو التموينية من دول كبرى — تعني أن الإطار المؤسسي للمرحلة الثانية ما زال ناقص العناصر الحاسمة. وحتى الدول التي أعربت عن استعدادها للمساهمة ترددت في تقديم التزامات واضحة، ما يطرح سؤالاً عملياً: من سيؤمّن فرض الأمن الفعلي حين تنسحب القوات الإسرائيلية أو تقلص وجودها؟ حتى الآن، الضمانات السياسية أقوى من التزامات الجشودات العسكرية.
هذا الركود يُولّد دورة عنف سياسية خطيرة: إذا فُسِّرت حالة التمهّل أو التأجيل على أنها ضعف من قِبَل أحد الطرفين — إسرائيل أو حماس — فإن ذلك قد يدفع إلى محاولات أحادية لإعادة التموضع على الأرض. فإسرائيل قد تعيد خيار الهجوم الجزئي أو المكثف لإعادة فرض شروطها قبل أي انسحاب، بينما قد تضع حماس خطوات لتمتين مواقعها داخل المجتمع المدني والمحلي لتقوية تأثيرها في أي تسوية مستقبلية. وفيما لو استمر هذا المشهد، فإن المرحلة الثانية من خطة ترامب قد تصبح إطاراً إعلانياً لا أكثر، بينما تتواصل المعارك السياسية والاحتكاكات الأمنية على الأرض.
من المنظور الاستراتيجي، فإن الحلول الواقعية تتطلب جملة من العناصر: ضمانات أمنية عملية (قوات بقدرات حقيقية وإلتزامها الطويل)، آليات رقابة محايدة وشفافة على نزع السلاح، آفاق حكمية وسياسية تشرك أطرافاً فلسطينية مقبولة محلياً، وبرامج إعادة إعمار ترافقها رقابة دولية قادرة على منع اختزال السلطة أو السيطرة من طرف واحد. غياب أي عنصر من هذه المجموعة يجعل من الانتقال خطوة محفوفة بالمخاطر، وبالتالي منطقياً أن يتجنبها كل طرف إلى أن تتضح صورة التنفيذ.
ما نراه في هذه اللحظة ليس مجرد تردّد تكتيكي، بل صدام استراتيجي على شروط الانتقال للمرحلة الثانية. المعادلة البسيطة تقول أن لا انتقال حقيقيا ما لم تُبْنَ ثقة عملية — ثقة لا تُبنى بمجرد خطابات أو إعلانات عن مجالس سلام — ، وأن الأطراف الفاعلة الآن تختار إما الانتظار إلى أن تتبلور تلك الضمانات أو الإبقاء على حالة التوتر كأداة ضغط سياسية. ومع إرجاء الإعلان عن أعضاء مجلس السلام والالتباسات حول من سيشارك بقوات حفظ الاستقرار الدولية، من المرجح أن يستمر هذا الوضع الضبابي إلى ما بعد مطلع 2026، ويعني عملياً أن"المرحلة الثانية" تبقى بعيدة عن التطبيق الفعلي ما لم تنجح دبلوماسية فاعلة جداً في سدّ الفجوات الأمنية والسياسية العالقة.

دلالات

شارك برأيك

المرحلة الثانية بين حسابات نتنياهو وخطوط حماس الحمراء

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.