أقلام وأراء

الخميس 02 أكتوبر 2025 9:16 صباحًا - بتوقيت القدس

العمل الأهلي في القدس بين فراغ القيادة وعمق البصيرة

جسّد الراحل فيصل الحسيني فلسفة الصمود المتحدي في القدس عبر استراتيجية عكست بصيرته المعمّقة، باختزالها في مقولته: «قيادة بلا بناية أفضل من قيادة بلا شعب»، لم تكن العبارة مجرّد توصيف لمرحلة صعبة، بل إعلان عن رؤية ترى أن جوهر القيادة لا يُقاس بجدرانٍ تُشيَّد أو مكاتب تُجهَّز، بل بقدرتها على البقاء في قلب الناس، تُلامس آلامهم وترافق يومياتهم، قدّم الحسيني درسًا في أن البناء الحقيقي يبدأ من المجتمع قبل المؤسسة، ومن الشعب قبل المبنى، وبعد رحيله، تكشّف الفراغ القيادي كأكثر ما يوجع، حيث تراجعت المؤسسات الأهلية تحت وطأة الهيمنة والانقسام، وبقيت أسئلة الصمود الأهلي معلّقة بين إرث بصيرة لم تُفعَّل بعد، وواقعٍ يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

-فيصل الحسيني " الفكرة والبصيرة"

شكّل فيصل الحسيني حالة استثنائية في الوعي المقدسي، لم يكن مجرد قائد سياسي تقليدي، بل رمز وطني جمع بين الكاريزما الشعبية والبصيرة العملية، حمل على كتفيه مسؤولية مدينة محاصَرة، لكنه لم يتعامل معها كعبء بل كميدان لا بد من ابتكار أدوات البقاء فيه، في فلسفته التي سمّاها "اشتر/ي زمناً في القدس" كان يدرك أن مواجهة الاحتلال لا تُحسم في معركة واحدة، بل في تراكم تفاصيل صغيرة تحفظ الوجود وتؤجّل الانكسار، من هنا، جعل من المؤسسات الأهلية مظلة لحماية الهوية، فتحولت إلى بدائل عن الدولة الغائبة وأطرٍ لتجسيد حياة يومية تصرّ على البقاء فلسطينية رغم كل القيود، لم تكن هذه المقاربة هروبًا من السياسة بل شكلًا آخر من المقاومة، حيث يتحول العمل الأهلي إلى جدار دفاع اجتماعي وثقافي، وبهذا المعنى، أسّس الحسيني لمدرسة ترى أن الصمود الاجتماعي هو تحويل الضعف إلى قدرة على الاستمرار، وأن الإمكانات المتواضعة حين تتكئ على الوعي والناس، تستطيع أن تنتج هوية راسخة تتحدى محاولات المحو والطمس.

-نظرية الصمود الاجتماعي في القدس

يُعرَّف الصمود الاجتماعي في جوهره بوصفه قدرة الجماعة على الاستمرار في مواجهة الضغوط، ليس عبر الموارد المادية فقط، بل من خلال شبكات التضامن والمعاني المشتركة التي تحافظ على الهوية وتعيد إنتاجها في كل يوم، يصبح هذا المفهوم في القدس، أكثر عمقًا واتساعًا، إذ يتقاطع مع مقولة فيصل الحسيني «قيادة بلا بناية أفضل من قيادة بلا شعب» ليؤكد أن بقاء الشعب متماسكًا هو الشرط الأول لأي حضور سياسي أو مؤسسي، فالصمود هنا لا يعني مجرد بقاء البيوت مفتوحة أو المدارس قائمة، بل هو شبكة علاقات اجتماعية وأهلية تعيد إنتاج معنى الانتماء وتؤكد أن الفلسطيني في القدس ما زال حاضرًا رغم كل محاولات المحو، يتحول العمل الأهلي، في هذا السياق، إلى أداة مركزية لتثبيت هذا الصمود، فهو الذي يمنح المؤسسات بُعدًا يتجاوز الخدمات، ليصبح جدارًا من الهوية في وجه مشاريع الأسرلة، هكذا، يكتسب الصمود الاجتماعي بعدًا يتجاوز الدفاع عن الأرض إلى الدفاع عن المعنى، ليصبح هوية يومية تُصاغ من جديد عبر تفاصيل الحياة.

-غياب القيادة بعد الحسيني

بدت القدس مع رحيل فيصل الحسيني، وكأنها فقدت مرجعيتها الجامعة، فلم يعد هناك القائد القادر على جمع المبادرات وتوجيهها نحو أفق وطني واحد، الفراغ الذي خلّفه لم يكن سياسيًا فقط، بل اجتماعي وأهلي أيضًا، إذ ظهرت ملامح التبعثر في العمل، وصعُب التنسيق بين المؤسسات، فيما غابت البوصلة الوطنية التي كان الحسيني يمثلها، انعكس ذلك على المشهد الأهلي بصورة مؤلمة عبر تراجع التمويل الخارجي نتيجة فقدان الثقة بالاستقرار المؤسسي، وتقلصت فرص بناء شراكات واسعة، فيما تضاءلت المظلة السياسية التي كانت تحمي المؤسسات من الضغوط الإسرائيلية وتمنحها هامشًا للعمل، في غياب هذه المظلة، انزلقت المؤسسات إلى مساحات من الارتجال وغابت عنها الاستراتيجيات بعيدة المدى، لتتحول جهودها إلى استجابات ظرفية لا إلى خطط مستدامة، هنا برز الخلل الأكبر: (فقدان التوازن بين الشعب الذي يواصل التشبث بوجوده، وبين مؤسسات بدت أضعف من أن تحتضنه كما فعلت في زمن الحسيني)، وبين الرمز الراحل وواقع يزداد هشاشة، وجدت القدس نفسها مكشوفة أمام محاولات الأسرلة بلا درع قيادي أو أهلي متماسك.

-العمل الأهلي بين التحديات والاستمرارية

واصلت المؤسسات الأهلية في القدس بعد رحيل الحسيني مسيرتها وسط ظروف قاسية، محاولة إثبات وجودها رغم الحصار السياسي والضغوط الاقتصادية، واجهت هذه المؤسسات تحديات التمويل المشروط الذي كثيرًا ما ربط الدعم بالتخلي عن ثوابت الهوية، كما عانت من الهيمنة الإسرائيلية عبر قوانين الإغلاق والضرائب والرقابة، إضافة إلى الانقسام الداخلي الذي أضعف قدرتها على تشكيل جبهة موحدة، ومع ذلك، لم ينطفئ الحضور الأهلي كليًا، ففي قلب هذا المشهد المتأزم برزت قصص نجاح صغيرة، كمبادرات ثقافية وتعليمية واصلت عملها رغم ضآلة الإمكانيات، لتؤكد أن البقاء ممكن ما دام المجتمع متمسكًا بحقّه في الفعل والهوية، هذه النجاحات، وإن بدت متواضعة، جسدت قدرة المقدسيين على تحويل التفاصيل اليومية إلى فعل مقاومة وصمود، ومع ذلك، تبقى الصورة العامة مثقلة بغياب الاستراتيجية الجامعة، فالقدس تعيش على تراكم إرث الحسيني، لكنها تفتقد إلى من يحوّل هذا الإرث إلى مشروع متكامل يحمي المؤسسات ويربطها بالشعب.

-نحو تفعيل فلسفة المقولة

لا ينبغي لمقولة الحسيني «قيادة بلا بناية أفضل من قيادة بلا شعب» أن تبقى مجرد شعار يُستحضر في المناسبات، بل يمكن تحويلها إلى منهج عمل متكامل، جوهرها يقوم على أولوية الناس قبل الجدران، والهوية قبل الهياكل المادية، أي أن البقاء في الوعي الجمعي أهم من امتلاك المباني التي قد تُغلق أو تُصادَر في أي لحظة، تفعيل هذه الفلسفة يبدأ بإعادة بناء الثقة بين المؤسسات والأهالي ليشعر الناس أن المؤسسات امتداد لهم لا كيانات منفصلة عنهم، ثم تعزيز المبادرات المجتمعية الصغيرة باعتبارها حجر الأساس لأي تغيير، فهي أكثر قدرة على الحركة وتراكم الخبرة، يلي ذلك صياغة رؤية مقدسية تشاركية تُعيد رسم دور المؤسسات وتضع خطوطًا لحماية الهوية من الاختراق، وأخيرًا عبر الاستثمار في الشباب بوصفهم الامتداد الحقيقي لفكر الحسيني، فهم الأقدر على ابتكار أدوات جديدة للصمود، لتتحول العبارة إلى مشروع مستقبلي يعيد التوازن ويمنح القدس درعًا من البقاء الواعي.

-بوصلة مفتوحة نحو المستقبل

تظل مقولة أمير القدس «قيادة بلا بناية أفضل من قيادة بلا شعب» مرآة يقرأ المقدسيون عبرها حاضرهم ومستقبلهم، فهي تذكّر أن القيادة لا تختزل في جدران أو مكاتب، بل في الالتصاق بالناس وصون هويتهم، غياب القادة بعد الحسيني كشف هشاشة الواقع، لكنه لم يطفئ البصيرة التي أورثها، فالبوصلة ما تزال ممكنة حين يلتحم العمل الأهلي بفلسفة الصمود الاجتماعي وتتحول المؤسسات إلى أداة لخدمة المجتمع لا بديلاً عنه، لقد أثبتت التجربة أن المباني تُهدَم، أما الشعب حين يتمسك بروحه الجمعية، فإنه يفتح مسارات جديدة للبقاء مهما كانت التحديات، والسؤال يبقى مفتوحاً: هل ينجح الجيل الجديد في تحويل وصية الحسيني إلى برنامج حياة يعيد للقدس دورها الطليعي في مقاومة الأسرلة وصون الهوية؟

دلالات

شارك برأيك

العمل الأهلي في القدس بين فراغ القيادة وعمق البصيرة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.