د. حسين الديك: خطة ترمب جاءت لاحتواء الاعترافات بالدولة والانقسام داخل المعسكر الغربي الذي كان تاريخياً موحداً خلف إسرائيل
ماجد هديب: ما أعلنه نتنياهو كان متوقعاً لأنه لم يتعرض لضغوط ولذلك نجح في إفراغ خطة ترمب من محتوى لا يتوافق مع رؤية اليمين الإسرائيلي
د. أحمد رفيق عوض: واشنطن تسعى للحفاظ على موقعها الإقليمي ومنع تآكل علاقاتها مع حلفائها وحرصها على احتكار أي حل مقبل
نزار نزال: التحركات الأمريكية بقيادة ترمب مناورة سياسية تهدف إلى تخفيف عزلة إسرائيل وإحباط الاعتراف الدولي بفلسطين
د. سهيل دياب: هدف المقترح منع تسونامي حل الدولتين وتأجيله وفرض ترتيبات تُبقي السيطرة الأمريكية على مشهد ما بعد الحرب
محمد جودة: تنفيذ الخطة على أرض الواقع محفوف بتعقيدات كبيرة بالرغم من وجود عوامل قد تدفع نحو التعاطي معها
مع إطلاق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقترح خطة جديدة، تهدف إلى وقف الحرب وإعادة ترتيب المشهد السياسي في غزة، فإن شكوكاً كبيرة حول نجاحها، خاصة أنها جاءت في ظل تصاعد الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية وانقسام الموقف الغربي حول ذلك، ليتصدر السؤال إن كان ذلك المقترح مناورة سياسية أم خطوة جادة لإنهاء الحرب؟
المبادرة التي تشمل 20 بنداً تتراوح بين وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وإدارة مؤقتة بمشاركة دولية، يبدو أن الهدف منها، بحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات تحدثوا لـ"ے"، ليس إنهاء الصراع، بل إدارة الأزمة بما يحفظ مصالح واشنطن وحلفائها، ويمنع أي تقدم فعلي لمسار الدولة الفلسطينية.
ويشيرون إلى أن ما تضمنته الخطة من بنود تفرض قيوداً صارمة على "حماس"، مثل نزع سلاحها وإخراج قياداتها، مع منح إسرائيل الحق في العودة للعمل العسكري إذا لم تُنفّذ الشروط، يضع التنفيذ العملي للخطة في مواجهة صعوبات كبيرة ويثير تساؤلات حول جدية الالتزام بها على الأرض.
ويؤكد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن المبادرة تحمل طابعاً مناوراً واضحاً: فهي تسعى إلى كبح الاعتراف الدولي بفلسطين مؤقتاً، وتأجيل أي حل جذري، وضمان استمرار السيطرة الأمريكية على المشهد بعد الحرب.
ويرون أن فرص نجاح خطة ترمب تبقى مرتبطة بإرادة واشنطن الحقيقية، وقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على الضغط على إسرائيل لتطبيق بنودها، لكن التحدي الأكبر هو غياب مشاركة فلسطينية فعلية في النقاشات حول الخطة سواء من السلطة الفلسطينية أو حركة "حماس".
خطة ترمب بشأن غزة ليست مبادرة معزولة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمتخصص في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د. حسين الديك أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن غزة ليست مبادرة معزولة، بل جاءت لاحتواء الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية والانقسام داخل المعسكر الغربي، الذي كان تاريخياً موحداً خلف إسرائيل.
ويشير الديك إلى إحداث إقرار المبادرة الفرنسية-السعودية وتصويت دول أوروبية لصالح حل الدولتين شرخاً غير مسبوق في الموقف الغربي، واضطرت واشنطن للبحث عن مسار جديد بعدما وجدت نفسها إلى جانب إسرائيل وألمانيا وإيطاليا وهنغاريا فقط، في مواجهة غالبية دول الاتحاد الأوروبي والعالمين العربي والإسلامي وأمريكا اللاتينية وآسيا.
ويوضح أن التحول في مواقف دول وازنة مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا والبرتغال فرض على واشنطن تقديم مبادرة جديدة، تحفظ موقعها، وتمنع خسارة حلفائها التقليديين.
الخطة تأخذ في الحسبان المطالب الإسرائيلية الأساسية
وبحسب الديك، فإن خطة ترمب جاءت لتأخذ في الحسبان مطالب إسرائيل الأساسية، وعلى رأسها: نزع سلاح حماس، وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، وضمان حرية الحركة والسيطرة الأمنية والعسكرية داخل غزة، وتدمير قدرات حماس وخروج قياداتها خارج القطاع.
في المقابل، وبحسب الديك، تلحظ الخطة مطالب فلسطينية واضحة تتعلق بـوقف الحرب، ورفض التهجير، وإعادة الإعمار وبقاء السكان في غزة، دون أي إشارة للترحيل أو الإبعاد، وهو أمر جيد للفلسطينيين.
ويلفت الديك إلى أن بعض بنود الخطة ما زالت غامضة أو مثيرة للجدل، مثل البند الجديد الـ19 الذي يتحدث عن "حوار بين أتباع الديانات" بهدف تشكيل وعي جديد وتغيير ثقافة التنشئة الفلسطينية، وهو ما يراه البعض محاولة لـ"كي الوعي".
ويتطرق الديك إلى أن البنود التي تمنح إسرائيل الحق بالعودة للعمل العسكري إذا لم تُنزَع أسلحة حماس، فضلاً عن مقترح إدارة دولية بمشاركة فلسطينية، مع رفض إسرائيلي واضح لدور السلطة الوطنية في أي صيغة لإدارة غزة.
ويلفت إلى ما يؤكده الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حول ثلاثة شروط لوقف الحرب: تدمير "حماس" وإخراج قادتها ونزع سلاحها، ورفض قيام دولة فلسطينية، وضم الضفة الغربية ومنع مشاركة السلطة في إدارة غزة، ما يجعل الحديث عن تنفيذ خطة ترمب محل شك في ظل ما يريده اليمين الإسرائيلي.
ويرى الديك أن الحكم على الخطة حالياً سابق لأوانه، خاصة أن حركة حماس لم ترد عليها بعد، وبانتظار ردها.
ويعتبر أن نجاح الخطة مرهون بوجود إرادة سياسية أمريكية حقيقية، أما إذا كانت مجرد مناورة لوقف موجة الاعتراف بفلسطين ومجاراة خطاب نتنياهو الرافض للدولة الفلسطينية، فستلحق بمصير "خارطة الطريق" لعام 2003 التي أُفشلت بتحفظات شارون.
ويشير الديك إلى أن الخطة لا تتضمن أي تعهد أمريكي بالاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 1967، ما يضعها في إطار التأقلم التكتيكي لا التحول الاستراتيجي.
ويؤكد الديك أن المشهد الدولي تغيّر جذرياً، وواشنطن وتل أبيب لن تستطيعا مواجهة هذا التحول إلى ما لا نهاية، لكن نجاح الخطة أو فشلها سيتوقف على ضمانات التنفيذ، ورد الفعل الدولي المتنامي.
مجرد مناورة سياسية ما لم تترافق مع ضغوط حقيقية
يرى الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن ما صدر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول رؤيته لوقف الحرب على غزة لا يعكس أي تغيير جدي في الصراع، بل بدت تلك الرؤية وما جاء فيها من بنود مجرد مناورة سياسية، ذلك لأن الإدارة الأمريكية لم تتعرض لضغوط، وبالتالي لم تدفع هذه الإدارة نتنياهو إلى الموافقة عليها، وهذا ما أدى إلى تهرب نتنياهو من التطرق لجوهر هذه الخطة وخاصة ما يتعلق منها بمستقبل غزة.
ويوضح هديب أن الاجتماع الذي عقده ترمب مع بعض الدول العربية والإسلامية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن إلا مجرد اجتماع بروتوكولي ولم يحتو، وفقاً لما صدر عنه، من مخرجات إلى أي تحول جوهري.
ويؤكد هديب أن الخطة، خاصة بعد ما جاء في مؤتمر ترمب مع نتنياهو، لا يمكن التعامل معها إلا باعتبارها مناورة سياسية طالما لم يغيّر ترمب موقفه ولم يُقدِم على ممارسة ضغط على بنيامين نتنياهو.
ويقول هديب: "ما أعلن عنه نتنياهو في مؤتمره مع ترمب كان متوقعاً لأنه لم يتعرض لضغوط حقيقية، ولذلك نجح في إفراغ ما جاء في خطة ترمب من محتوى لا يتوافق مع رؤية اليمين المتطرف في إسرائيل".
ويشير هديب إلى أن غزة بعد ما يتم طرحه من نقاط باتجاه سيناريوهين: الأول هو حدوث اختراق في رؤية ترمب بما يشمل وقف إطلاق النار والانتقال نحو أفق سياسي، أما الثاني فهو استمرار الحرب على غزة بالتوازي مع ضم الضفة الغربية.
ويرجّح هديب السيناريو الثاني لعدة أسباب، أبرزها: أن الخطة تشترط الإفراج عن جميع الرهائن دفعة واحدة خلال 72 ساعة، وهو مطلب يستحيل أن تقبل به حركة حماس لا تقنياً ولا مبدئياً، بعدما أعلنت مراراً عدم قدرتها على تسليم الأسرى بهذه الطريقة وفي هذه المهلة القصيرة.
ويشير إلى أن الاجتماع الذي عقده ترامب مع الدول العربية والإسلامية لم يسفر عن أي مخرجات جدية أو مسار تفاوضي متوازن، لأنه جاء بعد حرب إبادة مستمرة منذ نحو عامين دون وجود إطار ملزم للطرفين وهذا ما أكده نتنياهو في مؤتمره المشترك من خلال تجاهله التطرق لكل ما يتعلق من التزامات إسرائيل حول خطة ترمب، وأن كل ما تطرق له هو ضرورة التزام الفلسطينيين أولاً.
ويؤكد هديب أن المقترح وفقاً لما جاء في الموتمر، طالب "حماس" بالاستسلام الكامل والمذل والتنحي عن الحكم والسيطرة، وهو ما لن تقبل به الحركة، بل لأنه لم يتبق للفلسطينيين ما يخشونه في حال استمرار الحرب.
السبب الرابع الذي يعزز التشاؤم، وفق هديب، هو غياب الضغوط العربية على إدارة ترمب لدفعه نحو التحول من موقع الحليف إلى موقع الوسيط، حيث يجري التعامل معه بمنطق التمنيات لا بمنطق التأثير عليه.
ويرى هديب أن أخطر ما ورد في المقترح هو تنفيذ ما جاء فيها حتى في حال رفض حماس لها، معتبراً أن هذا يمنح نتنياهو ضوءاً أخضر لاستكمال حرب الإبادة ودفع السكان نحو التهجير القسري، ما يتنافى مع أي رؤية يُفترض أنها تهدف إلى حل الصراع.
أما على مستوى الموقف الإسرائيلي، فيرى هديب أن نتنياهو سيعمل على إفراغ ما ورد في الخطة عن مستقبل غزة وما تم الإشارة له من بحث الأفق السياسي، لأن ما جاء حول مستقبل غزة يعتبره الإسرائيليون خطوطاً حمراء، ومنها: الاعتراف بتطلعات الشعب الفلسطيني لإقامة دولة، والإشارة إلى انسحاب كامل من غزة ولو على مراحل، والتلميح إلى دور مستقبلي للسلطة الفلسطينية، وربط الضفة الغربية بقطاع غزة سياسياً وجغرافياً.
إنهاء دور "حماس" بالكامل
ويتطرق هديب إلى ما تشترطه الخطة، وفق ما ظهر منها، وهو إنهاء دور "حماس" بالكامل، ليس سياسياً فقط بل وجودياً، وهو ما يتماشى مع خطاب اليمين المتطرف في إسرائيل الذي يرفض أي تسوية سياسية.
ويؤكد هديب أن ما يورد من نقاط إيجابية مثل وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدارة مؤقتة، وإشراف دولي، وإعادة إعمار، لا يعدو كونه خطابًا للاستهلاك الإعلامي يُستخدم لإظهار ترمب بمظهر الوسيط، في حين أنه ما يزال في خانة الحليف لإسرائيل.
ويؤكد هديب أن غياب الضغوط العربية والأمريكية، والتطرف الإسرائيلي، وشروط الخطة نفسها تجعل من المستبعد حدوث أي اختراق قريب، بل تُرجّح استمرار الحرب على غزة والمضي في مشروع ضم الضفة الغربية، معتبراً أن رؤية ترمب ليست أكثر من مناورة سياسية لا تحمل مقومات الحل ما لم تكن هناك أية ضغوط حقيقية على أطراف الصراع.
ويرى هديب أن على حركة "حماس" إعلان قبول المقترح لأن ذلك أفضل من إعلان الرفض، ليس فقط من أجل وقف الحرب وإنهاء ما يعانيه الشعب الفلسطيني، بل حتى لا نصل بفعل اللاءات إلى مرحلة نعيش فيها في بلادنا كما يعيش الهنود الحمر في بلادهم.
ويشير هديب إلى عبثية تلك اللاءات غير المدعومة بوحدة الشعب والاستراتيجيات، لافتاً إلى أنه عام 1922 رفض الفلسطينيون المجلس التأسيسي الفلسطيني الذي ضم الأقلية اليهودية، كما رفضوا الدستور الفلسطيني الذي منح تلك الأقلية بعض الحقوق، متسائلاً: "أين نحن الآن من تلك الأقلية؟".
ويقول هديب: "إن خطة ترمب عام 2025 كما خطة إنجلترا عام 1922، فإذا كنا وإلى الآن ندفع ثمن رفضنا خطة إنجلترا، فإنني أرجو أن لا ندفع ثمن رفضنا خطة ترمب".
الخطة ليست تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية
يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن الخطة الأمريكية الجديدة المتعلقة بغزة ويقودها الرئيس دونالد ترمب ليست تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية، بل تندرج في إطار "المناورة السياسية" التي تحمل أهدافاً متعددة لا علاقة لها بحل جذري للصراع.
ويؤكد عوض أن واشنطن تسعى من خلال هذا التحرك إلى الحفاظ على موقعها الإقليمي ومنع تآكل علاقاتها مع الحلفاء العرب والدوليين، إضافة إلى حرصها على الظهور كطرف موثوق واحتكار أي حل قادم دون السماح للأوروبيين أو العرب بقيادة المرحلة المقبلة.
ويلفت عوض إلى أن الإدارة الأمريكية تريد إنقاذ إسرائيل ومنحها الوقت الكافي لاستكمال ما تعتبره مهاماً عسكرية وسياسية في غزة.
ويشير عوض إلى أن أحد دوافع ترمب المحتملة هو السعي لنيل جائزة نوبل للسلام، معتبراً أن هذا الحراك يهدف كذلك إلى إشغال الأطراف الأخرى ووقف موجة الاعتراف المتزايد بفلسطين.
الافتقار إلى الوضوح والضمانات
ويؤكد عوض أن المبادرة الأمريكية تفتقر إلى الوضوح والضمانات لتنفيذها، كما أنها مبادرة مؤقتة مرتبطة ببقاء الإدارة الحالية، ما يعني أنها قد تنهار بمجرد تغيّر الإدارة في واشنطن.
ويشير إلى الخداع داخل الخطة، إذ تنص على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين خلال أول 72 ساعة من تنفيذها، دون أي آليات تمنع إسرائيل من استئناف الحرب فوراً بعد ذلك.
ويؤكد عوض أن الحديث عن تغير فعلي في السياسة الأمريكية "غير واقعي"، مشيراً إلى أن الإدارة الحالية أكثر تطرفاً من حكومة الاحتلال نفسها، وهو ما ينفي وجود نية حقيقية لفرض حل عادل أو متوازن.
ورغم تشكيكه في جدية الخطة، لم يستبعد عوض أن تحظى بزخم محدود بفعل رغبة أطراف عربية وأوروبية في التعامل مع واشنطن أو إدخال تعديلات على المقترح.
كما لم يستبعد عوض أن تنخرط إسرائيل فيها بحذر، خاصة إذا رأت فيها وسيلة لضبط الضغط الدولي واحتواء دعوات الاعتراف بفلسطين.
ويشير عوض إلى أن بعض القوى قد تدفع بالخطة إلى الأمام شكلياً لخدمة مصالحها أو الادعاء بتحقيق تقدم سياسي، لكنه يشدد على أن تنفيذها الكامل غير مرجّح، وأن أقصى ما قد يحدث هو تحريك شكلي أو بطيء لا يؤدي إلى نتائج حقيقية.
ويرى عوض أن الهدف الأبرز لهذا التحرك هو إدارة الأزمة لا حلها، و"منح إسرائيل غطاء سياسياً إضافياً مع محاولة الحد من تداعيات العزلة الدولية المتنامية".
ترمب ينطلق من أربع غايات مركزية
يعتقد الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن التحرك الأمريكي بقيادة دونالد ترمب تجاه الحرب على غزة ليس تحولاً في السياسات بقدر ما هو مناورة سياسية تهدف إلى تخفيف عزلة إسرائيل وإحباط الاعتراف الدولي بفلسطين.
ويؤكد نزال أن هناك اجتماع عقد قبل نحو أسبوعين في واشنطن، بين كوشنر وبلير وديرمر وويتكوف، حيث كتبوا هذا المقترح والرؤية، مشيراً إلى أن هذا المقترح عبارة عن مشروع استسلام كامل وتصفية للقضية الفلسطينية.
ويوضح نزال أن ترمب ينطلق من أربع غايات مركزية: أولاً، منع الدول التي اعترفت بفلسطين من اتخاذ خطوات إضافية ضد إسرائيل، في وقت تواجه تل أبيب عزلة دولية غير مسبوقة، مشيراً إلى أن أي مبادرة أمريكية في هذا السياق تهدف إلى وقف هذا المسار ولا علاقة لها بإنهاء العدوان على غزة.
الغاية الثانية، وفق نزال، أن ترمب يسعى إلى امتصاص ضغط الشارع الأوروبي، الذي بات يؤثر على الحكومات ويطالبها باتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، مع تزايد المواقف الرافضة للحرب.
في حين، تكمن الغاية الثالثة بحسب نزال، بأن ترمب يعمل على منع انتقال موجة الاحتجاج من أوروبا إلى الداخل الأمريكي، خصوصاً بعد نشر قوات من الحرس الوطني في بعض المدن الأمريكية تحسباً لتظاهرات معارضة للسياسة الداعمة لتل أبيب.
أما الهدف الرابع –بحسب نزال– فهو سعي ترمب للحصول على جائزة نوبل للسلام عبر تسويق نفسه كراعٍ لحل النزاع.
ويشير نزال إلى أن خطة ترمب تتضمن نقاطاً إشكالية مثل نزع سلاح "حماس"، وإخراج قيادتها، وتعيين توني بلير على رأس حكومة انتقالية في غزة.
معيقات جوهرية تمنع التنفيذ
ويؤكد نزال أن هناك معيقات جوهرية تمنع تنفيذ أي تصور أمريكي من هذا النوع، أبرزها: غياب الطرف الفلسطيني تماماً عن لقاءات ترمب مع الزعماء العرب والمسلمين، وعدم الإفصاح عن كامل تفاصيل الخطة، وتجاهل الضفة الغربية والانسحاب والإعمار ومستقبل الحكم في غزة، وغياب دور معلن للسلطة الفلسطينية رغم الحديث عن قوات دولية.
ويرى نزال أن مصر وقطر لم تقدما مواقف واضحة، كما أن إسرائيل نفسها لم تُبدِ التزاماً معلناً، ما يجعل أي مبادرة من هذا النوع مجرد محاولة لإخراج إسرائيل من أزمتها بدل وقف الحرب أو إنتاج حل سياسي.
ويؤكد نزال أن الخطة لا تعدو كونها محاولة لإفشال قمة الدوحة، وعرقلة الاعتراف بفلسطين، وتلميع صورة ترمب دولياً، معتبراً أن فرص تطبيقها شبه معدومة.
من جانب آخر، يتساءل نزال: إذا كان ترمب يضمن عدم ضم الضفة الغربية، فلماذا لا تعترف واشنطن بفلسطين كدولة أو تشارك في مسار الاعتراف الدولي بدل الالتفاف عليه؟ معتبراً أن تجاهل موضوع الدولة الفلسطينية يكشف الطابع المناور للخطة.
حماية إسرائيل أو إنقاذها
يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. سهيل دياب أن أي تحرك أمريكي في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لا يأتي إلا في سياقين محددين: لحماية إسرائيل أو لإنقاذها.
ووفق دياب، فإن المبادرة الأمريكية الأخيرة التي يطرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأتي ضمن محاولة إنقاذ واضحة لدولة الاحتلال، مدفوعة بجملة من الهواجس الداخلية والخارجية لدى واشنطن.
ويشير دياب إلى سببين أساسيين لهذا التحرك: أولاً، تخشى الولايات المتحدة، في حال استمرار الوضع الراهن، أن يؤدي الضغط الدولي إلى فرض حل الدولتين كمسار حتمي، وهو ما لا تريده كل من واشنطن وتل أبيب، أما السبب الثاني، فيتعلق بـالتحولات داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، حيث بدأت الحرب على غزة تتحول إلى عبء سياسي على ترمب نفسه.
ويستشهد دياب باستطلاع أُجري مؤخراً في الولايات المتحدة، أظهر انهيار الثقة بنتنياهو إلى 21% فقط بعد أن كانت تقارب الثلثين سابقاً، كما أن أكثر من نصف مؤيدي الحزب الجمهوري باتوا يرون أن إسرائيل أصبحت عبئاً على الولايات المتحدة ودافعي الضرائب، ما أجبر ترمب على التفكير بخطوة سياسية تمتص هذا التذمر.
وبحسب دياب، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارين: إما مواصلة التغطية على حرب الإبادة في غزة بكل أثمانها، أو طرح مبادرة مزدوجة: تهدئة مؤقتة ووقف حرب وتبادل أسرى، ولكن من دون الدخول في مسار يؤدي قيام إلى دولة فلسطينية مستقلة.
ويؤكد دياب أن الهدف الحقيقي من هذا المقترح ليس إنهاء الصراع، وإنما منع تسونامي حل الدولتين وتأجيله، وكذلك فرض ترتيبات انتقالية تُبقي السيطرة الأمريكية على مشهد ما بعد الحرب، بما في ذلك طرح اسم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير لإدارة غزة، وهو عودة للانتداب ولكن بثوب بريطاني-أمريكي.
ويشدد دياب على أن أي صيغة للحكم في غزة يجب أن تستند إلى قيادة فلسطينية تربط القطاع بالضفة كوحدة جغرافية واحدة، لا إلى ترتيبات دولية وعربية شكليّة، وكل طرح بدون الفلسطينيين مصيره الفشل.
ويرى دياب أن المبادرة ليست مناورة إعلامية فحسب، لكنها أيضاً ليست تحولاً جوهرياً، بل "حرب بين الحروب" تهدف إلى منع الانهيار السياسي في تل أبيب وواشنطن، وتهيئة مرحلة تبادل الأسرى ووقف النار دون الذهاب لحل سياسي نهائي.
وعن فرص تمرير الخطة، يعتقد دياب أن جزءاً من العالم العربي والإسلامي منخرط فيها بدرجات متفاوتة، وبعض الأطراف تُقايض واشنطن بملفات إقليمية مثل سوريا، كما أن هامش مناورات نتنياهو أمام ترمب ضيق جداً، بخاصة بعد خسارة إسرائيل للديمقراطيين ونصف الجمهوريين.
غياب الشريك الفلسطيني عن طاولة النقاش
لكن دياب يلفت إلى غياب الشريك الفلسطيني بالكامل عن طاولة النقاش، ما قد يفجّر الخطة لاحقاً، إذ لا سلطة فلسطينية ولا حركة حماس ولا أي طرف فلسطيني شارك في الاتصالات مع ترمب.
ويؤكد دياب أن قطار حل الدولتين انطلق بالفعل، لكن المحطة النهائية قد تتأخر إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أو انتهاء ولاية ترمب.
ومع ذلك، يؤكد دياب أن المسافة بين وقف الحرب والوصول للحل باتت أقصر من أي وقت مضى.
معطيات تمنح الخطة وزناً سياسياً مختلفاً
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجديدة المتعلقة بوقف الحرب على غزة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرّد طرح إعلامي، بل هي محاولة أمريكية "جديّة نسبياً" صيغت ضمن إطار تفصيلي مكوّن من 20 بنداً، تتضمن وقف إطلاق النار، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وسلطة انتقالية دولية لإدارة قطاع غزة بمشاركة عربية، إضافة إلى برنامج إعادة إعمار بتمويل دولي.
ويرى جودة أن هذه المعطيات تمنح الخطة وزناً سياسياً مختلفاً عن المبادرات السابقة، لكن الخطة مرتبطة بحسابات ترمب السياسية الداخلية والخارجية، إذ يعكس توقيتها وطريقة طرحها رغبة في تسجيل إنجاز دبلوماسي يمكن توظيفه انتخابياً أو إقليمياً، ما يجعلها مزيجاً بين الجدية والمناورة: جدية في بنودها التفصيلية، ومناورة في استخدامها كأداة ضغط سياسية على الأطراف المختلفة.
ويعتقد جودة أن تنفيذ الخطة على أرض الواقع محفوف بتعقيدات كبيرة، رغم وجود عوامل قد تدفع نحو التعاطي معها، مثل الضغوط الدولية المتزايدة لوقف الحرب، واستنزاف الأطراف من استمرار القتال، والرغبة العربية في لعب دور بإعادة الإعمار، غير أن العقبات أكثر ثقلاً وتأثيراً.
ويوضح جودة أن إسرائيل قد ترفض الانسحاب وفق الجدول المقترح، بينما لن تقبل حركة "حماس" بسهولة بتفكيك بنيتها العسكرية أو التخلي عن السيطرة على القطاع، كما أن الأجندات الإقليمية المتضاربة تضع عراقيل إضافية، إلى جانب صعوبة تشكيل سلطة انتقالية دولية تتطلب توافقاً واسعاً وضمانات أمنية شبه مستحيلة داخل غزة.
وبناءً على ذلك، يستبعد جودة تنفيذ الخطة بصيغتها الكاملة، مرجحاً سيناريو التطبيق الجزئي أو المعدَّل، حيث قد تشهد بعض البنود تقدماً مثل وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن، في حين ستبقى القضايا الكبرى، مثل الانسحاب وإدارة القطاع، موضع شد وجذب طويل.





شارك برأيك
خطة ترمب لغزة...مناورة سياسية ومحاولة لاحتواء تسونامي الاعترافات