تتحرك العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا فوق أرض سياسية شديدة الاضطراب، تختلط فيها اعتبارات الطاقة بحسابات النفوذ الإقليمي. فعلى مدى العقود الماضية، تكررت المواجهة بين مسعى واشنطن لإعادة هندسة المشهد الجيوسياسي في محيطها القريب، ومساعي كاراكاس لترسيخ سيادتها ومقاومة الضغوط الخارجية المتصاعدة. واليوم، ومع ارتفاع منسوب التوتر وتحول اللغة الدبلوماسية إلى رسائل تُحمَل على متن حاملات الطائرات، تتزايد في مراكز الأبحاث الأميركية الإشارات إلى احتمال انتقال واشنطن من مرحلة العقوبات إلى خيارات أشد صلابة، قد تشمل التلويح بتدخل عسكري تحت ذرائع تمتد من "انهيار الديمقراطية" إلى "تفشي الفساد والجريمة والمخدرات". ورغم الضجيج السياسي، يبقى النفط ـ ذلك العامل الصامت والأكثر تأثيراً ـ حاضراً في خلفية المشهد، موجّهاً الكثير من الخطاب المعلن وإن لم يُذكر بالاسم
تعود البذرة الأولى لهذا الصراع إلى عام 1999، عندما صعد هوغو تشافيز إلى السلطة حاملاً مشروعاً اجتماعياً واقتصادياً يعيد للدولة سيطرتها على قطاع النفط، ويحد من نفوذ الشركات الأميركية التي اعتادت التعامل مع فنزويلا كفضاء اقتصادي مفتوح لعملياتها. هذا التحول كان بمثابة صفارة بدء للمواجهة. فبالنسبة لواشنطن، بدا التشافيزيون وكأنهم يعيدون رسم قواعد اللعبة النفطية في بلد يمتلك أحد أكبر احتياطات في العالم، حيث يقدّر خبراء الطاقة الأميركيون إمكانات عائده النفطي أكثر من 1000 مليار دولار (تريليون دولار) خلال عقود مقبلة.
لم يكن مستغرباً أن يظهر الشرخ سريعاً. ففي ربيع عام 2002، وبعد ثلاث سنوات فقط من حكم تشافيز، دعمت إدارة جورج بوش الابن انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس الفنزويلي ليومين قبل أن تعيد الحشود الشعبية ترتيبه في سدة الحكم. كان ذلك الحدث لحظة مفصلية؛ فالفنزويليون رأوا فيه رسالة مباشرة مفادها أن واشنطن ترفض استقلال القرار الاقتصادي والسياسي داخل بلد يعد أحد أهم مصادر الطاقة العالمية، وأن الصراع لم يكن يتعلق بالديمقراطية، بل بسلطة الدولة على النفط.
بعد فشل الانقلاب، انتقلت واشنطن إلى مقاربة أكثر صلابة: عقوبات متدرجة توسعت بمرور الوقت حتى تحولت إلى حصار اقتصادي شامل تقريباً، خاصة بعد وفاة تشافيز وتولي نيكولاس مادورو الرئاسة. وفي كل جولة عقوبات جديدة، كانت شركة النفط الوطنية PDVSA هي الهدف الأول، في محاولة لخنق شرايين الاقتصاد الفنزويلي ومنع تدفق النفط إلى الأسواق العالمية. وبالتوازي، كانت الولايات المتحدة تدعم المعارضة السياسية، وتجهز البنية القانونية والسياسية لتبرير ضغوطها باعتبارها دفاعاً عن الديمقراطية، رغم غياب أي مسار دبلوماسي جدي للتسوية.
في المقابل، لم تقف كاراكاس متفرجة. فقد اتجهت إلى توسيع شراكاتها مع الصين وروسيا، وفتحت أبواب قطاع الطاقة أمام استثمارات خارج الدائرة الغربية، واختارت تموضعاً جيوسياسياً يناقض تماماً أولويات واشنطن. هذا التحول أثار قلقاً أميركياً مضاعفاً، ليس فقط لأنه أعاد تشكيل خريطة النفوذ في أميركا اللاتينية، بل لأنه حوّل فنزويلا إلى قاعدة نفطية كبرى خارج السيطرة الأميركية في لحظة تشهد اضطرابات كونية في أسواق الطاقة.
ومع صعود إدارة دونالد ترمب، بلغ الضغط الأميركي ذروته. فقد فرضت واشنطن بين 2017 و2020 أشد العقوبات قسوة في تاريخ العلاقة الثنائية، بما في ذلك حظر شراء النفط الفنزويلي وتجميد الأصول وفرض عقوبات على كبار المسؤولين والشركات المرتبطة بهم. وعلى الرغم من أن الإدارة قدّمت ذلك باعتباره سعياً لإسقاط النظام والاستجابة لمطالب المعارضة، فإن كثيراً من محللي الطاقة في واشنطن كانوا يرون أن الهدف الحقيقي هو واحد: إعادة فتح قطاع النفط أمام الشركات الأميركية وإزالة ما تبقى من إرث تشافيز الذي أعاد للدولة سيادتها على القطاع.
ومع تحول النفط إلى سلعة جيوسياسية أكثر مما هو مورد اقتصادي، صارت فنزويلا جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بتراجع الإنتاج العالمي، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى، وحاجة الولايات المتحدة إلى مصادر مستقرة في ظل اضطرابات الشرق الأوسط وتوتر العلاقة مع روسيا. هذه الخلفية خلقت صورة فنزويلا داخل العقل الاستراتيجي الأميركي باعتبارها كنزاً جغرافياً قريباً، ومورداً يمكن أن يحوّل الضباب في سوق الطاقة إلى يقين، لو تمكنت واشنطن من إعادة هندسة السلطة داخل كاراكاس.
من جانبها، تتعامل حكومة مادورو مع الضغوط الأميركية بوصفها محاولة لإعادة استعمار البلاد اقتصادياً. وترى أن العقوبات ليست مجرد أدوات ضغط، بل جزء من خطة مركبة تستهدف خنق الاقتصاد وإجبار الدولة على التخلي عن سيطرتها على ثرواتها الطبيعية. وهي تشير إلى أن خطاب الديمقراطية كان دائماً غطاءً لتبرير العقوبات، وأن واشنطن لا ترغب في تغيير السلوك السياسي بقدر ما تسعى إلى إعادة هيكلة قطاع النفط وفتحه أمام الشركات التي فقدت نفوذها منذ 1999.
ورغم قيام إدارة جو بايدن بتخفيف بعض العقوبات في عام 2023 لإتاحة مساحة للمفاوضات بين الحكومة والمعارضة، فإن هذا الانفراج لم يدم طويلاً. إذ سرعان ما عاد التوتر بمجرد تعثر التفاهمات، وتحوّل الملف الفنزويلي مرة أخرى إلى مادة للصراع الداخلي الأميركي، تستخدمه بعض التيارات المحافظة كأداة انتخابية لكسب أصوات الجاليات اللاتينية المعارضة لمادورو، فيما ترى فيه دوائر أخرى فرصة لإعادة تشكيل سوق الطاقة بما يتماشى مع المصالح الأميركية.
وعلى الرغم من عدم وجود إعلان رسمي عن نية القيام بعمل عسكري، فإن سجل السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية يترك الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات. فمن بنما وغرينادا إلى تشيلي ونيكاراغوا، كانت المصالح الاقتصادية دائماً المحرك الأول في قرارات التدخل، بينما تأتي الشعارات الأخرى في مرتبة تالية. واليوم، تبدو فنزويلا جزءاً من هذا الإرث التاريخي ذاته، حيث يتقاطع النفط مع الجغرافيا والسياسة والاقتصاد.
ومع دخول الصراع عامه الخامس والعشرين، يتقدم السؤال الذي يراوح مكانه منذ سنوات: هل تتجه واشنطن إلى تصعيد أكثر جرأة لفرض رؤيتها على قطاع النفط الفنزويلي، أم ستكتفي بإستراتيجية الضغط الطويل الذي أثبت فعاليته في إنهاك الاقتصاد وتضييق خيارات الدولة؟ المؤكد أن فنزويلا ستظل ساحة مفتوحة للتجاذب ما دام النفط يشكل العمود الفقري للقوة الأميركية، وما دامت كاراكاس تصر على إدارة ثروتها بعيداً عن عيون الشركات الكبرى التي ترى في الاحتياطيات الفنزويلية فرصة لا تتكرر.





شارك برأيك
فنزويلا تحت سطوة واشنطن: ربع قرن من العدوان على السيادة والنفط