فلسطين

الجمعة 05 ديسمبر 2025 7:24 مساءً - بتوقيت القدس

إعادة إحياء مشروع منخفض القطارة: هل يصبح حقيقة في ظل التحديات الاقتصادية؟

تجدد النقاش حول مشروع ربط البحر الأبيض المتوسط بمنخفض القطارة في الصحراء الغربية لمصر، وهو المشروع الذي أثار جدلاً واسعًا على الأصعدة العلمية والاقتصادية والسياسية. يأتي ذلك بعد تصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بأن العام المقبل سيشهد إضافة 4.5 مليون فدان إلى المساحة المزروعة في مصر، والتي تبلغ حاليًا 9 ملايين فدان.

في أعقاب حديث السيسي عن التوسع الزراعي، دعا بعض الكتاب المؤيدين للحكومة إلى إعادة النظر في مشروع القطارة، الواقع في محافظة مطروح، مع اقتراح استغلال محطة الضبعة النووية، التي تبنيها روسيا بالقرب من مدينة العلمين، في تحلية مياه البحر التي ستتدفق عبر قناة إلى المنخفض، وذلك بهدف ري المساحات الزراعية الجديدة.

في سياق متصل، دعا الكاتب محمد سلامة إلى استغلال مخاوف دول حوض البحر الأبيض المتوسط من ارتفاع منسوب المياه وغرق الشواطئ، وخاصة في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص وتركيا، للحصول على دعم وتمويل دولي للمشروع. وأشار إلى أن المشروع قد يساهم في خفض منسوب المياه في البحر المتوسط، في ظل توقعات بغرق 20% من شواطئ إيطاليا بحلول عام 2050.

وأكد سلامة أن بعض الخبراء يرون في المشروع حلاً سحريًا لتوفير مياه الري اللازمة لتحقيق طموحات الرئيس بزراعة 4.5 مليون فدان وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وأضاف أن المشروع قد لا يكلف مصر أي مبالغ إضافية إذا تم الترويج له عالميًا، خاصة بين دول البحر المتوسط المهددة بالغرق، داعيًا إلى إنشاء شركة مصرية تتولى تنفيذ المشروع وتطوير المنطقة المحيطة بالمنخفض.

وفي سياق متصل، سلط تقرير أمريكي الضوء على الفوائد العالمية المحتملة لمشروع القطارة، مؤكدًا أن ملء المنخفض بكمية كبيرة من المياه سيساهم في خفض مستوى المحيطات العالمية بمقدار 3 مليمترات، وأن التبخر المستمر للمياه سيؤدي إلى إبطاء ارتفاع مستوى المحيطات بنسبة 6%.

وتساءل التقرير عن سبب عدم إقدام الحكومة المصرية على تنفيذ مشروع إغراق منخفض القطارة، موضحًا أن التحدي الهندسي المتمثل في حفر قناة عبر الجبال الواقعة بين البحر المتوسط والمنخفض يتطلب جهودًا ضخمة. وأشار إلى أن دراسة أجريت عام 2012 قدرت تكلفة المشروع بملياري دولار، في حين أن شركة "بورينغ" التابعة لإيلون ماسك تستهدف خفض تكلفة حفر الأنفاق إلى أقل من 8 ملايين دولار للميل، مما يعني إمكانية حفر نفق القطارة بتكلفة أقل بكثير.

من جهته، أكد الخبير المصري في المياه والسدود الدكتور محمد حافظ أن الجيش المصري قام بإخلاء منطقة على ساحل البحر المتوسط بطول حوالي 10 كيلومترات استعدادًا لبدء مشروع القطارة، الذي يقع غرب واحات سيوة المصرية وجغبوب الليبية.

على الرغم من عدم وجود قرار رسمي من الحكومة المصرية بتنفيذ المشروع، الذي يهدف إلى توليد الطاقة الكهرومائية، إلا أن فكرة تطوير أكبر المنخفضات الصحراوية في العالم وتحويله إلى بحيرة صناعية لا تزال محل خلاف بين الخبراء، بين مؤيد لفوائده ومعارض بسبب تكلفته ومخاطره البيئية.

تعود فكرة المشروع إلى عام 1916، عندما اقترحها الجغرافي الألماني ألبرخت بينك، وقد أجريت دراسات مختلفة للمشروع خلال العقود الماضية، إلا أنها لم تسفر عن نتائج مقنعة للحكومات المصرية المتعاقبة.

يضم منخفض القطارة ثاني أدنى نقطة في أفريقيا، حيث يبلغ عمقه 133 مترًا تحت مستوى سطح البحر، ويغطي مساحة تقارب 19.605 كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة بحيرة أونتاريو في كندا وضعف مساحة لبنان. تعتمد الفكرة الأساسية للمشروع على الاستفادة من فرق الارتفاع بين سطح البحر المتوسط ومنخفض القطارة، وحفر قناة أو نفق لتدفق المياه من البحر إلى المنخفض، وتوليد الكهرباء من خلال توربينات كهرومائية.

يذكر أن مصر قد أجرت دراسات جدوى للمشروع مع خبراء وشركات هندسية ألمانية، وقام الرئيس أنور السادات بتأسيس "هيئة مشروع منخفض القطارة" عام 1975، قبل تجميد الفكرة بسبب العقبات الاقتصادية والفنية التي أظهرتها الدراسات، وظهور بدائل للطاقة أكثر جدوى اقتصادية.

وفي سياق متصل، أشارت تقارير إلى محاولات أمريكية في ستينيات القرن الماضي لإقناع الرئيس جمال عبد الناصر بالمشروع مقابل ابتعاد القاهرة عن الاتحاد السوفيتي، واقترحت استخدام القنابل النووية في حفر القناة، إلا أن مصر رفضت ذلك بسبب المخاطر المحتملة على السكان والبيئة.

وفي أبريل 2023، أعلنت شركة "إليت كابيتال" الإنجليزية عن اتفاق مع شركة "إيجيت كونسلتينج" لإجراء دراسة جدوى جديدة للمشروع، ترتكز على تجنب العقبات السابقة واستخدام أحدث التقنيات، إلا أن الدراسة لم تخرج إلى النور حتى الآن، على الرغم من الوعود بإنجازها خلال شهور.

تتمثل الفوائد النظرية للمشروع في توليد طاقة كهرومائية نظيفة ومستمرة، وتنمية المناطق المحيطة بالبحيرة العملاقة، وإنشاء مزارع سمكية، وزراعة مساحات في الصحراء الغربية، واستخلاص الأملاح والمعادن من البحيرة، وتحقيق تنمية سياحية وصناعية. أما الاعتراضات العملية، فتتعلق بالمعوقات الفنية والتكلفة الهائلة لحفر كميات كبيرة من الصخور والرمال، والمخاوف من تسرب المياه المالحة ورفع منسوب المياه الجوفية، مما يهدد واحات الصحراء الغربية ويؤثر على البيئة.

وتشير التقديرات إلى أن التكلفة الحالية للمشروع قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، نظرًا للجهد الهندسي الهائل المطلوب لإزاحة أكثر من 600 مليون متر مكعب من الرمال والصخور. وتُظهر دراسات الجدوى أن التكلفة الرأسمالية الأولية الضخمة للمشروع تفوق العوائد المتوقعة من توليد الطاقة، خاصة مع انخفاض تكلفة توليد الكهرباء من مصادر بديلة، وهو ما يفسر استبعاد المشروع من أولويات التنفيذ حتى الآن.

في المقابل، تناولت العديد من التقارير الصحفية والدراسات العلمية فكرة المشروع، واقترحت مشروعات مماثلة في بلدان مجاورة لمصر، مثل مشروع إمداد البحر الميت بمياه البحر الأحمر، الذي توقف في عام 2021. كما أشارت تقارير إلى إمكانية تحول منخفض القطارة إلى بيئة صالحة للعيش، وزيادة الرطوبة وهطول الأمطار، وزراعة الأراضي القاحلة، وتوليد الطاقة الكهرومائية، وإنشاء مستوطنات جديدة حول البحيرة.

من جهته، أكد أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي أن الداعين لمشروع منخفض القطارة يعرضون فكرتين: أن يُملأ بمياه البحر المتوسط أو بمياه عذبة من نهر النيل، مستبعدًا تنفيذ المشروع في الوقت الحالي بسبب تكلفته العالية وعدم اكتمال الدراسات اللازمة. وتساءل عن مصدر المياه التي ستكفي لملء المنخفض وزراعة المساحات الجديدة، في ظل التحديات الحالية لتوفير المياه.

وأشار شراقي إلى أن محطة الضبعة النووية ليست قادرة على توفير الكهرباء اللازمة لتحلية مياه البحر وضخها إلى القطارة، وأن تكلفة تحلية المياه عالية جدًا، ولا يمكن تخزين المياه المحلاة في المنخفض المعرض للتبخر بكميات كبيرة، مؤكدًا أن هذه الأفكار والأحلام غير واقعية ولا تستند إلى دراسات علمية متخصصة.

دلالات

شارك برأيك

إعادة إحياء مشروع منخفض القطارة: هل يصبح حقيقة في ظل التحديات الاقتصادية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.