د.مخيمر أبو سعدة: الدرس الأساسي من 7 أكتوبر ضرورة تجنب المغامرات العسكرية في ظل توازن القوة الحالي والانحياز لإسرائيل
جودت مناع: تداعيات 7 أكتوبر أعادت رسم خريطة الصراع وكشفت ثغرات داخلية مؤلمة وأحدثت تحولات عميقة في الوعي الدولي
مازن الجعبري: رغم عودة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الإقليمي والدولي لا يمكن تجاهل الآثار الكارثية التي لم تكن بالحسبان
عادل شديد: الرسالة السابع من أكتوبر هي أن لا استقرار ولا هدوء ولا أمن في المنطقة دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه
د. إسماعيل مسلماني: لحظة تاريخية كسرت الثوابت الأمنية الإسرائيلية لكن الحسابات السياسية لم تكن بوضوح الحسابات الميدانية
بعد مرور عامين على حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة، وكذلك مرور عام على استشهاد يحيى السنوار الذي ارتبط اسمه بأحداث السابع من أكتوبر، يرى محللون وكُتّاب في أحاديث لـ"ے" أنّ ذلك اليوم كان محطة فاصلة في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأعاد القضية الفلسطينية إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي، بعد محاولات إسرائيل القفز عليها عبر مسار التطبيع، كما أسقط نظرية "التفوق النوعي الإسرائيلي أمنيّاً واستخباريّاً وعسكريّاً".
لكن، بالرغم من ذلك، رأوا أن ما حدث كان كارثة على الشعب الفلسطيني، بسبب ما تبعه من حرب إبادةٍ شعواء راح ضحيتها مئات الآلاف من الشهداء والمفقودين والجرحى، إضافة إلى الدمار الواسع والشامل للبنية التحتية وكل مرافق الحياة، في حين لم تكن الحسابات السياسية بوضوح الحسابات الميدانية، وغابت الرؤية لما بعد العملية، وتحوّل النصر الرمزي إلى معركة بقاء في وجه آلة حربٍ لا تعرف الرحمة، مشيرين في الوقت ذاته إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار الهشّ وما يُعرف بـ"خطة ترمب" وما يدور الحديث عنه من سيناريوهات "اليوم التالي" أعادت غزة والقضية الفلسطينية إلى الوراء، ما يستوجب تجاوز الخلافات الداخلية وترتيب البيت الفلسطيني، للاستفادة من الدروس والعبر، والخروج ببرنامجٍ واضحٍ وموقفٍ موحد لمواجهة التحديات الراهنة والنهوض بالمشروع الوطني.
قطاع غزة حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الهش
اتفاق ترمب أعاد القضية الفلسطينية للوراء
يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر د.مخيمر أبو سعدة أنه بعد مرور عامين على الإبادة ومرور عام على رحيل السنوار، فإن 7 أكتوبر كان كارثة على الشعب الفلسطيني، مضيفاً أن العديد من قيادات حركة حماس أعربوا عن ندمهم إلى حد ما على ما جرى يوم 7 أكتوبر، نظراً لرد الفعل الإسرائيلي التدميري على قطاع غزة، وما نتج عنه من أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى والدمار.
وأشار أبو سعدة إلى أن اتفاق ترمب أعاد القضية الفلسطينية وقطاع غزة إلى الوراء، باستثناء المسار السياسي المفترض نحو إقامة دولة فلسطينية.
ومع ذلك، قال: إن إعادة القضية إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي تعد إنجازاً مهماً لـ"حماس" بعد 7 أكتوبر، فقد كانت القضية الفلسطينية منسية إلى حد ما، لكنها عادت لتصبح محور الضوء على المستوى الإقليمي والعالمي.
ويرى أبو سعدة أن عدداً من الدول قد عزز اعترافه بالقضية الفلسطينية مؤخراً، مشيراً إلى نماذج من دولٍ أوروبية وغيرها، ما يُعدّ دعماً لفكرة حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967.
واعتبر أن ما حصل بعد 7 أكتوبر كارثي بكل معنى الكلمة، من حيث عدد الضحايا والجرحى والدمار وفقدان عامين دراسيين لأكثر من 650 ألف طالب، وتدمير الجامعات، وما سينجم عنه من مشاكل صحية واجتماعية طويلة المدى في قطاع غزة، لا سيما بين الأطفال الذين فقدوا معظم عائلاتهم ويحتاجون إلى رعاية عاجلة.
ضرورة المراجعة لفكرة المقاومة المسلحة العنيفة
وقال أبو سعدة: "إن الدرس الأساسي من 7 أكتوبر هو ضرورة تجنب المغامرات العسكرية غير المدروسة"، مضيفاً أنه كان يُفترض دراسة مثل هذه القرارات دراسة معمقة داخل حركة حماس قبل الإقدام عليها، لأن قضية 7 أكتوبر لم تكن معروفة التفاصيل إلا لعدد قليل جداً".
وأضاف: أهم درسٍ بعد 7 أكتوبر هو الحاجة إلى مراجعة فلسطينية لفكرة المقاومة المسلحة العنيفة في ظل توازن القوة الحالي وانحياز العالم إلى إسرائيل.
وأشار إلى أن تحرير فلسطين ليس بالضرورة أن يتم عبر المقاومة المسلحة فقط، مستدلاً بنماذج دول حررت نفسها عبر المقاومة السلمية مثل الهند وجنوب إفريقيا، اللتين أنهتا سياسات عنصرية عبر وسائل سلمية.
ودعا أبو سعدة إلى عملية مراجعة شاملة لدى القيادة والشعب الفلسطيني للبحث عن طرق وبدائل تحقق أهداف الشعب في إنهاء الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال، لكن دون الثمن الباهظ الذي دفعه الفلسطينيون عبر التاريخ.
السابع من أكتوبر: بين البطولة والمأساة
وقال الكاتب الصحفي جودت مناع: "بين جدران السجون الإسرائيلية تشكّلت شخصية يحيى السنوار، أحد أبرز قادة المقاومة في غزة، ليصبح لاحقًا رمزًا مثيرًا للجدل بين مؤيد يراه بطلًا قوميًا، ومعارضٍ يحمّله مسؤولية حرب قاسية أدت إلى استشهاد وإصابة مئات الآلاف من المدنيين".
وأضاف: "بغضّ النظر يظل السنوار رمزًا للصلابة الفلسطينية ومقاتلًا واجه قوة الاحتلال بجرأة نادرة، دون أن تردعه آلة الحرب الإسرائيلية عن مبادئه وقضيته"، مشيراً إلى أن تداعيات السابع من أكتوبر على المدنيين أعادت رسم خريطة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكشفت في الوقت ذاته تحولات عميقة في الوعي العربي والدولي تجاه القضية الفلسطينية.
ويرى مناع أن "هجوم السابع من أكتوبر شكّل تحولًا جذريًا في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فقد نجحت المقاومة في إيلام إسرائيل وتحطيم إحساسها بالأمن، وهو ما ترك ندوبًا نفسية عميقة في المجتمع الإسرائيلي، وأعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية بعد سنوات من التهميش".
وأكد أن هذا الإنجاز ترافق مع أخطاء قاتلة، أبرزها اختطاف عدد من المدنيين، وهو ما استغلته إسرائيل دعائياً لتبرير حربها الواسعة ضد المدنيين في غزة وتدمير القطاع بالكامل.
نتائج الحرب وتداعياتها
وأشار مناع إلى أن "التصادم بين إسرائيل وحركة حماس أدّى إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث، إذ ارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين إلى مئات الآلاف بين شهيد وجريح ومفقود، بينهم أعداد هائلة من النساء والأطفال. ومع استمرار القصف وتدمير البنية التحتية، تحوّلت غزة إلى مدينة منكوبة بكل المقاييس".
وقال: رغم الخسائر الفادحة، حققت الحرب تأثيرًا سياسيًا ودبلوماسيًا غير مسبوق. فقد أعادت تعريف الصراع أمام الرأي العام الدولي، ودفعت الأمم المتحدة وعددًا كبيرًا من الدول إلى وصف ما يجري في غزة بأنه حرب إبادة جماعية. كما أسهمت في تجميد محادثات التطبيع، وأضعفت صورة إسرائيل عالميًا كدولة لتظهر مجددًا كقوة احتلال تمارس القمع الممنهج ضد المدنيين".
وأكد مناع أن حرب أكتوبر كشفت أيضًا ثغرات داخلية مؤلمة. فقد شُنّ الهجوم دون تنسيق مع أي من الفصائل الفلسطينية الأخرى، ما أحدث شرخًا سياسيًا وإعلامياً واضحًا، وأثر على الجبهة الداخلية التي لم تكن مستعدة من الناحية التموينية أو الدفاعية لمواجهة حرب بهذا الحجم، موضحاً أن الخطاب السياسي والإعلامي لحركة حماس تجاه بعض الدول العربية اتسم أحيانًا بالحدة، وبتصريحات وصمت أطرافاً بالخيانة، وهو ما خلق توترًا في علاقات الحركة الإقليمية.
وأشار إلى أنه "برزت انتقادات حماس المتكررة للسلطة الوطنية ومنظمة التحرير، ما فُهم على أنه محاولة لإقصاء المكونات الفلسطينية الشرعية الأخرى من المشهد السياسي، رغم أن المنظمة والسلطة لعبتا دورًا دبلوماسيًا وإعلاميًا فاعلًا في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وساهمتا في رفع عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين، ودعم تحركات المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو ووزير وقادة جيشه بتهم ارتكاب جرائم حرب".
تداعيات إقليمية أوسع
وأشار مناع إلى توسّع رقعة الصراع بعد السابع من أكتوبر، حيث شملت الاعتداءات الإسرائيلية لبنان وسوريا واليمن وإيران، في محاولة لإضعاف القوى الداعمة للمقاومة الفلسطينية. وقد مهدت هذه التطورات الطريق أمام إسرائيل لتثبيت وجود عسكري في بعض المناطق الحدودية، خصوصًا في سوريا ولبنان.
ويرى مناع أنه "رغم الاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأمريكي لوقف الحرب، فإن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتزايد عنف المستوطنين ضد القرى والمخيمات الفلسطينية، خاصة حول القدس والحرم القدسي الشريف، أثبتا أن جوهر الاحتلال لم يتغير، وأن المأساة الفلسطينية ما زالت مستمرة".
السردية الفلسطينية تنتصر
وأكد مناع أنه "رغم حجم الكارثة، فقد خرج الفلسطينيون من هذه الحرب وهم أكثر حضورًا في الوعي العالمي. فقد كشفت المجازر الإسرائيلية زيف السردية التي حاولت تل أبيب تسويقها لعقود، وأثبتت أن العالم بدأ يسمع مجددًا صوت الضحية الفلسطيني بعد أن طغت عليه دعايات الاحتلال".
وخلص مناع إلى القول: "لقد أعاد السابع من أكتوبر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى نقطة الحقيقة: احتلال ظالم وشعب يقاوم منذ أكثر من سبعة عقود ونيف من أجل الحرية والكرامة والعودة. وسيبقى الفلسطيني رغم الجراح حارس الحلم ووصيّ الذاكرة، ما دام في الأرض ما يستحق الحياة".
7 أكتوبر بمنظار سياسي وعسكري وتاريخي
بدوره، أكد المحلل المختص بالشأن الإسرائيلي مازن الجعبري أنه "رغم أن الصراع لم ينتهِ بعد، فإن مرور عام على استشهاد يحيى السنوار وعامين على اندلاع طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، يتيح لنا النظر إلى ما بعد ذلك الحدث المفصلي بمنظار سياسي وعسكري وتاريخي أعمق، يوازن بين النجاحات والإخفاقات والدروس المستفادة".
وأشار إلى أن أهم إنجاز تحقق هو أن طوفان الأقصى أعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي والإقليمي، بعد أن حاولت إسرائيل القفز عليها عبر مسار التطبيع مع عدد من الدول العربية في إطار الاتفاقات الإبراهيمية.
وقال: بفعل هذا الحدث، عادت فلسطين إلى الواجهة السياسية والدبلوماسية والإعلامية، وتأكدت حقيقة أن جوهر الصراع في المنطقة ما زال هو الاحتلال والاستعمار، وليس القضايا الاقتصادية والثقافية والإنسانية التي حاولت تل أبيب تسويقها عبر نتنياهو، الذي روّج لإمكانية التطبيع وإقامة العلاقات مع الدول العربية دون حلّ القضية الفلسطينية.
وعلى الصعيد العسكري، يرى الجعبري أن "المقاومة تمكنت من تحقيق هدف استراتيجي بالغ الأهمية تمثّل في كسر صورة الجيش الذي لا يُهزم، وتجاوز أنظمة المراقبة الإلكترونية والاستخبارية الأكثر تطورًا في العالم. كما فشلت إسرائيل، رغم كل قوتها التدميرية، في تحقيق هدفها الأساسي المعلن، وهو القضاء على المقاومة الفلسطينية".
أما على المستوى الدولي، فتابع الجعبري: "كشفت الحرب انحياز الإدارة الأمريكية الكامل لإسرائيل ومشاركتها الفعلية في جرائم الإبادة والتهجير عبر الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي".
وأكد أن الأحداث أظهرت أن دولًا أوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والمجر، سارت في النهج نفسه، في حين شكّل الموقف الشجاع لإسبانيا والنرويج وإيرلندا، ومعها العديد من دول أمريكا اللاتينية، تحولًا مهمًا في اتجاه تأييد الحق الفلسطيني. والأهم من ذلك أن الضمير العالمي بدأ يتحرك مع فلسطين بعد تغيّر السردية الدولية التي طالما صوّرت إسرائيل كضحية، لتصبح فلسطين حاضرة في وجدان الشعوب عبر العالم".
عربيًا، أشار الجعبري إلى أن "الأحداث أكدت أن معظم الأنظمة الرسمية كانت محايدة، بينما لم يكن التضامن الشعبي بالمستوى الذي يوازي حجم الكارثة".
تعميق الانقسام الداخلي
أما فلسطينيًا، فقال: لقد عمّقت الحرب الانقسام الداخلي، وأظهرت أنه بات انقسامًا بنيويًا بين رؤيتين متناقضتين لطبيعة العلاقة مع الاحتلال ومستقبل الكفاح الوطني.
وبيّن الجعبري أنه "رغم هذه المكاسب السياسية والمعنوية، لا يمكن تجاهل الآثار الكارثية التي خلفتها الحرب: مئات آلاف الشهداء والجرحى، دمار شبه كامل في قطاع غزة، وتصعيد موازٍ في الضفة الغربية. هذه الخسائر لم تكن بالحسبان، وكان ينبغي إدراك ردّة فعل الاحتلال الإسرائيلي غير المتوقعة وتقدير حجمها قبل الانجرار إلى مواجهات مفتوحة بهذا الاتساع".
وخلص الجعبري إلى القول: "إن ما جرى هو الحرب الفلسطينية الكبرى التي أثبتت أن هزيمة إسرائيل ليست مستحيلة، وأن جوهر الصراع يبقى مع المشروع الصهيوني المدعوم من قوى الاستعمار والإمبريالية"، مضيفاً أن "طوفان الأقصى أكد أن الاستقرار في الإقليم سوف يبقى هشًا ما دامت القضية الفلسطينية بلا حلّ عادل وشامل".
إخفاق محاولات القفز على القضية الفلسطينية
من جانبه، يرى المختص بالشأن الإسرائيلي عادل شديد أن أحداث السابع من أكتوبر قد أكدت الفشل الذريع للحلول الاقتصادية وإدارة الصراع التي تبنتها حكومات إسرائيل المتعاقبة، وكذلك محاولاتها تجاوز القضية الفلسطينية والذهاب باتجاه إقامة علاقات تطبيع مع الدول العربيه من خلف القضية الفلسطينية ومن خلف ظهر الشعب الفلسطيني.
وأضاف: إن السابع من أكتوبر كان بمثابة رسالة مفادها ان لا استقرار ولا هدوء ولا أمن ولا أمان بالمنطقة دون حصول الشعب العربي الفلسطيني على حقوقه الجماعية السياسية والقومية والمدنية، مشيراً إلى أن السابع من أكتوبر شكّل محطة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، إذ كشف أن الفلسطينيين لم ولن يهزموا، وأن عنجهية إسرائيل وغرورها وصلفها لا بد إلا أن تنفجر في وجهها وفي وجه المنطقة.
كسر "التفوق الاستخباري والأمني"
وأكد شديد أن ما حدث في السابع من أكتوبر قد شكل فشلاً كبيراً وإخفاقاً للمنظومة الأمنية والاستخبارية والعسكرية والتكنولوجية والسياسية الإسرائيلية، وبذلك يكون قد كسر ما يسمى "التفوق النوعي الاستخباري والأمني" وحقق ما حقق في الساعات الأولى للسابع من أكتوبر.
ولكنه أضاف أنه لم يكن الشهيد يحيى السنوار ولا مَن معه يتوقعون أن تكون إسرائيل بهذا المستوى من التوحش وأن يكون الدعم الأمريكي والغربي -خصوصاً في بداية الحرب- بهذا الشكل المطلق، لافتاً إلى أنه "لا يمكن تحميل الشهيد السنوار مسؤولية ذلك، إنما تحميل المسؤولية لإسرائيل التي ارتكبت مجازر ضد مدنيين أبرياء وضد المستشفيات والمساجد والجامعات والمدارس والمنازل، وهذا لا يمكن أن يخطر في حساب أيّ إنسانٍ كان"، مشيراً إلى أن الأخطر من ذلك الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل.
ويرى شديد أنه "بعد هذه الفاتورة التي دفعها الشعب الفلسطيني ليس فقط بسبب الفجوة الكبيرة بسبب موازين القوة، إنما أيضاً بسبب المواقف العربية الضعيفة، موضحاً أن القضية الفلسطينية والمنطقة برمتها دخلت مرحلة جديدة عنوانها أن الفلسطيني مهما عانى ومهما قدّم لن يرفع الراية البيضاء، وأنه الوحيد الذي يملك مفتاح الأمن والأمان والاستقرار، ودون حل قضيته ستصبح شرعية بقاء إسرائيل والتطبيع معها محل شك كبير".
إعادة رسم لموازين الردع من جديد
بدوره، قال المختص بالشأن الإسرائيلي د. إسماعيل مسلماني: "عامان مضيا على السابع من أكتوبر، اليوم الذي غيّر وجه المنطقة وأعاد تعريف الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، إذ إنه لم يكن مجرّد هجوم عسكري، بل لحظة تاريخية كسرت الثوابت الأمنية والسياسية التي قامت عليها إسرائيل منذ تأسيسها، وأعادت للعالم سؤال فلسطين الذي حاول كثيرون دفنه خلف التطبيع والوعود الزائفة.
واشار مسلماني الى ان حماس نجحت في ذلك اليوم في تحقيق ما لم يجرؤ أحد على تخيله: مفاجأة عسكرية هائلة اخترقت منظومات إسرائيل الأمنية والاستخبارية، وأعادت رسم موازين الردع من جديد. في لحظة واحدة، سقطت أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"، واهتزت صورة إسرائيل أمام العالم.
وأضاف: الأهم من ذلك أنّ العملية أعادت الاعتبار للمقاومة كخيار وطني بعد أعوام من الانقسام والتهميش، ووحّدت مشاعر الفلسطينيين في كل مكان من غزة إلى الضفة والقدس والداخل الفلسطيني، كما شكّلت صدمة سياسية وإعلامية دولية أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي".
الإخفاقات والتحديات
لكن، مع كل هذا الزخم، أشار مسلماني إلى بروز إخفاقات وتحديات قاسية، وقال: إن الحسابات السياسية لم تكن بوضوح الحسابات الميدانية؛ إذ واجهت غزة حربًا مدمّرة غير مسبوقة دفع ثمنها المدنيون العزّل.
غابت الرؤية لما بعد العملية، وتحوّل النصر الرمزي إلى معركة بقاء في وجه آلة حرب لا تعرف الرحمة. كما فشلت المقاومة في السيطرة على روايتها إعلاميًا في الغرب، حيث هيمنت الرواية الإسرائيلية في الأيام الأولى، ما أضعف المردود السياسي للحدث رغم التعاطف الشعبي الواسع مع غزة لاحقًا.
الدروس والعبر بعد عامين من الإبادة
ومع ذلك، أكد مسلماني أن "الدروس بعد عامين من الإبادة تبقى بالغة العمق، فقد أثبتت التجربة أنّ النصر ليس لحظة بل مسارٌ طويلٌ من الصمود، وأنّ المقاومة تحتاج إلى قيادة جماعية ومشروع وطني موحّد يوازن بين السلاح والسياسة".
وأضاف: "إنّ غزة، رغم الجوع والنزوح والدمار، تحوّلت إلى ضمير عالمي حيّ، وإلى رمز إنساني يتجاوز حدودها الجغرافية. فصمودها أمام الحصار والعدوان أثبت أنّ الشعوب يمكن أن تصنع قوتها من الألم".
وبخصوص إسرائيل، أوضح مسلماني أنها خرجت من السابع من أكتوبر جريحة الثقة، منقسمة على ذاتها، تعصف بها أزمات داخلية وأخلاقية لم تعرفها منذ قيامها، فقد سقطت صورة الدولة القوية المتماسكة، وحلّ مكانها شكّ شعبي وقيادي في جدوى الحرب وطريقتها.
وقال: "هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: فبينما حاولت إسرائيل سحق غزة، اكتشفت أنّ ما لا يُكسر في الإرادة لا يُكسر في الحرب".
مستقبل المقاومة بعد 7 أكتوبر
ويرى مسلماني أنه "بعد عامين على الحدث، تبدو المقاومة أمام مرحلة إعادة بناء وتقييم شاملة، والتحدي المقبل ليس فقط في مواجهة الاحتلال، بل في تحويل الصمود إلى مشروع وطني جامع يعيد اللحمة بين مكونات الشعب الفلسطيني، ويوازن بين الثمن الإنساني والمردود السياسي".
وخلص مسلماني إلى القول: "إنّ مستقبل المقاومة سيتحدد بقدرتها على إدارة المعركة بعقل استراتيجي طويل النفس، يجمع بين الإيمان بالتحرير وواقعية الميدان والسياسة، فالتاريخ لا يصنعه الحدث وحده، بل من يقرأه ويحوّله إلى رؤية تستمر"، مضيفاً: "إن السابع من أكتوبر يبقى محطة فاصلة في الوعي العربي والفلسطيني، فقد أثبت أن الاحتلال ليس قدَرًا، وأنّ الشعوب، مهما ضعفت، قادرة على أن تُحدث الصدمة التي تفتح باب العبرة والتاريخ من جديد".





شارك برأيك
عامان من الإبادة... الدروس المستفادة بين حسابات الحقل والبيدر