أقلام وأراء

الخميس 04 ديسمبر 2025 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

القدس الممزّقة: كيف تُعيد السياسات الاستعمارية تشكيل المجتمع المقدسي؟

تتغيّر حياة المقدسي يوميًا تحت وطأة سياسات استعمارية تعيد تشكيل أدق تفاصيل وجوده، عبر طريقٌ يقطعه للعمل قد يتحوّل إلى عبورٍ عبر حاجز، زيارةُ قريبٍ قد تستدعي تصريحًا، ومعاملة بسيطة قد تُذكّره بكونه “مقيمًا” لا مواطنًا، يصبح الجدار جزءًا من الجغرافيا الداخلية، والحاجز جزءًا من إيقاع اليوم، والرقابة امتدادًا للخوف الصامت، هنا تتقلص الدوائر الاجتماعية مع منع لمّ الشمل، وتتآكل الخيارات تحت ضغط الضرائب وتهديد الهدم وسحب الإقامة، وفي الخلفية، لا يُعاد رسم المدينة فحسب، بل يُعاد تشكيل المجتمع نفسه: (ناسًا، وعائلات، وهوية تُصارع كي لا تُمحى).
أولًا: واقع جديد يُعاد فيه تعريف المقدسي
يعيش المقدسي اليوم تحوّلًا عميقًا في معنى وجوده داخل مدينته، إذ تدفعه السياسات الاستعمارية إلى إعادة تعريف ذاته في كل خطوة، حيث يشقّ الجدار أوصال القدس لا ليفصل المكان فقط بل ليمزّق الروابط الطبيعية بين العائلات والأحياء، ويحوّل مناطق ككفر عقب ومخيم شعفاط إلى فضاءات هامشية تُترك خارج الخدمات والأمان رغم تبعيتها الإدارية للمدينة، ويجد المقدسي نفسه محاطًا بخرائط جديدة تحدد من هو "داخل القدس" ومن هو "خارجها"، ومن يحق له البقاء ومن قد يفقد إقامته بقرار إداري أو بتغيّر بسيط في عنوان السكن.
ويعمّق هذا التشتت شعورًا جماعيًا بعدم الاستقرار، إذ يعتمد المقدسي على هوية إقامة موقتة يمكن سحبها في أي لحظة، وجواز سفر مؤقت لا يمنحه انتماءً سياسيًا واضحًا، فيما تتحول كل معاملة رسمية أو حاجز عسكري إلى اختبار لهويته ووجوده، ومع هذه الضغوط اليومية، يتغيّر الإحساس بالانتماء تدريجيًا، ويتحوّل السكن والعمل والتنقل إلى قرارات محسوبة تُذكّره بأن حياته ليست تفاصيل عابرة بل جزء من معركة صامتة تُعاد فيها صياغة المجتمع المقدسي.
ثانيًا: تحديات تُعيد تشكيل العلاقات والروابط داخل النسيج الاجتماعي
تتبدّل العلاقات الاجتماعية في القدس تحت تأثير سياسات تضغط على تفاصيل الحياة وتعيد تشكيلها من الداخل، إذ تدفع الحواجز وقيود الحركة ومنع لمّ الشمل المقدسيين إلى إعادة ترتيب دوائرهم العائلية والاجتماعية وفق اعتبارات قانونية وأمنية تفرضها السلطة الاستعمارية، فيتقلّص الامتداد العائلي الذي ربط القدس بمحيطها الطبيعي لعقود، وتصبح الزيارة العائلية أو حضور مناسبة اجتماعية فعلًا مشروطًا يسبقه حساب دقيق للطرق والتصاريح وإمكانية المرور، ويجد الفرد نفسه مُجبرًا على تبنّي نمط حياة حذر يُعيد فيه تقييم علاقاته لا بناء على رغبته بل بناء على ما يمكن تحمّله من مخاطر وملاحقات،
كما تُفاقم القيود الاقتصادية هذا التحوّل، إذ تدفع الضرائب الباهظة وتكاليف المعيشة كثيرًا من الأسر إلى الانكفاء داخل نطاقات ضيقة، ما يقلّل فرص التفاعل ويُضعف الروابط التي منحت المدينة قوتها، ومع تباين أوضاع الأحياء بين داخل الجدار وخارجه، ينشأ انفصال داخلي تتمايز فيه أنماط الحياة والخدمات والأعباء، فتتشكل صورة لمجتمع مُعاد توزيعه تحت ضغط الجغرافيا والقانون، متباعدًا تدريجيًا عن النسيج المتماسك الذي شكّل روح القدس.
ثالثًا: مخاطر تُهدّد تماسك المجتمع وتُضعف سماته الجمعية
يتسارع تفكك النسيج الاجتماعي في القدس تحت وطأة سياسات تستهدف الحياة اليومية أكثر مما تستهدف الأرض نفسها، إذ تدفع منظومة العمل المقدسيين إلى الاعتماد شبه الكامل على سوق إسرائيلي لا يعترف بوجودهم السياسي، فيتحول الراتب إلى وسيلة ضبط ويصبح الاستقرار المعيشي هشًا أمام أي تغيير قانوني أو إداري، ومع الضرائب الباهظة والمخالفات وتهديدات الهدم، تعيش غالبية الأسر على حافة الفقر، ما يخلق طبقات جديدة من الضعف تُعمّق شعورًا عامًا بالعجز وتفتح الباب لانكفاء داخلي يهدد الروابط التقليدية.
ويتجلى الخطر الأكبر في تراجع المؤسسات الفلسطينية أمام الرقابة والإغلاق، وفي دفع المدارس نحو مناهج تُعيد تشكيل الوعي بعيدًا عن السردية الوطنية، يضع هذا التحول المعرفي الأجيال أمام فجوة هوياتية حادة، يعيشون فيها بين روايات متناقضة وزمنين مختلفين، فيتزعزع إدراكهم للانتماء، ويظهر التفكك هنا في أخطر أشكاله عبر تآكل الرموز والمعنى والذاكرة المشتركة، ما يضعف القدرة على تخيّل مستقبل جماعي. فالمجتمع الذي تُصادر لغته الداخلية يقترب من فقدان قدرته على حماية ذاته، وهذه إحدى أعقد المعضلات الوجودية التي تواجه القدس اليوم.
رابعًا: فرص الصمود… حين يُعيد المجتمع إنتاج قوته رغم القيود
يبتكر المجتمع المقدسي، رغم العزل والضغط ونقص الموارد، مساحات جديدة للصمود تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، تنشأ داخل الأحياء المغلقة مبادرات محلية فعّالة تدير شؤون الحياة اليومية، وتعيد المجموعات الشبابية إحياء الشارع بثقافة العمل التطوعي، وتقدّم المبادرات النسوية دعمًا مهمًا للأسر، فيما تُسهم الأنشطة التعليمية والنفسية في سدّ الفجوات التي خلّفتها السياسات والإغلاقات، ورغم تواضع الإمكانات، تنجح هذه الجهود في منع تفكك المجتمع وخلق دوائر جديدة من الثقة والتضامن.
وتكمن قوة المقدسيين في قدرتهم على تحويل المساحات المقيّدة إلى منصات مقاومة اجتماعية تُبقي الهوية حية والحضور ثابتًا، فما يبدو أفعالًا بسيطة يتحوّل في سياق مدينة تُحاصَر فيها الحياة اليومية إلى إعلان صريح عن البقاء والإصرار، ولا تكتفي هذه المبادرات بسدّ الفراغ الإداري الذي تتركه المؤسسات المحاصرة، بل تكشف قدرة المجتمع على إعادة تنظيم ذاته من الداخل، فهي تؤكد أن الصمود في القدس لا يصنعه الفعل السياسي وحده، بل ينهض من جهود الناس العاديين الذين يحولون يومهم الضيق إلى مساحة حياة ومقاومة متجددة.
خامسًا: توصيات لإعادة بناء النسيج المجتمعي المقدسي
تحتاج القدس إلى رؤية فلسطينية تُعيد بناء نسيجها الاجتماعي بدل الاكتفاء بردود الفعل، يبدأ العمل بتعزيز التعليم الفلسطيني المستقل عبر تمويل مستدام يحدّ من تمدد الأسرلة ويحمي الرواية الوطنية، وبدعم المؤسسات الصحية والاجتماعية التي تتحمل العبء الأكبر في مدينة ترتفع فيها الضغوط ونسب الفقر، ويقتضي ذلك إنشاء صندوق وطني دائم يوفّر دعمًا مباشرًا للأسر والمؤسسات، إلى جانب برامج تعيد وصل القدس بعمقها الفلسطيني ثقافيًا ونفسيًا وحقوقيًا بما يعزز القدرة على الصمود.
كما يتطلّب المشهد حماية العمال المقدسيين داخل سوق العمل الإسرائيلي عبر تمثيل نقابي فعّال يضمن حقوقهم، ودفع المجتمع الدولي للتحرك ضد سياسات الهدم وسحب الهويات التي تستهدف البنية الاجتماعية، وتحتاج المدينة إلى مبادرات تخلق جسور تواصل بين أحيائها الممزقة، وتعيد الاعتبار للمؤسسات الأهلية كركيزة للتماسك، وإذا ما تكاملت هذه الخطوات، يمكن للقدس أن تستعيد جزءًا من قدرتها على الحياة المشتركة، وأن تُواجه مشروع التفكيك بسياسة بناء متدرّجة تُعيد الاعتبار للإنسان وهويته داخل مدينة تُخاض فيها المعركة على شكل الحياة قبل أي شيء آخر.
نبض مدينة لا ينطفئ
تُظهر القدس أن مجتمعها، رغم التفكيك والحصار، ما زال يقف صلبًا في وجه مشروع يستهدف اقتلاع هويته، غير أن هذا الصمود، مهما بدا عنيدًا، يحتاج إلى دعم حقيقي يحمي نسيج المدينة من التآكل، فالقدس تعيش بروح صمود لا ينطفئ، لكن واجب الجميع من "مؤسسات رسمية، ومؤسسات أهلية، ومجتمع مدني، وأفراد" ألا يتركوها تواجه مصيرها وحيدة.

دلالات

شارك برأيك

القدس الممزّقة: كيف تُعيد السياسات الاستعمارية تشكيل المجتمع المقدسي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.