أقلام وأراء

الأربعاء 08 أكتوبر 2025 11:38 صباحًا - بتوقيت القدس

التعليم كفعل مقاومة يومية: من تفاصيل الحياة إلى معركة الوعي

حين نشاهد الفيديو القصير الذي انتشر على منصات التواصل الاجتماعي، والذي يوثّق لحظة عابرة من حياة الناس في فلسطين- كحديث عفوي بين أشخاص في الشارع أو تفاعل بسيط في بستان أو مكان عام- نجد أنه يختزن رسالة أعمق بكثير من مشاهده السريعة. فرغم بساطة الصورة، يكشف الفيديو عن إصرار الفلسطيني على أن يعيش تفاصيل يومه بشكل طبيعي، وكأن الحياة لا يمكن أن تُختطف بالكامل مهما كانت الظروف. هذه الرسالة الرمزية تفتح أمامنا بابًا لمناقشة التعليم في البيئات القسرية: التعليم باعتباره فعل حياة وصمود، تمامًا كما جسّد الفيديو في لحظاته اليومية.
المشهد المصوَّر يذكرنا أن الفلسطيني يواصل حياته رغم الضغوط، والطلاب كذلك يواصلون تعلمهم في أحلك الظروف. في غزة مثلًا، تُستأنف الحصص الدراسية في خيم بعد أن تتحول المدارس إلى ركام. في الضفة الغربية، يتنقل الطلبة عبر الحواجز العسكرية ليصلوا إلى صفوفهم، وكأن كل خطوة إلى المدرسة فعل تحدٍ بحد ذاته. التعليم هنا ليس نشاطًا مكملاً، بل ضرورة وجودية، توازي حاجات الإنسان الأساسية.
في الزنازين والمعتقلات، تحولت الحجارة وأغطية السجون إلى أدوات للتعلم، وحوّل الأسرى جدران السجن إلى ألواح للكتابة. هذه الصورة توازي تمامًا روح الفيديو: إصرار على الحياة رغم القيد. التعليم في هذا السياق فعل مقاومة، ليس فقط لأنه يرفض الانقطاع، بل لأنه يرفض تحويل الفلسطيني إلى مجرد ضحية. إنه يعيد صياغة الذات كفاعل، واعٍ، وقادر على مواجهة محاولات التهميش والإلغاء.
ما يبرزه الفيديو من تفاصيل صغيرة يعكس فكرة أن الذاكرة لا تُمحى. التعليم يؤدي الدور ذاته؛ فهو الحارس الأول للهوية الوطنية والذاكرة الجمعية. المناهج الفلسطينية ليست مجرد محتوى معرفي، بل ساحة لصياغة وعي جماعي يرفض النسيان. من خلالها يتعلم الطالب عن الأرض، وعن اللغة، وعن التاريخ، ليصبح التعليم حصنًا أمام محاولات الطمس الثقافي والسياسي.
منذ باولو فريري وحتى تجارب الأسرى الفلسطينيين، يؤكد الفكر التربوي النقدي أن التعليم ليس محايدًا. إنه إما أداة للهيمنة أو وسيلة للتحرر. في الحالة الفلسطينية، يميل الميزان بوضوح نحو الخيار الثاني. كل درس يُعطى في مدرسة تحت العدوان وبين الركام ، وكل حلقة نقاش بين طلاب في زنزانة، هو فعل تحرري. التعليم هنا ينقل المعرفة، لكنه أيضًا يحرّض على الوعي، ويزرع في الأجيال فكرة أن المستقبل يُنتزع انتزاعًا، لا يُمنح هدية.
الاحتلال لا يستهدف الحجر فقط، بل يستهدف العقل الفلسطيني. قصف المدارس، اعتقال الطلبة والمعلمين، ومصادرة الكتب والمناهج، كلها دلائل على أن المعركة الحقيقية تدور حول الوعي. التعليم يصبح ردًا مباشرًا: أن نقرأ يعني أن نمنع محو ذاكرتنا، أن نكتب يعني أن نثبت وجودنا، أن نتعلم يعني أننا نؤكد على بقاءنا كأمة ترفض الإبادة.

التجربة الفلسطينية تعلم العالم أن التعليم ممكن حتى في أقسى الظروف:

•    المرونة: تحويل أي مكان إلى بيئة تعليمية (خيمة، ساحة، زنزانة).

•    التشاركية: التعليم الجماعي الذي يدعمه التضامن المجتمعي.

•    الإبداع: استغلال أبسط الموارد لتوليد معرفة جديدة.

•    المعنى: جعل التعليم مرتبطًا مباشرة بالهوية والحرية، لا مجرد شهادات ورقية.

الفيديو الذي انطلق من لحظة عابرة يذكرنا أن الحياة الفلسطينية لا تُختصر بالقيد أو القصف. كذلك التعليم الفلسطيني لا يُقهر بالحصار ولا يُنهى بإغلاق المدارس. إنه يستمر كفعل يومي، كتنفس، كوجود. ومن هنا، يصبح التعليم أحد أصدق أشكال المقاومة: مقاومة لا ترفع السلاح، بل ترفع الوعي.
إنه المعركة الحقيقية التي يخشاها الاحتلال، لأنه يعرف أن الشعب المتعلم الواعي لا يُهزم. لذلك، حين نتأمل في مشهد بسيط موثق بكاميرا عادية، نكتشف أنه مرآة لمعركة أكبر: معركة الوعي، حيث التعليم هو السلاح، والهوية هي الهدف، والصمود هو النتيجة.

دلالات

شارك برأيك

التعليم كفعل مقاومة يومية: من تفاصيل الحياة إلى معركة الوعي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.