أقلام وأراء

الإثنين 18 أبريل 2022 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

تجربتي متطوعاً لخدمة الأسرى في عيادة سجن الرملة _ الجزء الثاني

بقلم:حمد رفيق ابوعليا .. سجن النقب الصحراوي
(عندما يصبح الأسير هو الطبيب)


يُعرف بعض المثقفين و رجال الدين مصطلح الصبر من زوايا عدة و بصيغ متعددة فيقول بعضهم الصبر هو مجاهدة الاحباط و مراغمة الفشل ومنازلة الخطوب.
ويقول الغير الصبر هو حل المصائب بصمت وتلقي الفاجعة بسكوت وتقبل الصدمة برضى.
و يزيد بعضهم هو الصمود و الاصرار و التحدي للشامتين و اظهار التجمل و الرضى بالقضاء، صبر آدم على فراق وطنه الاول و هو الجنة وصبر يعقوب على فراق يوسف وصبر يونس في بطن الحوت ورسولنا صلى الله عليه وسلم صبر على فراق اهله و ومراتع فتوته و ربوع شبابه فترك الاهل و العشيرة و الدار .
ماذا يعني الصبر للفلسطيني
اياد رضوان الطبنجة من مخيم طولكرم والذي اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في عام2002 بحجة مقاومة قوات الاحتلال الاسرائيلي ابان اجتياحها للمدن الفلسطينية في مدينته الجميلة طولكرم حيث ان قوات الاحتلال الخاصة و اثناء مطاردته قامت بأغتيال عدد من اصدقائه ورفقاء دربه قبيل اعتقاله ليمضي فترة طويلة في زنازين التحقيق حيث لا قريب يواسي ولا صديق يعزي هنا ينوب الصبر عن الجميع و يتكلم بلسان الكل يؤدي واجب الصحبة و القرابة فأذا كان معك الصبر فلا عليك من عدد المحتل و عتاده ولا من بطشه و ناره و زنزانته و وزناده .
اصدرت محكمة الاحتلال الأسرائيلي على الاسير اياد الطبنجة حكماً بالسجن 25 عاما ظلما و بهتاناً وهذا يدل على منطق القوة لا قوة المنطق فالذي سلب الارض و شوه وزور فيها الرواية و اعتقل و صادر و ابعد وشرد و هدم و اغتال احلام اطفال رضع لن يتوانى عن غيه و ظلمه و تلفيق ما يريد من تهم ليس الا لحبس حرية حر حارب المحتل لنيل الخلاص و العيش بكنف الارض و روابيها الخضراء من دون غيوم سوداء .
بدأ الاسير اياد رحلة الأسر المليئة بالاحداث الحافلة بدروس غيرت فيه الكثير فعبر محطات زادته ارادة و صلابة على حب الارض و سمائها و هوائها
فهو اللأجئ الذي رأى في طفولته بين حنايا زقاق المخيم جدته جالسة على كرسيها بأشواق و دموع تنهمر و بيدها مفتاح ذلك المنزل الذي سلبه الغرباء عابرة بخيالها طريق العودة و اياد الان يرى هذا المفتاح بيد السجان قابضاً عليه مانعاً اياه من الحرية فما اشبه المفتاح بالمفتاح و ما ابعد اليد القابضة على مفتاح العودة من اليد القابضة على مفتاح الاسر .
قرر الاسير اياد الطبنجة في عام 2011 وبعد مرور ما يقارب 9 سنوات على الأسر ان يسخر نفسه لخدمة اخوانه الاسرى المرضى في عيادة سجن الرملة و ذلك بسبب حاجتهم الماسة لمن يلبي احتياجاتهم اليومية وذلك بسبب ما يعانيه هؤلاء الاسرى المرضى من تقصير متعمد في جميع النواحي العلاجية و المعيشية و بشكل يومي من قِبل ادارة عيادة سجن الرملة و بعد ضغوط عديدة على ادارة سجن جلبوع من قبل الهيئة التنظيمية رضخت ادارة السجن و وافقت على ارساله لعيادة سجن الرملة حيث بأنتظاره المرضى المثقلين بالالام و الاوجاع و الحرمان متشوقين لسماع اخبار الاسرى في السجون هنا تتجلى معاني الصبر و الاخوة في تجلي ثنائية المرض و السجن .

بدأ الأسير اياد الطبنجة خدمته لأخوانه للأسرى المرضى مظهرا عزيمة و صبراً و صلابة و جلداً على تحمل كل الصعاب و المشاق التي يتعرض لها اثناء خدمته و قد وقع على عاتقه مسؤلية الاهتمام بالمرضى و المصابين من ناحية الطعام و الملبس و الدواء و الفطور و العشاء و تنظيف الغرف و ترتيب الأسرة و امور اخرى كثيرة كتغيير ضمادات الجروح و غيرها بالإضافة الى بعض الاخوة الذين قدِموا من عدة سجون ليساعدوا المرضى بشكل مؤقت اذ ان ادارة السجون الاسرائيلية لا تسمح بعدد يتجاوز 3 متطوعيين لخدمة جميع الأسرى المرضى وهذه سياسة ممنهجة متعمدة
تعتبرها ادارة السجون الأسرائيلية نقطة مساومة وضغط على الاسرى الفلسطينيين في حال اي تصعيد او تهديد بالاضراب أي انها تحاول ابتزاز الاسرى بالاسرى المرضى كما الاسيرات و الاشبال و هذا يدحض الانسانية المزعومة لدولة للأحتلال .

التقيت بالأسير اياد في العام 2016 في عيادة سجن الرملة حيث كنت ايضا من ضمن القلائل الذين حالفهم الحظ بواجب خدمة الاسرى المرضى وهذا شرف يتمنى نيله الاف الاسرى وبطبيعة الحال و بعد مرور ايام قلائل تعلمت فيها من اياد ماهية متطلبات الاسرى المرضى و اوقات الطعام و النظافة حيث ان احداث هبة القدس مشتعلة و المصابين في تزايد و المرضى القادمين من السجون كما المرضى الدائمين كانو بحاجة لمن يؤازرهم ، هنا نلبي واجب الصحبة و القرابة و نشعر بآلامهم و نرفع من معنوياتهم و نظهر لهم عِظم تضحياتهم فليس لهم من بعد الله سبحانه وتعالى و دعوات الأمهات المكلومات خوفاً عليهم سوانا ولو بأبتسامة جلية .
كنت ارى كل صباح ما يسمى باللغة العبربة (الحوفيش) اي ممرض باللغة العربية وهو ليس الا سجان متجرد من انسانيته بوجهه العابس يقوم بتوزيع الادوية على الاسرى المرضى و بجواره اياد الطبنجة حيث ان اياد وبناء على وعيه و اداركه لخطورة بعض الادوية غير المختومة لا من مصدر الانتاج ولا حتى بتاريخ الصلاحية كان قد اكتسب خلال هذه السنوات خبرة اوصلته لمرحلة تشخيص حالات الإلتهاب و معرفة فعالية بعض الادوية و انواعها كما انه كان درع حامياً للمرضى بتصديه و رفضه لكل العقاقير المنومة و المخدرة فقد كان الاسرى المرضى بحاجة للإستيقاظ والحركة ليتماثلوا للشفاء اكثر من حاجتهم للنوم و هذا ما يريده السجان ليتنصل من مسؤولياته بحق المرضى و متابعة العلاج و رعايتهم.
يذكر و انه في احد الايام واثناء وجودي في عيادة سجن الرملة تعرض احد الأسرى المرضى وهو الاسير الجريح حسن القاضي من بلدة عورتا قضاء نابلس لألتهاب حاد بمكان الاصابة برجله اليمنى ليطلب اياد وعلى وجه السرعة احد الممرضين السجانين ليعاين الحالة فينكر السجان انه ألتهاب مدعياً انه ألم عادي سرعان ما يذهب بالمسكنات و هو بسبب الاصابة بالرصاص ولكن الحقيقة غير ذلك فلقد ادى تناول بعض الادوية المغلوطة بشكل متعمد الى تردي حالة الاسير الصحية و بطبيعة الحال أصر الاسير اياد على انه التهاب يتطلب النقل العاجل لأحد مشافي الاحتلال فترفض ادارة السجن ذلك فيهدد الاسير اياد و بدعم من الاسرى المرضى بايصال رسالة للسجون و بدأ الاضراب عن الطعام في العيادة فتنصاع ادارة عيادة سجن الرملة وتقوم بنقله الى مستشفى برزلاي ليتبين انها ملتهبة بشكل حاد وانها كانت على وشك ان تُبتر.

هل الطبيب هو الذي يحمل مؤهل و شهادة فقط؟
يعرف العلم الطبيب بالشخص المؤهل لتقديم العلاج للأفراد الذين يعانون الأمراض و يعرف ايضا بأنه الذي يحمل ترخيصاً و شهادةً لممارسة الاعمال الطبية و انه يجب على الطبيب ان يتحلى بأخلاقيات اساسية منها الحكمة و الصدق و الصبر والرفق و المرونة و الرحمة و الهدوء و هذا ما لم يتعلمه اطباء ادارة السجون الاسرائيلية الذين جردوا انفسهم من هذه الاخلاقيات ليكتسوا ثوب الحقد الذي علمهم ان الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت .
إياد الطبنجة و الذي ما زال حتى لحظة كتابة هذا المقال يخدم اخوانه الاسرى المرضى وكان من الذين يؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ليرتاح المرضى و اصبح يستحق ان يطلق عليه لقب طبيب بالرغم من انه لا يحمل شهادة الطب و انما يحمل شهادة اخوانه الاسرى بأنه نعم الطبيب المداوي فكان للأسرى طبيباً معالجاً لأمراضهم و اوجاعهم و اخاً عطوفاً وصديقا كريماً يشعر بمعاناتهم و آلامهم و مدافعا عنهم امام ادارة السجون فهُنا يستحق اياد الطبنجة شهادة ممارسة الطبابة بحكم انسانيته اللامحدودة وتجربته مع الاسرى المرضى .
سلام على اهل الهمم وطوبى لكم يا من علمتم القاصي و الداني عقيدة و معنى الصبر و الاباء.
كم من مثقل بالاوجاع في هذه المقصلة مرت به سنوات ما رأى الشمس بعينه وما عرف غير الزنزانة.
تلفت اخي القارئ يمنة و يسرة ولا تنسَ الاسرى المرضى .
اياد رضوان الطبنجة هو الجندي المجهول الذي لم يطلب الجاه ولا المال بل لسان حاله يقول لا مكان ولا مقعد في حافلة التحرير للمخذول ،
الصبر زاد لا ينفذ و معين لا ينضب و صاحب لا يَمل.

شارك برأيك على تجربتي متطوعاً لخدمة الأسرى في عيادة سجن الرملة _ الجزء الثاني

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الأربعاء

21- 31

الخميس

20- 30

الجمعة

21- 30
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.32 بيع 3.31
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.69 بيع 4.67
  • يورو / شيكل شراء 3.4 بيع 3.39

الأربعاء 10 أغسطس 2022 8:43 صباحًا

الأكثر قراءة

تصويت

هل تؤيد عقد قمة اقتصادية مع الاحتلال في ظل استمرار جرائمه بحق الشعب الفلسطيني؟

80

19

(مجموع المصوتين 218)

الأكثر تعليقاً