د. أحمد رفيق عوض: حكومة الاحتلال تمهّد لضم الضفة وإسقاط السلطة ضمن مشروع "إسرائيل الكبرى"
محمد أبو علان دراغمة: مجرد ادعاءات أمنية لتحقيق أغراض سياسية في توقيت حساس يرتبط بالاعترافات بالدولة
ياسر مناع: إسرائيل تستغل الحدث من أجل معركة سياسية منظمة في مواجهة موجة الاعترافات بالدولة
د. سهيل دياب: ما يجري بالضفة يعبّر عن رؤية إسرائيلية أوسع تهدف لشيطنة كل فلسطيني بوصفه "مخرّباً"
فايز عباس: الإعلام الإسرائيلي يروج لاحتمال وقوع "7 أكتوبر جديد" بالضفة ما لم تنفذ الحكومة عمليات مكثفة
نزار نزال: الهدف توجيه رسائل للخارج بأن أي اعتراف بدولة فلسطين يعني قيام كيان "مسلح" يهدد أمن إسرائيل
تثير المزاعم الإسرائيلية خلال الأيام الماضية بفتح ملف أمني جديد في الضفة الغربية، عبر الإعلان عن اكتشاف صواريخ بدائية الصنع في محيط رام الله واعتقال خلية مرتبطة بها، موجة من الجدل حول خلفيات التوقيت وأهداف هذه الرواية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن هذه المزاعم لا تنفصل عن معركة سياسية ودبلوماسية أوسع تهدف لإضعاف السلطة الفلسطينية ومنع أي تقدم على صعيد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.
وتأتي هذه التطورات في ظل سياق إقليمي ودولي متغير، حيث تتصاعد الدعوات الأوروبية والأممية للاعتراف بفلسطين، ما تعتبره الحكومة الإسرائيلية تهديدًا مباشرًا لمشروعها الاستيطاني.
وتؤكد قراءات عدد من الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات أن استحضار ملف "صواريخ الضفة" ليس عرضيًا، بل يندرج ضمن خطة إسرائيلية قديمة متجددة تسعى لتصوير الضفة الغربية كتهديد أمني شبيه بقطاع غزة أو جنوب لبنان، بهدف خلق حالة من القلق الدولي من أن إقامة دولة فلسطينية قد تفتح الباب أمام "كيان مسلح" يهدد استقرار المنطقة.
ويرون أن هذا الخطاب الأمني يخدم الأجندة الإسرائيلية على أكثر من مستوى: فهو يبرر تكثيف الاقتحامات والاعتقالات اليومية، ويمنح غطاءً لسياسات الضم وفرض السيادة على الأراضي الفلسطينية، كما يهيئ الرأي العام الغربي لقبول الرواية الإسرائيلية ورفض مسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويلفتون إلى أنه بذلك تتحول قضية "الصواريخ" من مجرد خبر أمني إلى أداة سياسية متكاملة، تعكس إصرار حكومة الاحتلال على استغلال كل الأوراق الممكنة لتعطيل أي مسار سياسي أو دولي يقود إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
جزء من خطة استراتيجية عميقة
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض من أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية تسير بخطوات متسارعة نحو ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، بل وربما إسقاط السلطة الفلسطينية كليًا، مشددًا على أن هذا المسار ليس ظرفيًا أو رد فعل محدودًا، بل هو جزء من خطة استراتيجية عميقة تستهدف إعادة صياغة المشهد الفلسطيني وفقًا للرؤية الصهيونية بما يخدم مشروع "إسرائيل الكبرى".
ويوضح عوض أن التحركات الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية، بما في ذلك الاعتقالات اليومية، والمصادرات، والهدم، وإقامة البوابات، وما يرافقها من اقتحامات وعمليات عسكرية مشددة، كلها تأتي في إطار تهيئة الساحة للضم الكامل.
ويؤكد عوض أن إسرائيل تسعى من خلال ذلك إلى تصوير الضفة الغربية وكأنها نسخة أخرى من قطاع غزة أو جنوب لبنان في مراحل سابقة، في محاولة لإقناع العالم أن ما يجري ليس سوى مواجهة مع "الإرهاب" كما تسميه، وأن السلطة الفلسطينية عاجزة عن ضبط الأوضاع أو القيام بدورها، وبالتالي لم يعد لها أي جدوى أو ضرورة.
ويبيّن عوض أن إسرائيل تحاول خلق بيئة سياسية وإعلامية وأمنية تهيئ الرأي العام الداخلي والخارجي لتقبل فكرة الضم، بل وتبريره باعتباره ردًا على التحديات الأمنية أو حتى على خطوات دبلوماسية كاعتراف بعض الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية.
ويشير عوض بوضوح إلى أن هذا التبرير غير دقيق، لأن أكثر من 140 دولة سبق لها الاعتراف بفلسطين، ومع ذلك لم تقدم إسرائيل على ضم رسمي في السابق.
ويعتبر عوض أن الدافع الحقيقي اليوم لما يجري في الضفة الغربية هو ما تسميه حكومة نتنياهو "خطة الحسم"، التي تستند إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة معًا، في إطار تكريس فكرة "إسرائيل الكبرى".
ويؤكد عوض أن هذه الرؤية ليست محصورة بالحكومة الإسرائيلية الحالية وحدها، بل هي جزء من بنية الفكر الصهيوني بشقيه العلماني والديني، حيث يجتمع الطرفان على ضرورة ضم الأراضي الفلسطينية وفرض السيادة الكاملة عليها.
ويشير إلى أن إسرائيل ترى في المناخ الدولي والإقليمي بأنه يشجعها على المضي في هذا المسار، موضحًا أن الدول العربية تعيش حالة ضعف غير مسبوقة ولا تملك القدرة على مواجهة خطوات الضم، فيما الإدارة الأمريكية تقف إلى جانب إسرائيل سياسيًا وأمنيًا، بينما الاتحاد الأوروبي عاجز عن بلورة موقف موحّد وفاعل قادر على ردع تل أبيب.
إسرائيل تعتبر اللحظة الراهنة "الأفضل" لتنفيذ مشروعها
ويرى عوض أن إسرائيل تعتبر اللحظة الراهنة هي "الأفضل" لتنفيذ مشروعها، مستفيدة من هذا الضعف العربي والانقسام الدولي، ومن الدعم الأمريكي اللامحدود، ولذلك فهي لا تكتفي بالتصعيد الأمني والعسكري على الأرض، بل تحاصر السلطة الفلسطينية سياسيًا وأمنيًا وماليًا، لدفعها إلى مزيد من العجز، وربما لإسقاطها نهائيًا، بما يخدم الهدف المركزي المتمثل في الضم.
ويؤكد عوض أن الفلسطينيين يقفون أمام خطر حقيقي وليس وهميًا، خطر يهدد وجودهم وحقوقهم الوطنية، ويعيد تشكيل قضيتهم بالكامل وفق الرؤية الصهيونية، مشدداً على أن الضم بات اليوم ليس مجرد احتمال، بل قلب المشروع الإسرائيلي وأداة تنفيذه على الأرض.
احتلال اعتاد تغليف خطواته بغلاف أمني
يصف الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة ما أعلن عنه جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن "صواريخ الضفة" والخلية التي قال إنه اعتقلها في رام الله، بأنها مجرد "ادعاءات أمنية" لا تستند إلى حقائق، وتهدف لتحقيق أغراض سياسية في توقيت حساس يرتبط بإعلان مجموعة من الدول الأوروبية اعترافها بالدولة الفلسطينية، إلى جانب تصاعد المطالبات في المستويات السياسية الإسرائيلية بالإسراع في ضم الضفة الغربية.
ويوضح دراغمة أن الاحتلال اعتاد تغليف خطواته ضد الشعب الفلسطيني بغلاف أمني، عبر الادعاء بوجود أخطار وجودية، لتبرير سياساته التوسعية.
ويرى دراغمة أن الحديث عن صواريخ مصنّعة في الضفة الغربية يدخل في هذا السياق، حيث سعى الاحتلال من خلاله إلى توفير مبرر سياسي للخطوات المقبلة على الأرض.
ويقول: "لو كانت هذه الصواريخ موجودة فعلًا، لما تم تدميرها، بل كان سيتم عرضها في مؤتمر صحفي بحضور وسائل الإعلام الأجنبية والمحلية لإبراز حجم الخطر المزعوم".
تصريحات تؤكد البعد السياسي للقضية
ويؤكد دراغمة أن تصريحات المستوى السياسي الإسرائيلي بعد الإعلان جاءت لتؤكد البعد السياسي للقضية، إذ اعتبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن "الكشف" عن هذه الصواريخ دليل على خطورة قيام دولة فلسطينية، محمّلًا السلطة الفلسطينية المسؤولية عن ذلك، رغم أن ما جرى كان في مناطق "ج" الخاضعة بالكامل للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية بموجب اتفاق أوسلو.
ويشير دراغمة إلى أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير استغل هذه المزاعم للربط بين ما حدث في غزة في 7 أكتوبر 2023، وبين الضفة الغربية، متهمًا السلطة الفلسطينية بأنها "تحرض في مناهجها وإعلامها وتدفع رواتب لمن يهاجمون الإسرائيليين"، محذرًا من أن استمرارها قد يقود إلى "7 أكتوبر جديد".
ووفق دراغمة، فإنه في السياق ذاته، كرر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الموقف نفسه، معتبرًا أن خطة الضم التي أعلن عنها مؤخرًا هي الحل الحقيقي لمواجهة مثل هذه "الظواهر" ومنع إقامة دولة فلسطينية.
ويرى دراغمة أن ما جرى في قرية كفر نعمة غرب رام الله والحديث عن اكتشاف صواريخ ليس سوى ادعاء أمني لغايات سياسية، الهدف منها خلق ذرائع واهية تمنع أي حل سياسي مستقبلي، وتكرس السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على الضفة الغربية بشكل كامل.
أداة سياسية وأمنية مزدوجة بيد المؤسسة الإسرائيلية
يعتبر الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أن إثارة ملف ما يُعرف بـ"صواريخ الضفة الغربية" ليس سوى أداة سياسية وأمنية مزدوجة بيد المؤسسة الإسرائيلية، تُستخدم لتبرير خطوات ميدانية وتصعيدية من جهة، ولتعزيز خطاب التيارات اليمينية المتطرفة من جهة أخرى.
ويوضح مناع أن هذه المزاعم تمنح إسرائيل غطاءً لتكثيف المداهمات والاعتقالات في الضفة الغربية تحت شعار "مكافحة الإرهاب"، وفي الوقت نفسه تخدم الأجندة السياسية لوزراء يدفعون باتجاه إضعاف السلطة الفلسطينية أو ضم مساحات أوسع من الأراضي.
ويرى مناع أن تضخيم مثل هذه الملفات يسعى إلى حرف النقاش الدولي بعيدًا عن جوهر الصراع القائم على الاحتلال والاستيطان، وتحويله إلى سجال حول "التهديدات الأمنية" بما يبرر المزيد من الإجراءات الأحادية الإسرائيلية.
ويؤكد مناع أن استهداف الفلسطينيين في سياسات إسرائيل "لا يحتاج في الواقع إلى ذرائع"، فهو نهج ثابت يتكرر في كل المراحل، غير أن الجديد هو التوظيف السياسي للتوقيت.
ويوضح مناع أن إثارة هذا الملف تتزامن مع تحركات أممية ودولية متصاعدة للاعتراف بدولة فلسطين، وهو ما تعتبره الحكومة الإسرائيلية تهديدًا استراتيجيًا لمشروعها الاستيطاني.
ويشير مناع إلى أن الهدف من هذه السردية هو إقناع العواصم المترددة بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية قد يؤدي إلى ظهور "كيان إرهابي" يهدد الاستقرار الإقليمي، بالتوازي مع توفير أرضية لخطاب وزراء في الحكومة الإسرائيلية يعلنون صراحةً المضي قدمًا في مشاريع الضم وفرض السيادة على الضفة الغربية.
ويؤكد مناع أن توقيت هذه المزاعم "ليس عرضيًا"، بل إن إسرائيل تستغل الحدث من أجل معركة سياسية ودبلوماسية منظمة في محاولة لتعطيل موجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية أو على الأقل تأخيرها، مع ضمان بقاء ميزان القوى الميداني والسياسي منحازًا لصالحها.
إسرائيل لم تعد بحاجة إلى ذرائع أو مبررات
يؤكد أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى ذرائع أو مبررات لتفسير ممارساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل انتقلت منذ عام 2021 إلى مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"إسرائيل الثالثة"، تختلف عن مرحلتي المؤسسين ثم فترة مناحيم بيغن حتى العام 2021.
ويوضح دياب أن إسرائيل في مرحلتيها السابقتين كانت تعتمد على تخزين الاستراتيجيات في الأدراج وانتظار اللحظة أو الحدث المناسب لتنفيذها، أما اليوم فقد غيّرت نهجها بالكامل لتعلن بصراحة وعلنية ما تريد، وتزرع هذه الأهداف في الوعي الداخلي والدولي والإقليمي، بحيث يصبح من السهل عليها لاحقًا إلباس أي حدث لهذه الاستراتيجية المعلنة مسبقًا.
ويقدم دياب مثالين على ذلك: الأول، قرار الكنيست الأخير الذي ينص على منع قيام دولة فلسطينية بأي ثمن، وهو قرار يتم استدعاؤه الآن في مواجهة المبادرات الأوروبية والسعودية الفرنسية بالاعتراف بدولة فلسطين.
ذريعة لتوسيع الاستيطان أو ضم أجزاء من الضفة
ويشير دياب إلى أن إسرائيل توظف هذه المبادرات كذريعة لتوسيع الاستيطان أو حتى لضم أجزاء من الضفة الغربية أو قطاع غزة، لتبرير خطوات كانت قد أعلنت نواياها بشأنها مسبقًا.
أما المثال الثاني وفق دياب، فيرتبط بحدث معبر الكرامة (اللنبي) الأخير الذي قتل فيه إسرائيليان، حيث رأت إسرائيل فيها مناسبة لإعادة طرح مقترح ضم غور الأردن بشكل نهائي، وهو مقترح طُرح مرارًا في الكنيست في السنوات الماضية.
ويرى دياب أن هذا النهج الجديد لا يقوم على الحاجة لذرائع كما في السابق، وإنما على خلق الأحداث التي تخدم الاستراتيجية المُعلنة سلفًا، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو في الملف الفلسطيني عامة.
ويؤكد دياب أن الهدف الأساس من هذه المواقف هو الإجابة على التساؤلات التي تطرحها الأطراف الأوروبية والأمريكية الحليفة لإسرائيل حول مبرر التوحش الإسرائيلي في الضفة الغربية في وقت تزعم فيه الحكومة أن معركتها الأساسية ضد حركة حماس في غزة.
وبحسب دياب، فإن ما يجري في الضفة الغربية يعبّر عن رؤية إسرائيلية أوسع تهدف إلى شيطنة كل فلسطيني أينما كان، من غزة إلى الضفة والداخل والشتات، بحيث يصبح كل فلسطيني في نظر إسرائيل مشروع "مخرّب". ويشير دياب إلى أن هذه السياسة الخطابية والإعلامية تمثل أداة لنتنياهو وحكومته اليمينية الفاشية لتبرير تصعيدهم غير المسبوق.
ويتناول دياب قرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بوقف الحرب على قطاع غزة، والذي عرقلته الولايات المتحدة باستخدام (الفيتو) للمرة السادسة.
ويؤكد دياب أن ما جرى يعكس صورة عالم منقسم بوضوح: الولايات المتحدة وإسرائيل في جانب، وبقية دول العالم في الجانب الآخر. ويرى دياب أن هذا الاصطفاف لم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، ما يدل على أن الحرب الدائرة ليست حربًا إسرائيلية خالصة، بل هي حرب أمريكية بامتياز تنفذ إسرائيل فيها دور الأداة الرئيسية.
ويوضح دياب أن الارتباط بين الملفات الفلسطينية والسورية واللبنانية والإيرانية، إضافة إلى التطورات بعد ضرب قطر، كلها مؤشرات على أن الصراع أوسع بكثير مما يُعرض في الإعلام، وأنه يعكس تراجع الهيمنة الأمريكية عالميًا وصعود نظام دولي متعدد الأقطاب.
ويؤكد دياب أن الولايات المتحدة وإسرائيل "تقاتلان الزمن" في محاولة لتأجيل لحظة السقوط من موقع الهيمنة، غير أن هذا الحسم "آتٍ لا محالة، والمسألة مسألة وقت".
ويشدد دياب على أن الأزمات الداخلية في إسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب تراجع سمعة واشنطن عالميًا، تسهم في مفاقمة مأزق التحالف الأمريكي الإسرائيلي الذي يفضل الخطاب الشعبوي الترامبي على المصالح الإستراتيجية الحقيقية، في الوقت الذي تتكشف فيه عجز المنظمات الدولية عن لعب أي دور فاعل في حل النزاعات.
وبحسب دياب، فإن فهم هذه "الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة" يساعد على قراءة ما يجري من أحداث في الضفة وغزة وساحات إقليمية أخرى، ويكشف أن إسرائيل والولايات المتحدة ليستا في موقع المبادرة بقدر ما هما في سباق مع الزمن لتأجيل هزيمة تلوح في الأفق.
حكومة نتنياهو تمارس سياسة انتقامية
يؤكد الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي فايز عباس أن حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، وبعد أن تلقت "ضربة قاسية"، تمارس سياسة انتقامية غير مسبوقة بحق الشعب الفلسطيني.
ويوضح عباس أن هذه السياسة تتجلى في عمليات الإبادة والتهجير المتواصلة في قطاع غزة، بالتوازي مع تشديد الخناق على سكان الضفة الغربية عبر الحواجز العسكرية والاقتحامات اليومية، إضافة إلى الاعتداءات المنظمة التي ينفذها المستوطنون في القرى الفلسطينية شمالًا وجنوبًا، بدعم من الجيش والشرطة.
ويشير عباس إلى أن حكومة اليمين، بتقدمها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، تستهدف إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وصولًا إلى دفع الشعب الفلسطيني نحو الانفجار الداخلي، بما يتيح للاحتلال تنفيذ مخططاته ضد المدنيين العزل.
ويؤكد عباس أن ما بعد 7 أكتوبر 2023، شكّل نقطة تحول في السلوك الإسرائيلي، حيث باتت الأصوات تتعالى من سكان المستوطنات القريبة من الضفة بشأن فقدانهم الشعور بالأمن، وترددت مزاعم عن "أنفاق" لم يُعثر عليها، إلى جانب إطلاق نار واستعراضات مسلحة في شمال الضفة، وهو ما استُخدم لاحقًا كمبرر للهجمات الإسرائيلية على جنين وطولكرم ومخيماتهما.
ويلفت عباس إلى أن السياسة الإسرائيلية الراهنة تقوم على محاصرة الضفة بالكامل، والبحث عن ذرائع لتصعيد عسكري جديد.
ويؤكد عباس أن الإعلام الإسرائيلي يروج منذ أسابيع لاحتمال وقوع "7 أكتوبر جديد" في الضفة إذا لم تنفذ الحكومة عمليات مكثفة، لتأتي "اكتشافات الصواريخ البدائية" في قرية كفر نعمة غرب رام الله كذريعة مثالية لتبرير أي عملية عسكرية مقبلة.
ويشدد عباس على أن تزامن هذه المزاعم مع اقتراب الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية ليس صدفة، معتبرًا أن إسرائيل التي فشلت في منع هذا الاعتراف، تهدد اليوم بالضم ردًا عليه، رغم إدراكها للعوائق الديمغرافية التي تحول دون تنفيذ هذا التهديد.
ويوضح عباس أن إسرائيل تسعى إلى استغلال قضية "الصواريخ المشكوك بجاهزيتها" لإقناع المجتمع الدولي بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيشكل تهديدًا وجوديًا لها، في الوقت الذي تستمر فيه باحتلال أراضٍ في سوريا ولبنان وتهديد دول عربية أخرى.
ويحذر عباس من أن سيناريو شمال الضفة قد يتكرر في مناطق أخرى، ما لم يتم إحباط المخططات الإسرائيلية عبر وعي جماهيري وتحرك سياسي فاعل.
أربعة أهداف رئيسية للمزاعم الإسرائيلية
يعتبر الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن ما يُثار حول "صواريخ الضفة الغربية" سواء كان خبرًا حقيقيًا أو مفبركًا، يدخل في إطار سياسة إسرائيلية تهدف إلى تخليق الذرائع، التي تُعدّ عمودًا رئيسيًا في خطابها السياسي والأمني لتبرير خطوات تصعيدية على الأرض.
ويوضح نزال أن هذه المزاعم تسعى لتحقيق أربعة أهداف رئيسية: أولًا، تبرير أي تصعيد عسكري محتمل عبر تصوير الضفة الغربية كتهديد استراتيجي مشابه لقطاع غزة، وثانيًا، خلط الأوراق داخليًا بتحويل الأنظار عن فشل حكومة بنيامين نتنياهو في إدارة الأزمات، خاصة في غزة، وثالثًا، إضعاف السلطة الفلسطينية من خلال اتهامها بالعجز عن ضبط الأمن، وهو ما قد يفتح المجال لبدائل أمنية أخرى مثل الإدارات المحلية أو روابط القرى والمدن.
أما الهدف الرابع، وفق نزال، فهو توجيه رسائل للخارج بأن أي اعتراف بدولة فلسطينية يعني قيام كيان "مسلح" يهدد أمن إسرائيل.
ويشير نزال إلى أن إسرائيل تتحرك وفق سيناريوهات متعددة؛ ففي المدى القصير تعمل على تكثيف الاقتحامات والاعتقالات والإجراءات الميدانية داخل التجمعات السكانية الفلسطينية، وعلى المدى المتوسط، تسعى إلى تبرير إقامة حزام أمني أو مناطق عازلة، بينما في المدى البعيد، توظف الملف في المحافل الدولية لرفض أي مسار سياسي بحجة أن الأراضي الفلسطينية قد تتحول إلى منصات لإطلاق الصواريخ على إسرائيل.
وحول التوقيت للحديث عن هذه الصواريخ، يؤكد نزال أن هذه الادعاءات تتزامن مع الحراك الدولي المتزايد للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما يعكس "قلقًا إسرائيليًا حقيقيًا" من موجة اعترافات قد تتحول إلى كتلة حرجة داخل الأمم المتحدة.
دلالات سياسية وأمنية لمزاعم الاحتلال
ويرى نزال أن لهذه المزاعم دلالات سياسية وأمنية، أبرزها: خلق صورة أمنية مضطربة لإضعاف المسار الأممي، وتغذية خطاب الضم الذي يروج له وزراء في الحكومة الإسرائيلية، والضغط على الولايات المتحدة وأوروبا عبر ربط أي ضغوط ميدانية بإجراءات على الأرض، وأخيرًا استخدامها كورقة مناورة داخلية تخدم الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي تحاول تكريس سردية أن الدولة الفلسطينية تمثل "خطرًا وجوديًا".
ويؤكد نزال أن الهدف الاستراتيجي لإسرائيل من هذه المزاعم هو منع الأمم المتحدة والدول الكبرى، وخاصة في الاتحاد الأوروبي، من الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة خلال جلسة الثاني والعشرين من سبتمبر / أيلول الجاري، عبر إغراق النقاش الدولي في اعتبارات أمنية مفتعلة.





شارك برأيك
صواريخ الضفة... مزاعم إسرائيلية لفرض الضم ومنع إقامة الدولة