تمثّل القدس اليوم إحدى أكثر القضايا الفلسطينية تعقيدًا، ليس فقط بسبب سياسات الهيمنة الإسرائيلية، بل أيضًا نتيجة الفراغ القيادي الذي اتّسع منذ رحيل فيصل الحسيني، آخر الشخصيات التي جمعت بين الشرعية التاريخية والقدرة على إدارة تفاصيل المدينة، هذا الفراغ، المقرون بتحوّلات اجتماعية واقتصادية عميقة داخل الشارع المقدسي، أعاد طرح سؤال جوهري: كيف تُدار مدينة تخضع لبنية استعمارية مركّبة بلا مرجعية موحّدة؟ ومن هنا ينطلق هذا المقال لبحث إمكانات استعادة القيادة عبر نموذج مجلس تكنوقراط يعيد للمدينة توازنها ودورها.
- أولًا: تكشف مرحلة ما بعد الحسيني هشاشة القيادة البديلة.
تكشف سنوات ما بعد رحيل فيصل الحسيني حجم الهوة التي تركها غيابه، فالرجل لم يكن مجرّد قائد، بل كان خيطًا يربط السياسة بالمجتمع، والثقافة بالميدان، والشخصي بالوطني، ومع رحيله، تنفرط تلك الشبكة التي حافظت على توازن القدس في أكثر مراحلها هشاشة، وتتبدّل ملامح المدينة بسرعة عبر جدار يشقّ أوصالها، هدم يتصاعد، مؤسسات مركزية تُغلق وفي مقدمتها "بيت الشرق"، ومناهج تُحاصَر، وانقسام يبدّد وحدة المرجعية الفلسطينية، وهكذا يتحوّل ملف القدس إلى قضية تُروى أكثر مما تُدار، يُستحضر في الخطاب، لكنه يظلّ بلا يدٍ قادرة على تنظيمه أو حمايته.
- ثانيًا: الشروط البنيوية لغياب القائد الجديد.
مع اتساع الفراغ الذي خلّفه الحسيني، بدأ يتضح أن المشكلة لم تعد في غياب شخص بعينه، بل في غياب الشروط التي تسمح أصلًا بظهور قائد جديد، وتفسّر البنية السياسية والاجتماعية ثلاثة أسباب جوهرية لفشل إنتاج قيادة بديلة:
- أولًا، بقيت القدس خارج دائرة الأولويات الفلسطينية، تُعامَل كملف سياسي يُستحضر عند الحاجة أكثر من كونها مسؤولية يومية تتطلّب إدارة ميدانية متواصلة.
- ثانيًا، اعتمدت إسرائيل استراتيجية ممنهجة لتفكيك أي مركز مقدسي مؤثّر عبر التضيق على الشخصيات الرسمية ومنع التمويل وإغلاق المؤسسات ومحاصرة القيادات الاجتماعية.
- ثالثًا، تغيّر شكل الوعي الشعبي نفسه، إذ باتت القيادة أقرب إلى نمط شبكي موزّع منه إلى زعامة فردية.
وهكذا تحولت القدس إلى مدينة (القيادات المتناثرة)، لجنة حيّ هنا، مؤسسة ثقافية هناك، مجموعة تطوعية في مكان ثالث، وهذه الجهات (رغم أهميتها) لا تستطيع منفردة حمل عبء المدينة ولا مواجهة تحدياتها المتصاعدة.
- ثالثًا: التحديات المركّبة تدفع نحو ضرورة استعادة القيادة.
تدفع التحديات المتراكمة التي تعيشها المدينة (من استهداف التعليم وتصاعد الهدم وتراجع الاقتصاد وتقييد العائلات بالإقامات والضرائب) نحو إدراك واضح بأن غياب القيادة لم يعد فراغًا رمزيًا، بل أزمة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية، فالمبادرات الشعبية واللجان والمؤسسات تبذل جهودًا حقيقية، لكنها تبقى متفرّقة وغير قادرة على تشكيل استراتيجية موحدة، وتُظهر الوقائع أن المدينة بحاجة إلى بنية قيادية تنظم الفعل بدل مراقبته، وتحول الجهد المقدسي المتناثر إلى خطة طويلة الأمد قادرة على حماية الوجود وتوجيه الصمود داخل مشهد شديد التعقيد، مشهد تتقاطع فيه الضغوط اليومية مع حاجة الناس لبناء أفق عمل جماعي، كما يبرز انخراط الشباب كأحد أعمدة أي محاولة جديدة لإعادة تنظيم الفعل المقدسي.
- رابعًا: نحو مجلس تكنوقراط لإدارة القدس كخيار واقعي وعملي.
تبدو فكرة مجلس التكنوقراط كأنها استجابة هادئة لمدى التعقيد الذي بلغته القدس، مدينة تثقلها السياسة ولا يترك الأمن لها مساحة، وتضغط عليها التحوّلات الاجتماعية حتى تكاد تفقد القدرة على تحمل قيادة فردية جديدة أو زعامة حزبية مكبّلة بقيود الاحتلال، وفي هذا المشهد، يطلّ مقترح المجلس كخيار لا يُعوّل على الخطابة بل على المعرفة، ولا على الولاء الفصائلي بل على الكفاءة، يضم خبراء في القانون والتخطيط والهندسة والتعليم والإعلام والاقتصاد، ويتحرك بخفة خارج صراعات التمثيل التي أنهكت كل محاولة سابقة لبناء مرجعية مقدسية.
ويكتسب المجلس شرعيته من مصدرين معًا: ثقة المجتمع المقدسي، والغطاء الرسمي الفلسطيني، من دون أن يقع في فخ الوصاية أو الحزبية، وبفضل هذه المرونة، ينجح في ملامسة فسيفساء المدينة بكل تنوعها، ويغدو مقترح مجلس التكنوقراط صيغة واقعية لمدينة لا يمكن إدارتها بالشعارات، بل تُدار حين تُمنح الخبرة التخصصية مكان العصبية الحزبية، والمعرفة مكان الصوت المرتفع.
- خامسًا: آليات عمل المجلس.
يستطيع مجلس التكنوقراط، إذا ما تشكّل بإرادة مقدسية صادقة، أن يتحوّل إلى «العقل المنسّق للقدس»، ذلك المركز الهادئ الذي يجمع خيوط المدينة المتناثرة ويوجهها نحو فعل منظم، ويبدأ هذا التحوّل باختيار فريق مهني من أبناء القدس، يعبّر عن تنوّعها الاجتماعي والجغرافي، ثم يحدد المجلس أولوياته بوضوح: (التعليم، السكن، القطاع الصحي، الاقتصاد، الحيّز العام، العلاقات الدولية، والدعم القانوني)، وبموازاة ذلك، تُنشأ غرف أزمات قادرة على التدخل السريع في مواجهة الهدم والاعتقالات وإغلاق المؤسسات، فيما تتولى المؤسسات الأهلية دور الشريك التنفيذي الأول، بما تمتلكه من خبرة ومكانة مجتمعية، ومن خلال فتح قنوات عربية وإسلامية ودولية، تستعيد القدس موقعها الطبيعي في عمقها التاريخي والإنساني.
- سادسًا: دور مكوّنات المجتمع في حماية المجلس وإنجاحه.
يتوقف نجاح مجلس التكنوقراط على قدرة المجتمع المقدسي نفسه على احتضانه، فالقوة الحقيقية لا تنشأ في القاعات المغلقة، بل بين الناس، فالأفراد الذين يشجعون بدل أن يشككون، والعائلات التي تمنح الشرعية الاجتماعية، والمؤسسات الأهلية التي تمتلك الخبرة وتدير البرامج، والقطاع الثقافي والتعليمي الذي يغذي الهوية، والقيادة الرسمية التي توفر الغطاء دون أن تتحول إلى وصاية، (جميعها تشكل الحلقة التي تحمي المجلس من الضغوط الإسرائيلية ومن الانقسامات التي مزّقت كل محاولة سابقة لبناء مرجعية مقدسية مستقرة)، إن هذه الشراكة الواسعة هي التي تجعل المجلس مشروعًا للمدينة بأكملها، لا لمجموعة محدودة داخلها.
- تعود القدس إلى أهلها حين تعود القيادة إلى طبيعتها
لا تبحث القدس اليوم عن «بطل جديد» يملأ المشهد، بقدر ما تبحث عن إطار قيادي يشبه ملامحها، "هادئًا في حضوره، عميقًا في رؤيته، متعددًا في تكوينه، وقادرًا على العمل بصبر على المدى الطويل"، تحتاج المدينة إلى مجلس يعيد تجميع طاقاتها المبعثرة، ويعيد الاعتبار لفكرة القيادة التي تنبع من الناس وتعود إليهم، ومجلس التكنوقراط (إن تشكّل بإرادة مقدسية واضحة)، قد يكون الخطوة الأكثر جدية منذ رحيل فيصل الحسيني لإعادة القدس إلى أهلها… ولإعادة أهلها إلى موقعهم الطبيعي (حماة المدينة، لا مجرد شهود على معركتها).
أقلام وأراء
الإثنين 08 ديسمبر 2025 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
القدس بين فراغ القيادة وتحوّلات الشارع .. نحو مجلس تكنوقراط يعيد المدينة إلى أهلها