فلسطين

الإثنين 24 نوفمبر 2025 9:34 مساءً - بتوقيت القدس

اشتهرت بمصائد الموت.. "مؤسسة غزة الإنسانية" تنهي عملها بالقطاع

واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات 

أعلنت مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، وهي الجهة التي دفعت بها الولايات المتحدة وإسرائيل كبديل مؤقت لمنظومة الأمم المتحدة في توزيع المساعدات داخل قطاع غزة، إغلاق عملياتها نهائيًا بعد أشهر قليلة من عملها. غير أن هذا الإعلان لا يطوي صفحة تجربة إنسانية قصيرة فحسب، بل يضع حدًا لمشروع أثار موجة غضب دولية واسعة بسبب نتائجه الميدانية الكارثية التي أسهمت، بحسب شهادات منظمات الأمم المتحدة ومسعفين وناجين، في مقتل مئات الفلسطينيين. وبينما تروّج المؤسسة لنفسها بأنها "قدّمت نموذجًا جديدًا لتوزيع المعونات"، تكشف التجربة على الأرض عن نموذج لا يُشبه العمل الإنساني إطلاقًا، بل يقترب أكثر من كونه عملية أمنية ميدانية حُوِّل فيها توزيع الغذاء إلى فخ قاتل.

من جهتها، شكرت وزارة الخارجية الأميركية المؤسسة سيئة السمعة ، وقال الناطق باسم وزارة الخارجية المناوب ، تومي بيغوت : "قد شاركت مؤسسة غزة الإنسانية  (GHF) دروسًا قيّمة مستفادة معنا ومع شركائنا. لقد لعب نموذج المؤسسة، الذي منع حماس من نهب المساعدات والتربح منها، دورًا هامًا في إقناع حماس بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى وقف إطلاق النار. نشكرهم على كل ما قدموه لسكان غزة".

يشار إلى أنه منذ تأسيسها، تمحورت فكرة GHF حول إنشاء أربعة مراكز توزيع ضخمة، تُدار بإشراف أمني مشترك بين شركات أمنية خاصة أميركية والجيش الإسرائيلي، بدل مئات من مواقع التوزيع الصغيرة (400) التي كانت تشرف عليها الأمم المتحدة. وقد قدمت المؤسسة هذه الخطوة على أنها "حل عملي" لضمان عدم وقوع المساعدات في أيدي جهات مسلّحة. لكن الواقع الميداني أثبت سريعًا أن هذه المراكز كانت بيئات خطرة بطبيعتها، إذ حوّلت الجوع الجماعي إلى حالة احتشاد يومية عند بوابات محاطة بالأسلحة، وفي ظل غياب أي إدارة إنسانية محترفة. ومع انهيار النظام الصحي والإداري في القطاع، أصبح الفلسطينيون مضطرين لتعريض حياتهم للخطر من أجل الحصول على كيس دقيق أو علبة غذاء، ما حوّل تلك المواقع إلى ما يشبه حقول الموت.

وقد تكررت مشاهد إطلاق النار خلال محاولة السيطرة على الحشود، لتُسجّل المستشفيات ومراكز الطوارئ مئات القتلى وآلاف الجرحى ممن كانوا يتدافعون للوصول إلى الطعام. ورغم هذه الوقائع المتكررة، أصرت المؤسسة والجيش الإسرائيلي على إنكار مسؤوليتهم، مكتفيين بتصريحات تتحدث عن "إطلاق نار تحذيري" أو "دفاع عن النفس". غير أن حجم الإصابات، وطبيعتها، وتطابق الشهادات الميدانية من موظفين أمميين ومسعفين وسكان محليين، تجعل من الصعب اعتبار هذه الحوادث مجرد أخطاء معزولة، بل تكشف نمطًا متكررًا من استخدام القوة في سياق توزيع المساعدات، وهو سياق يُفترض أن يقوم على حماية المدنيين لا تهديدهم.

ولم يتوقف النقد الدولي عند حدود النتائج الميدانية، بل طال جوهر الفكرة التي قامت عليها المؤسسة. فقد اعتبرت أكثر من 170 منظمة دولية أن GHF انتهكت المبادئ الأساسية للعمل الإنساني، وعلى رأسها الحياد والاستقلالية وعدم التسييس. ذلك أن نموذجها القائم على إدارة المعونات من خلال منظومة أمنية، وبتنسيق مباشر مع طرف عسكري مشارك في النزاع، يُعد خروجًا جذريًا عن المعايير العالمية، ويُدخل المساعدات ضمن أدوات الضغط السياسي، بدل كونها حقًا إنسانيًا محميًا. وبذلك، لم يكن فشل المؤسسة مجرد إخفاق إداري أو سوء تخطيط، بل كان انهيارًا أخلاقيًا في صميمه.

إلى جانب ذلك، تكشّفت مشاكل بنيوية عميقة في المؤسسة نفسها. فمديرها الأول، جيك وود، استقال مبكرًا بعدما أعلن أن المؤسسة غير قادرة على الالتزام بالمبادئ الإنسانية. كما واجه فرعها المسجل في جنيف أوامر بالحل من السلطات السويسرية بسبب غياب المتطلبات القانونية الأساسية، من حساب بنكي إلى مجلس إدارة فعّال. وزاد من تعقيد المشهد ظهور اتهامات من متعاقدين سابقين تحدثوا عن "سلوكيات قد ترقى إلى جرائم"، وهي اتهامات نفتها المؤسسة لكنها لم تستطع التخلص من تأثيرها على سمعتها.

ورغم طي صفحة GHF رسميًا، فإن النموذج الذي أسّسته لم يُطوَ بالكامل. فقد أعلنت واشنطن وتل أبيب أن مرحلة ما بعد المؤسسة ستدار عبر "مركز التنسيق المدني–العسكري"، وهي آلية جديدة يُفترض أن تواصل — بل وتوسع — النموذج ذاته الذي أثار كل هذا الجدل. وهذا التطور يثير مخاوف واسعة من إعادة إنتاج تجربة أثبتت فشلها الدموي، بدل التوقف عندها واستخلاص الدروس اللازمة لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات بكرامة وأمان.

وتُعد تجربة مؤسسة غزة الإنسانية مثالًا يجب التوقف عنده مطولًا، ليس بوصفه نموذجًا جديدًا لتوزيع المساعدات، بل كتحذير صارخ من خطورة تحويل العمل الإنساني إلى مشروع أمني يخضع لمنطق القوة بدل منطق الحماية. لقد تركت المؤسسة وراءها إرثًا ثقيلًا من الضحايا والفوضى والتجارب الميدانية الفاشلة، ما يجعل من الضروري فتح ملفها أمام تحقيقات مستقلة، والتأكيد على أن أي آلية مستقبلية يجب أن تعيد الاعتبار إلى المبادئ الإنسانية قبل أي شيء آخر، حتى لا تتحول "المراكز الإنسانية" مرة أخرى إلى حقول قتل.

دلالات

شارك برأيك

اشتهرت بمصائد الموت.. "مؤسسة غزة الإنسانية" تنهي عملها بالقطاع

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.