في العادة، يُختزل الإبداع في صورته الرومانسية المألوفة: لحظة إلهامٍ نادرة، أو ومضة عبقرية تفاجئ صاحبها. غير أنّ التجربة الحقيقية تُكذّب هذا التصور، وتؤكد أنّ الإبداع لا يُولد من الفراغ، بل من الضغط، والمحنة، والوعي المتجدد.
الإبداع، في جوهره، ليس فعلًا تجميليًا، بل استجابةٌ معرفية وروحية للضيق، لحظة يعيد فيها الإنسان صياغة نفسه والعالم من حوله.
في هذه المقالة ، أستعرض تجربة ممتدة من الميدان إلى السجن، ومن الإدارة التنظيمية إلى الفعل الأكاديمي، لأضع من خلالها تعريفًا جديدًا للإبداع، لا كمفهوم ذهني بل كموقف وجودي يختبر الإنسان في أعمق لحظاته.
عام 1990، وبينما كانت الكويت تشتعل تحت الحرب، عُرض عليّ أن أقود مجموعة شبابية لتنظيم شؤون الناس في الحيّ. كنت حينها شابًا يافعًا، لم أكن قد تلقيت تدريبًا في الإدارة أو القيادة، لكني وجدت نفسي في مواجهة مسؤولية لا يمكن التنصل منها.
قسّمت الشوارع، رتّبت المهام، وحددت الأولويات. في تلك اللحظة لم أكن أمارس “وظيفة”، بل أكتشف نفسي. كانت تلك ولادة أولى للإبداع : أن تبتكر نظامًا في غياب النظام، وأن تتعلم كيف تصنع المعنى في الفوضى.
سقطت في التجربة شخصيتي القديمة، ونهضت شخصية جديدة أكثر صلابة ومرونة، قادرة على اتخاذ القرار وسط العاصفة. وهنا أدركت أن الإبداع لا يُمنح، بل يُستخرج من جوف المعاناة.
بعد التجربة الكويتية، كانت جامعة النجاح محطة جديدة. تولّيت رئاسة حركة الشبيبة الطلابية في وقتٍ بالغ الصعوبة، حيث الاستقطاب السياسي الحاد والضغوط الأمنية والسياسية كانت تُهدد نسيج العمل الطلابي.
لكنّ التجربة الأولى علمتني أن القيادة ليست سلطة بل ترتيب جديد للفوضى. أعدت تنظيم الحركة، وأوجدت آليات أكثر مرونة وتشاركية. لم يكن ذلك تكرارًا لما كان، بل خلقًا لشكل جديد من العمل التنظيمي.
هنا تبلور عندي المعنى الثاني للإبداع: أنه ليس فقط أن تفكر خارج الصندوق، بل أن تعيد بناء الصندوق ذاته وفق احتياجات الواقع.
التجربة الاصعب كانت تجربة السجن، التي امتدت معي لثلاثةٍ وعشرين عامًا، رحلةً طويلة في اكتشاف المعنى العميق للإنسان والإبداع. لم تكن تلك السنوات جدرانًا تُغلق الأفق، بل فضاءً فسيحًا لإعادة الخلق، ومختبرًا لتجريب الفكر، وصناعة المعنى في مواجهة العدم.
في العقد الأول منها توليتُ مسؤولية تنظيم حركة "فتح" داخل السجن، في بيئة تكاد تخلو من كل مقومات العمل الطبيعي. كانت المهمة صعبة، والظروف قاسية، لكنّ الحاجة خلقت الابتكار. بدأت بإعادة بناء النظام الداخلي للحركة وهيكلتها بما يناسب الواقع الأسيري، فوضعت اللوائح الجديدة، وأعدت توزيع المسؤوليات، وابتكرت قنوات تواصلٍ داخلية تُبقي التنظيم حيًّا في أكثر الظروف انغلاقًا.
لقد تعلّمت من التجربة أن الإبداع ليس رفاهًا ذهنيًا، بل سلاحٌ وجوديٌّ في وجه التآكل النفسي، وأن من يفقد قدرته على الخلق يفقد قدرته على الحياة.
ثم انتقلتُ في السجن إلى فضاءٍ جديد: التعليم العالي والعمل الأكاديمي. كانت البيئة قاسية، الإمكانات محدودة، والواقع مثقل بالتحديات. ومع ذلك، كان عليّ أن أستثمر كل ما تعلمته من السجن والميدان في بناء مشروع تعليمي حقيقي.
أسّستُ مع زملائي "اللجنة الأكاديمية العليا للتعليم الجامعي في سجون الاحتلال"، وعملنا بإمكانات شبه معدومة لإرساء معايير أكاديمية فلسطينية أصيلة. لم تكن هناك أدوات جاهزة، لكننا صنعنا أدواتنا بأنفسنا.
أعددنا البرامج التعليمية، وصغنا المناهج، ووضعنا أساليب وطرائق للتعلم والتعليم تتناسب مع بيئة الأسر، وأطلقنا مساقات في العلوم الإنسانية والسياسية والتربوية، وخرّجنا المئات من الأسرى الذين حملوا الشهادات المعرفية قبل أن ينالوا حريتهم الجسدية.
لقد كان هذا المشروع ذروة الوعي والإرادة: جامعة داخل القيد، تبني الإنسان بالعلم والمعرفة بينما يُراد له أن يُكسر بالصمت.
جاءت المرحلة التالية من الإبداع داخل الأسر: تأسيس مركز دراسات الحرية للأسرى الذي تولّيتُ رئاسته. وكان هذا المركز منصة فكرية بحثية أطلقنا من خلالها مجلتين علميتين محكّمتين، ضمتا عشرات الأبحاث الأصيلة في الفكر والسياسة والتربية والاجتماع، كتبها أسرى أكاديميون من داخل الزنازين.
لقد كانت التجربة أشبه بمعجزة فكرية في بيئة معدومة الموارد، لكنها برهان على أن الفكر لا يُسجَن، وأن الإبداع في جوهره فعل تحدٍّ للعدم.
وهنا تأكدت القاعدة التي أصبحت ركيزة فلسفتي في الحياة:
"الإبداع ليس أن تملك الموارد، بل أن تخلق الموارد من اللاشيء."
وحين انقضت سنوات الأسر الطويلة ونلت حريتي، وجدت نفسي أمام عالمٍ جديد غارقٍ في التكنولوجيا التي غابت عني لعقود. كان التحدي هائلًا، لكنّ الروح ذاتها التي أنشأت جامعة خلف القضبان هي التي قادتني اليوم إلى مقاعد الجامعة وأنا أستكمل دراساتي العليا لنيل الدكتوراه.
تقدّمت نحو هذا العالم الحديث بعقلٍ مشبعٍ بالتجربة، وقلبٍ مؤمنٍ أن الحرية ليست لحظة خروج من السجن، بل قدرة دائمة على الإبداع مهما تغيّرت الأدوات والظروف.
تجربتي الطويلة جعلتني أعيد النظر في كل التعريفات السائدة للإبداع في علم النفس والفكر والإدارة. فبعد مراجعة نظرية “أمابيل” التي ترى الإبداع ناتجًا عن تفاعل المهارة والدافعية والبيئة، ونظرية “شتيرنبرغ” التي تصف المبدع بالمستثمر في الأفكار غير الشائعة، أدركت أن هذه النظريات لا تُمسك جوهر ما أعيشه.
لذا أقدّم تعريفًا خاصًا، وُلد من التجربة لا من الكتب:
( الإبداع هو فعل الوعي الذي يولّد الترتيب والمعنى في قلب الفوضى، ويحوّل القيد إلى فرصة، والندرة إلى طاقة، والواقع إلى مشروع ) .
إنه القدرة على تحويل الألم إلى معرفة، والنقص إلى دافع، والظرف القاسي إلى بيئة إنتاج.
الإبداع ليس هدية سماوية، بل قرارٌ معرفيّ بأن لا تستسلم لما هو كائن.
إن رحلتي في الإبداع لم تكن وليدة العزلة. لقد كان لوالدي رحمه الله - الذي حمل فلسطين في قلبه وعاد إلى حيفا مسقط رأسه قبل أن يغمض عينيه – ولشقيقي الأكبر بكر أبو بكر، المفكر الذي علّمني الانضباط الفكري، أثرٌ جوهري في بناء شخصيتي القيادية والفكرية.
وكما استلهمتُ من تجربة النبي محمد ﷺ في تحويل الشدائد إلى فرص، تعلمتُ أن القيادة المبدعة لا تُقاس بما تملك، بل بما تخلق من لا شيء.
إن جوهر الإبداع في التجربة الفلسطينية لا ينفصل عن فلسفة الوجود ذاته. فهو ليس مجرّد "قدرة عقلية"، بل منهج حياة جماعي.
حين يتعلم الإنسان أن يكون مبدعًا في موقعه - مهما ضاق- يصبح جزءًا من شبكة مقاومة فكرية وروحية ضد التفاهة والعجز.
الإبداع، بهذا المعنى، هو البديل الحضاري عن الاستسلام، وهو الذي يحول “الظرف” إلى “منصة”، و”الحدّ” إلى “بداية”.
"الإبداع الحقيقي ليس أن تصبح شخصًا آخر، بل أن تُصبح أنت في أعلى نسخك."
فالإبداع لا يولد من تقليدٍ أو محاكاة، بل من رحلة صادقة نحو عمق الذات، حيث يكتشف الإنسان جوهره ويعيد صياغته. أن تكون مبدعًا يعني أن تصعد بدرجاتك أنت، لا بدرجات الآخرين؛ أن تصنع من تجاربك مدرسة، ومن ألمك طاقة، ومن وعيك جناحًا يحملك نحو ما يمكن أن تكون عليه لو بلغت تمامك الإنساني.
فكل خطوة نحو تحسين ذاتك، هي خطوة في طريق الإبداع، وكل لحظة تواجه فيها ضعفك لتصنع منها معنى، هي لحظة ولادة جديدة لك.
أقلام وأراء
الإثنين 06 أكتوبر 2025 2:07 مساءً - بتوقيت القدس
الإبداع حيث تكون أنت: من التجربة إلى الوعي،،، ومن القيد إلى الفكرة
دلالات
حاتم ابوجابر قبل 8 شهر
رام الله - فلسطين
🇵🇸
عظيم جدا وروعة





شارك برأيك
الإبداع حيث تكون أنت: من التجربة إلى الوعي،،، ومن القيد إلى الفكرة