اقتصاد

الثّلاثاء 09 ديسمبر 2025 8:29 مساءً - بتوقيت القدس

خسائر فادحة للمنشآت الزراعية في نابلس جراء اعتداءات المستوطنين المتكررة

يواجه ماهر الجنيدي من مدينة نابلس صعوبات جمة في تقييم الأضرار التي لحقت بمزرعته الواقعة في المنطقة الصناعية ببلدة دير شرف غرب نابلس شمال الضفة الغربية، وذلك بعد أن أقدم مستوطنون على إضرام النيران فيها للمرة السابعة خلال عامين.

يقدر الجنيدي الخسائر المادية الناجمة عن هذا الاعتداء الأخير بأكثر من مليوني شيكل (ما يعادل 620 ألف دولار أمريكي)، بالإضافة إلى تدمير مخزن للبذور النادرة والثمينة، كان يحتوي على ما يقارب طنين من البذور تقدر قيمتها بحوالي 800 ألف شيكل (أي 248 ألف دولار).

ويضيف الجنيدي قائلاً: "الخسائر كانت مدمرة بالنسبة لنا، وما زلنا حتى الآن نحاول حصرها وتقييمها. كما أن هناك خسائر كبيرة أخرى تتمثل في دفاتر الديون القديمة التي احترقت مع جميع الملفات والوثائق في المكاتب، والتي لم نتمكن من إنقاذها، وتقدر قيمتها بحوالي 1.6 مليون شيكل (أي 496 ألف دولار)، وهي ديون متراكمة منذ 15 إلى 20 عامًا."

ويروي الجنيدي تفاصيل الحادثة قائلاً: "في الثامن من سبتمبر 2025، بينما كنا نائمين في منزلنا، تلقينا اتصالاً من الجيران يخبروننا بأن النيران تشتعل في المشتل. توجهنا على الفور إلى المكان، وشاهدنا النيران تلتهم المكاتب والمخازن. حاولنا أنا وأبنائي وأصدقائي إخماد النيران حتى وصلت فرق الإطفاء".

ويؤكد الجنيدي أنه وصل إلى الموقع في وقت كان من الممكن فيه السيطرة على الحريق والحد من انتشاره، إلا أن تأخر وصول فرق الإطفاء، نتيجة لتأخيرها من قبل قوات الاحتلال لأكثر من 40 دقيقة على حاجز لا يبعد سوى 3 دقائق عن المشتل، أدى إلى مضاعفة حجم الخسائر وتفاقم انتشار النيران.

ويعتبر حاجز دير شرف أحد أهم الحواجز التي فرضها الاحتلال بعد السابع من أكتوبر 2023 في شمال الضفة الغربية، مما أحدث تغييرات كبيرة في الحياة في البلدة التي كانت تعتبر واجهة نابلس ومدخلها الغربي.

وأشار الجنيدي إلى أن الاعتداءات المتكررة أدت إلى انخفاض الإنتاج إلى 10% فقط، حيث انخفض الإنتاج السنوي من شتلات الخضروات من حوالي 12 مليون شتلة قبل عامين إلى مليون ونصف شتلة فقط هذا الموسم.

ويوضح الجنيدي أن هذه الاعتداءات ليست عشوائية بل مخطط لها مسبقًا، ويقول: "عادةً عندما نرى المستوطنين بالقرب من المشتل، نعرف أن اعتداءً ما سيقع. هذه المرة دخلوا من الخلف، وقصوا الشبك بأدوات خاصة وبطريقة لا تظهر على كاميرات الشارع. استخدموا عبوات حارقة، وكسروا الأبواب لإدخالها. كل ذلك تمّ مع سبق الإصرار".

ومنذ السابع من أكتوبر، تتعرض المنطقة الصناعية غرب دير شرف لحملة منظمة من اعتداءات المستوطنين، وغالبًا ما يتم تنفيذها من قبل مستوطني "شافي شمرون وجيت".

ووفقًا للصحفي والناشط عاصف نوفل من دير شرف، فإن هذه الاعتداءات تتم تحت إشراف مباشر من رئيس مجلس مستوطنات الشمال يوسي داغان، المقيم في مستوطنة شافي شمرون، والذي يوفر الحماية والدعم للمجموعات التي تنفذ هذه الهجمات.

وتضم المنطقة الصناعية عددًا من المصانع ذات الأثر الاقتصادي الكبير والشركات الرائدة في الاقتصاد الفلسطيني، بما في ذلك مصنع الجنيدي للألبان الذي تعرض للحرق أيضًا قبل أسبوعين.

ولا تقتصر اعتداءات المستوطنين على محاولة الاستيلاء على الأراضي، بل تمتد لتحدث تأثيرًا اقتصاديًا مباشرًا على المنشآت ودورة الإنتاج فيها. يعمل في المنطقة الصناعية الغربية لمدينة نابلس وغرب دير شرف أكثر من ألف عامل في قطاعات مختلفة، مما يجعل أي اعتداء عليها يمس أحد أهم المراكز الاقتصادية في شمال الضفة.

ويؤكد نوفل أن المستوطنين نفذوا غرب دير شرف أكثر من 13 اعتداء خلال الشهرين الماضيين فقط، بالإضافة إلى الاعتداءات المستمرة منذ أحداث السابع من أكتوبر، حيث تتكرر الهجمات باستمرار، خاصة ضد التجمعات البدوية المقيمة هناك منذ عام 1975.

من جانبه، يشير ياسين دويكات، مدير غرفة تجارة وصناعة نابلس، إلى أن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت حيوية وألحقت خسائر مادية كبيرة، بما في ذلك استهداف مصنع لمنتجات الألبان وإحراق عدد من مركباته.

ويرى دويكات أن هذه الاعتداءات تمثل ضربة مباشرة للاقتصاد المحلي، موضحًا أن "الخسائر التي تترجم إلى مبالغ مالية تؤثر مباشرة على رأس مال الشركات وتضعف قدرتها على الصمود".

ويؤكد أن تصاعد الاعتداءات ليس أمرًا طارئًا، بل هو امتداد لاعتداءات سابقة شهدتها مناطق صناعية أخرى شرق نابلس مثل حوارة وبيتا، حيث جرى تحطيم محلات تجارية وسرقة منشآت وإتلاف بضائع، معتبرًا أن ذلك يشكل "حصارًا اقتصاديًا ممنهجًا" يهدد استمرارية المشاريع التجارية والصناعية في نابلس.

ويشرح أن الاعتداءات المتواصلة على المنطقة الصناعية الغربية قرب دير شرف لم تطل المنشآت فحسب، بل أثرت على دورة الإنتاج بأكملها، نتيجة للقيود المفروضة على حركة العمال والبضائع.

ويبين أن الموقع، الواقع بين محافظتي نابلس وطولكرم، يجعل الوصول إليه صعبًا، حيث يتسبب حاجز دير شرف في تعطيل نقل المواد الخام والمنتجات النهائية، مما يؤثر مباشرة على تكلفة الإنتاج وسرعته.

ويقول دويكات: "إن إعاقة حركة العمال والبضائع تعني زيادة في التكاليف وتراجعًا في القدرة التنافسية للمنتجات"، مشيرًا إلى أن ذلك يترك أثرًا واضحًا على خطوط الإنتاج وكميات التصنيع في جميع المصانع العاملة داخل المنطقة الصناعية وخارج المخططات الهيكلية للمحافظات.

وسجل تقرير صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) أكثر من ألف هجوم استيطاني في 230 تجمعًا في الضفة الغربية خلال عام 2025، وأكثر من 60% منها في محافظات نابلس ورام الله والخليل.

وفي ظل هذا الوضع، فإن ما تتعرض له المنطقة الصناعية الغربية قرب دير شرف لا يقتصر على اعتداءات عابرة، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لجزء مهم من الاقتصاد الوطني، ويثير تساؤلات جدية حول جدوى استمرار الاستثمار في هذه المناطق إذا بقيت دون حماية حقيقية.

دلالات

شارك برأيك

خسائر فادحة للمنشآت الزراعية في نابلس جراء اعتداءات المستوطنين المتكررة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.