اللحظة الراهنة التي تمر بها إسرائيل ليست مجرد أزمة عابرة، بل تمثل ما يمكن وصفه ب"نقطة التحول التاريخي"، حيث تتقاطع عوامل سياسية، أخلاقية، قانونية، وديموغرافية، تجعل استمرار الوضع القائم ـ القائم على الهيمنة، الاحتلال، ونظام الامتيازات ـ أمرًا غير قابل للاستدامة، سواء على مستوى الداخل الإسرائيلي، أو في سياق النظام الدولي الذي يتغير بوتيرة متسارعة.
فمنذ أكثر من سبعة عقود، بنت إسرائيل مشروعها القومي على أساس نفي الآخر الفلسطيني، من التاريخ، ومن الجغرافيا، ومن الحقوق. هذا الإقصاء البنيوي لم يكن مجرد نتيجة لصراعات عسكرية أو مواقف آنية، بل كان جزءًا من عقيدة تأسيسية تجلت في ممارسات ممنهجة: التطهير العرقي عام 1948، القوانين العنصرية التي تبعت إعلان الدولة، احتلال ما تبقى من أرض فلسطين عام 1967، ثم فرض أنظمة فصل قانونية وهيكلية تقسم السكان على أسس عرقية ودينية، وهو ما يصفه اليوم عدد من أبرز خبراء القانون الدولي بأنه "نظام فصل عنصري مكتمل الأركان".
ومع أن إسرائيل استطاعت، لعقود، أن تُخفي هذه الحقائق خلف ستار "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، مدعومة بسرديات الغرب حول "الدفاع عن النفس"، و"محاربة الإرهاب"، إلا أن الزمن لم يعد يعمل لصالحها. فالعالم الذي كان يومًا ما صامتًا، أو متواطئًا، لم يعد قادرًا على تبرير الجرائم المتكررة بحق المدنيين الفلسطينيين، ولا على تجاهل الواقع الاستعماري الذي يكرسه الاحتلال والاستيطان والحصار.
في السنوات الأخيرة، حدثت تحولات عميقة في الإدراك العالمي، تجاوزت حدود الخطاب الرسمي. ففكرة أن إسرائيل تواجه "خطرًا وجوديًا" لم تعد مقنعة في ظل امتلاكها ترسانة نووية، وجيشًا يعد من الأقوى في العالم، وتحالفات إستراتيجية راسخة مع الدولة الأقوى في العالم. بالمقابل، فإن الطرف الذي يعيش في خطر دائم حقيقي هو الفلسطيني، الذي يُحرم من حقوقه الأساسية، ويُحاصر، ويُقتل، وتُقصف مدنه ومخيماته، ويُحاكم أمام محاكم عسكرية لا تنطبق عليها معايير العدالة الدولية.
ما يحدث اليوم، إذًا، ليس مجرد "تراجع في صورة إسرائيل"، بل هو انكشاف بنيوي لطبيعة المشروع الصهيوني نفسه في صورته الاستعمارية، التي لم تعد قابلة للتغطية أو التجميل. فالعالم بدأ يرى، بوضوح غير مسبوق، التناقض الجوهري بين ادعاء الديمقراطية، وممارسة السيطرة العسكرية على ملايين البشر دون حقوق، وبين خطاب التعايش، واستمرار سياسة الطرد، والقتل، والتجويع.
هذا الانكشاف لا يقتصر على الجانب الأخلاقي أو الإعلامي، بل يمتد إلى ساحات القانون الدولي. فهناك ملفات مفتوحة الآن في المحاكم الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، بل والإبادة الجماعية كما هو الحال في غزة. ومع أن هذه المسارات قد تكون بطيئة، إلا أنها تعكس تحولًا عميقًا في ميزان الشرعية.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى التحول الجيلي داخل المجتمعات الغربية، حيث أصبح الجيل الجديد ـ في أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأمريكا اللاتينية ـ أقل ارتباطًا بالسرديات التقليدية التي تبرر دعم إسرائيل، وأكثر حساسية تجاه قضايا العدل، وحقوق الإنسان، وواقع الفصل العنصري. هذه التغيرات بدأت تؤثر على السياسات، تدريجيًا، عبر الضغوط الشعبية، والاحتجاجات، والمقاطعة الأكاديمية والثقافية والاقتصادية، وهي عناصر تحمل في طياتها بوادر تحوّل استراتيجي عميق.
من جهة أخرى، فإن الداخل الإسرائيلي نفسه يعيش حالة من الانقسام العميق، ليس فقط حول المسألة الفلسطينية، بل حول طبيعة الدولة، وهوية النظام، ومكانة الديمقراطية، وعلاقة الدين بالسياسة. هذه الانقسامات، التي تفجّرت بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة، تجعل من الصعب على إسرائيل الاستمرار في تقديم نفسها كدولة مستقرة وقابلة للبقاء طويلًا على أساس بنيتها الحالية.
إن الإصرار على إنكار الحقوق الفلسطينية، ومواصلة السياسات الاستعمارية، لا يقود فقط إلى تقويض أي احتمال للسلام أو التعايش، بل يضع إسرائيل نفسها على مسار تصادمي مع منطق التاريخ، ومع الضمير العالمي، ومع أساس القانون الدولي.
منذ تأسيسها، اعتمدت إسرائيل على مزيج من التفوق العسكري والدعم الدولي لتثبيت وجودها وفرض سياساتها تجاه الفلسطينيين. هذا الاعتماد على "جغرافيا القوة" — أي السيطرة على الأرض عبر الاحتلال، والجدران، والتوسع الاستيطاني — رافقه إنكار مستمر للحقوق الوطنية والتاريخية للفلسطينيين، سواء من حيث حقهم في العودة أو في تقرير المصير.
إسرائيل، في صيغتها الحالية، التي تقوم على تفوّق جماعة إثنية، واحتلال دائم، وقمع عنيف لشعبٍ بأكمله، لم تعد مقبولة في نظر قطاع واسع من العالم. ليس لأن العالم "يكره إسرائيل"، كما يزعم بعض المروجين، بل لأن العالم لم يعد قادرًا على التوفيق بين قيمه المعلنة، وما تفعله إسرائيل.
الزمن يعمل ضد من يصرّ على الظلم، لا معه. واستمرار إسرائيل على هذا النهج قد لا يؤدي فقط إلى عزلتها، بل إلى تصدع داخلي يهدد وجودها ذاته.





شارك برأيك
إسرائيل أمام مأزق تاريخي يصعب تجاوزه