فلسطين

الثّلاثاء 23 سبتمبر 2025 10:30 صباحًا - بتوقيت القدس

الاعترافات الدولية.. تعزيز المكانتين القانونية والسياسية لبسط سيادة الدولة

رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم -

د. دلال عريقات: الاعترافات تمنح وزناً قانونياً وسياسياً إضافياً لتأكيد عدم شرعية المستوطنات وتدفع لوضع حد لمحاولات الاحتلال الإفلات من العقاب

عوني المشني: الخطوة تعكس سقوط السردية الإسرائيلية التي روّجت طويلاً لغياب الشريك الفلسطيني أو لاستحالة قيام دولة فلسطينية

د. سعيد شاهين: الاعترافات لن يكون لها وزن فعلي إن لم تُترجم إلى إجراءات عملية مثل فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إسرائيل

سري سمور: جوهر المسألة يكمن في مدى استعداد الدول التي بادرت أو ستبادر إلى الاعتراف لاتخاذ خطوات عملية ضد الاستيطان

د. ولاء قديمات: الاعترافات مشروطة وتتطلب اليقظة.. والحديث عن إسقاط شرعية المستوطنات أو تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة ما يزال مبكراً

صلاح موسى: الاعترافات مهمة بالنتائج المترتبة عليها والدول المعترفة ستكون ملزمة بتطبيق القانون الدولي و"الإنساني" وقرارات الشرعية الدولية

تشكل الاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين من دول عدة، بينها كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، خطوة تاريخية تعزز الشرعية الدولية للقضية الفلسطينية والمكانة القانونية للدولة الفلسطينية، وتضع حدّاً لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي الإفلات من العقاب. 

وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"،  توفر هذه الاعترافات منصة قانونية وسياسية لفلسطين لمساءلة إسرائيل، عبر طلب انعقاد مؤتمر للدول الموقعة على اتفاقيات جنيف لاتخاذ إجراءات ضد الاستيطان، وفرض عقوبات على المستوطنين ووقف أي تعاون مع مشاريع الاحتلال على الأرض.

ويؤكد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن هذه الخطوة تتيح تحويل الاعتراف الرمزي إلى خطوات ملموسة تدعم صمود الفلسطينيين وتحدّ من توسع الاستيطان.

ومع ذلك، يشير الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات إلى أن إسرائيل قد تتخذ إجراءات انتقامية تشمل تسريع مشاريع الضم، توسيع الاستيطان، وفرض قيود على السلطة الفلسطينية، ما يجعل التزام المجتمع الدولي بتنفيذ الاعترافات عملياً أمراً حاسماً لضمان حماية الحقوق الفلسطينية ومواجهة سياسات الاحتلال.

 

نقطة تحول جوهرية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

 

تؤكد أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات، أن الاعترافات الدولية بدولة فلسطين تشكل نقطة تحول جوهرية في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، إذ تمنح وزناً قانونياً وسياسياً إضافياً لتأكيد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، وتدفع باتجاه مقاربة جديدة تحاصر الاحتلال وتضع حدّاً لمحاولاته الدائمة للإفلات من العقاب.

وتوضح عريقات أن المجتمع الدولي سبق أن حسم مسألة عدم شرعية الاستيطان عبر قرارات واضحة، أبرزها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار عام 2004، ورأيها الجديد حول قانونية الاحتلال في يوليو/تموز 2024، إضافة إلى قرار مجلس الأمن 2334، الذي أكد بشكل لا لبس فيه عدم شرعية النشاط الاستيطاني. 

 

انتقال الأمر إلى مستوى أكثر إلزامية

 

وتشدد عريقات على أن الاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين، خاصة من دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا، تنقل الأمر إلى مستوى أكثر إلزامية، حيث تجعل من استمرار الاستيطان ليس مجرد مخالفة قانونية، بل تحدياً مباشراً لإرادة تحالف دولي واسع.

وتوضح عريقات أن "كل إجراء استيطاني أو سياسة عنصرية أو جريمة ارتكبت بعد هذه الاعترافات لم تعد مجرد قضية في أرض متنازع عليها كما تسوق إسرائيل، بل هي عدوان على دولة ذات سيادة معترف بها دولياً"، مؤكدة أن هذه النقطة تمثل تحوّلاً نوعياً في ميزان القوى القانوني والدبلوماسي.

وتشدد عريقات على أن الدول التي اعترفت بفلسطين أصبحت الآن ملزمة بترجمة هذا الاعتراف إلى خطوات عملية، احتراماً للعلاقات الثنائية والالتزامات السياسية والقانونية تجاه فلسطين كدولة. 

وبحسب عريقات، تشمل هذه الخطوات المحتملة فرض عقوبات على المستوطنين، وحظر منتجات المستوطنات في الأسواق الدولية، ووقف أي تعاون مع مشاريع إسرائيلية قائمة على الأرض الفلسطينية المحتلة.

 

 بداية تصحيح لمسار النظام الدولي 

 

وتعتبر عريقات أن هذه الإجراءات يمكن أن تشكل بداية تصحيح لمسار النظام الدولي عبر محاسبة الاحتلال ومنع إفلاته من المساءلة.

وحول رد الفعل الإسرائيلي المتوقع، توضح أن تل أبيب ستتجه على الأرجح إلى خطوات انتقامية، مثل تسريع مشاريع الضم، وزيادة وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، والتضييق على المؤسسات الدولية والدبلوماسية في القدس، في محاولة لفرض أمر واقع جديد. 

وترى أن هذه السياسات لن تُفهم هذه المرة على أنها دفاع مشروع، بل ستُقرأ كدليل إضافي على طبيعة الاحتلال الاستعمارية وما ارتكبه من جرائم تصل إلى حد الإبادة الجماعية.

وتشير عريقات إلى أن الفارق الجوهري في موجة الاعترافات الجديدة هو وضوح خطاب الدول المعترفة، إذ أعلنت أن الاعتراف ليس مكافأة لحركة حماس، بل خطوة لتثبيت خيار حل الدولتين وعزل التطرف. 

وتعتبر عريقات أن هذا التوضيح يعزز شرعية الاعتراف، ويجعل أي تصعيد إسرائيلي في مواجهته بمثابة مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.

وتلفت عريقات إلى أن التحالف الدولي الذي تقوده فرنسا والسعودية، قد يجد نفسه مضطراً للانتقال من مرحلة الاعتراف الرمزي إلى الردع العملي، عبر أدوات أكثر تأثيراً مثل فرض عقوبات على إسرائيل، وحظر التعامل مع المستوطنات، وتفعيل أدوات القانون الدولي لردع سياسات الاحتلال.

وتعتقد عريقات أن إسرائيل ستسعى إلى اختبار جدية المجتمع الدولي في ترجمة الاعترافات إلى إجراءات ملموسة، لكن "لحظة نيويورك 2025" –في إشارة إلى الموجة الأخيرة من الاعترافات– قد تشكل محطة فاصلة، إما أن تتحول إلى مجرد خطوة رمزية، أو إلى نقطة انطلاق لمسار جديد يعيد الاعتبار للقانون الدولي ويضع حداً لمنطق الاحتلال القائم على الإفلات من العقاب.

 

خطوة رمزية ذات أهمية خاصة

 

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية من قبل دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا يشكل خطوة رمزية ذات أهمية خاصة، لما تحمله من دلالات سياسية ومعنوية عميقة، معتبراً أنها ليست مجرد إضافة كمية في رصيد الدعم الدولي، بل متغير نوعي له تبعات استراتيجية على مستقبل الصراع.

ويوضح المشني أن الخطوة تعكس سقوط السردية الإسرائيلية التي روّجت طويلاً لغياب الشريك الفلسطيني أو لاستحالة قيام دولة فلسطينية. 

ويؤكد المشني أن هذا الاعتراف جاء نتيجة تراكم كفاح الشعب الفلسطيني وصموده على الأرض، وهو إقرار دولي صريح بأن الفلسطينيين عصيّون على الإبادة أو التصفية، ليس فقط كقضية بل كشعب ووجود ممتد.

وبحسب المشني، كما أن الاعتراف يعكس في جانب آخر قدرة الشعوب الأوروبية وحركات التضامن على التأثير في قرارات قادتها، ما أفضى إلى هذا التحول التاريخي في مواقف دول لطالما كانت داعمة تقليدياً لإسرائيل، بل إن بعضها كان سبباً في وجودها.

وببيّن المشني أن تأثير هذه الاعترافات سيكون محدوداً ميدانياً في المدى القريب، فالمستوطنات تبقى غير شرعية بموجب قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومواقف غالبية دول العالم، لكن الاعتراف بفلسطين يضيف بعداً جديداً في تعزيز هذا الموقف القانوني والسياسي. 

ومع ذلك، يحذر المشني من أن الخطوة قد تدفع الحكومة الإسرائيلية اليمينية إلى إجراءات أكثر تطرفاً، وربما التوسع في ضم مساحات من الضفة الغربية، أو حتى محاولة تمرير فكرة التهجير التي سبق أن صرح بها بعض وزراء اليمين العنصري.

ويشير المشني إلى أن مثل هذه السياسات الانتقامية محتملة إلى حد كبير، وبالقدر الذي تسمح به الإدارة الأمريكية

 ويؤكد أن هذه السياسات الانتقامية المتوقعة محكومة بالفشل الذريع، لأنها تتناقض مع مسار التاريخ وتعمق عزلة إسرائيل على المستوى الدولي. 

ويعتبر المشني أن ما يجري اليوم يذكّر بالتجربة الجنوب أفريقية، حيث انتهت سياسات الفصل العنصري إلى الاعتراف بحقوق الشعب الأفريقي تحت ضغط المجتمع الدولي.

 

محطة مفصلية في مسار القضية الفلسطينية

 

ويؤكد المشني أن الاعترافات الأوروبية تشكل محطة مفصلية في مسار القضية الفلسطينية، ليس فقط بتعزيز الموقف القانوني والسياسي للشعب الفلسطيني، بل بإسهامها في عزل إسرائيل وإجبارها في نهاية المطاف على التسليم بحقوق الفلسطينيين. 

ويقول المشني: "انتصارنا في شوارع لندن وباريس سيكون مقدمة لانتصاراتنا في القدس وغزة، فالحق الذي نملكه مدعوم اليوم بإرادة دولية متنامية، وهذا ما يجعل مستقبل قضيتنا أكثر رسوخاً رغم كل التحديات".

 

 محاولة إعادة الاعتبار للقانون الدولي 

 

يرى أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين أن الاعترافات الدولية المتتالية بدولة فلسطين تمثل لحظة تاريخية فارقة في مسار القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تحمل أبعاداً سياسية وقانونية لا تقل أهمية عن قرار الاعتراف بإسرائيل عام 1948، وإن جاءت متأخرة. 

ويؤكد شاهين أن دوافع هذه الدول لا تنفصل عن محاولتها إعادة الاعتبار للقانون الدولي بعد أن احتكرته الولايات المتحدة لعقود، مستخدمة قوتها ونفوذها لفرض أجندتها على المجتمع الدولي.

ويوضح شاهين أن المستوطنات بموجب القانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية غير شرعية، لكن الاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين تضيق الخناق أكثر على حكومة اليمين المتطرف "الفاشية" برئاسة بنيامين نتنياهو.

ويؤكد أن هذه الاعترافات لن يكون لها وزن فعلي إن لم تُترجم إلى إجراءات عملية، مثل فرض عقوبات اقتصادية وسياسية على إسرائيل، ما يجعل استمرار الاستيطان عبئاً كبيراً عليها على المستويات كافة: الاقتصادية، القانونية، والسياسية، فضلاً عن البعد الإنساني الذي يفاقم صورة إسرائيل كدولة خارجة عن الشرعية الدولية.

 

إسرائيل لن تتوانى عن محاولة فرض الأمر الواقع

 

ويشير شاهين إلى أن إسرائيل، في ظل هذا التحول الدولي، لن تتوانى عن محاولة فرض سياسة الأمر الواقع عبر تكثيف الاستيطان وتوسيع رقعة السيطرة في الضفة الغربية، وربما إعلان ضم مناطق مصنفة "ج"، إضافة إلى فرض عقوبات جماعية على الشعب الفلسطيني. 

ولم يستبعد أن تلجأ حكومة نتنياهو إلى سيناريوهات أكثر خطورة، مثل الاستجابة لدعوات وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير ووزير المالية الإسرائيلي بتسلائيل سموتريتش لتفكيك السلطة الوطنية الفلسطينية، بهدف الالتفاف على الموقف الدولي المناصر لحل الدولتين.

ويشدد شاهين على أن ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة، المتمثلة في تصريحات متشنجة واتهامات للدول المعترفة بأنها "تكافئ الإرهاب" أو تمارس "معاداة السامية"، تكشف حالة الارتباك داخل الحكومة الإسرائيلية. 

ويعتبر أن هذه التصريحات لم تعد تقنع أحداً، بل تدفع المزيد من الدول إلى الانضمام لركب الاعتراف بفلسطين، الأمر الذي يعمق عزلة إسرائيل الدولية ويضعها على مسار مشابه للمصير الذي واجهته حكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

ويؤكد شاهين أن الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي، الذي بات مطالباً بترجمة هذه الاعترافات إلى إجراءات ردع حقيقية تجبر إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي، محذراً من أن استمرار تل أبيب في انتهاك الشرعية الدولية يقوض السلم والأمن العالميين. 

 

تحوّل في ميزان القوى السياسي والدبلوماسي

 

ويدعو شاهين إلى بناء إجماع دولي ملزم، يفرض قواعد جديدة على الدول المارقة، وفي مقدمتها إسرائيل، بما يكفل احترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها.

ويؤكد شاهين أن الاعترافات الدولية بفلسطين ليست نهاية المطاف، لكنها تمثل نقطة تحول حقيقية في ميزان القوى السياسي والدبلوماسي، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع إسرائيل، عنوانها المحاسبة الدولية وعزلة الاحتلال المتزايدة.

 

 الاعترافات لا علاقة لها بشرعية المستوطنات اللاشرعية أصلاً

 

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن الاعترافات الدولية المتتالية بالدولة الفلسطينية لا علاقة لها بشرعية المستوطنات اللا شرعية أصلا، فهي بطبيعتها غير قانونية وغير شرعية سواء تم الاعتراف بفلسطين أم لم يتم. 

ويوضح سمور أن جوهر المسألة يكمن في مدى استعداد الدول التي بادرت أو ستبادر بالاعتراف لاتخاذ خطوات عملية ضد الاستيطان، مشيراً إلى أن السؤال الأهم يتمثل في ما إذا كانت هذه الدول ستقاطع منتجات المستوطنات أو تفرض إجراءات عقابية على الحكومة الإسرائيلية والجهات الداعمة للاستيطان.

ويؤكد أن هذه النقطة تمثل الاختبار الحقيقي لجدية المواقف الأوروبية والدولية، إذ إن الاكتفاء بالاعتراف الرمزي من دون إجراءات عملية على الأرض قد يفقد الخطوة الكثير من قوتها. 

ويرى سمور أن التجارب السابقة تشير إلى أن بعض الدول قد تذهب نحو فرض قيود أو مقاطعة جزئية، لكن من غير المتوقع أن تقدم جميع الدول على خطوات متقدمة في هذا المسار.

وفي المقابل، يحذّر سمور من أن إسرائيل ستتعامل مع هذه الاعترافات بسياسة انتقامية، سواء على الصعيد السياسي أو عبر الميدان، مرجحاً أن يتجسد ذلك في تصعيد اعتداءات المستوطنين وهجماتهم على الفلسطينيين، كجزء من الرد على ما تعتبره استهدافاً لمشروعها الاستيطاني.

 

محاولة للعب دور مباشر في مسار إنهاء الحرب 

 

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات أن الاعترافات بالدولة الفلسطينية، خصوصاً من جانب قوى أوروبية كبرى مثل فرنسا وبريطانيا، جاءت في سياق مشروط وضمن محاولة هذه الدول لعب دور مباشر في مسار إنهاء الحرب الدائرة في غزة. 

وتوضح قديمات أن هذه الاعترافات لم تأتِ بمعزل عن التطورات الإقليمية والدولية، خاصة بعد الضربة التي طالت الدوحة وما تحمله من أسرار تتعلق بالمساعي الرامية لإيقاف الحرب، في ظل سعي دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى استغلال المعطيات الراهنة لبناء ما تسميه "إسرائيل الكبرى"، حتى ولو تجاوزت الإرادة الأمريكية لتحقيق هذه الغاية.

وتؤكد قديمات أن التعقيدات التي تحيط بمسار إنهاء الحرب في غزة، وما يرافقها من تضامن شعبي عالمي ودعم بعض القوى والقيادات الدولية للحقوق الفلسطينية، دفعت الأوروبيين للتحرك نحو إحياء مسار حل الدولتين في إطار الشرعية الدولية، وهو ما انعكس من خلال مبادرة بعض الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية. 

 

اعترافات مشروطة تتطلب اليقظة فلسطينياً

 

وتشدد قديمات على أن هذه الاعترافات تبقى مشروطة وتتطلب يقظة فلسطينية وموقفاً موحداً لالتقاط الفرصة واستثمارها بما يخدم القضية الفلسطينية ويؤدي إلى وقف الحرب.

وتبين قديمات أن الحديث عن إسقاط شرعية المستوطنات أو تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة بعد تلك الاعترافات ما يزال مبكراً، فذلك يتوقف على قدرة الفلسطينيين على التعامل مع هذه الاشتراطات وعلى حجم الجهود الدولية لإحياء عملية السلام، كما يرتبط أيضاً بالموقف الأمريكي والإجراءات التي قد تتخذها واشنطن في ضوء هذه الاعترافات للضغط باتجاه إنهاء الحرب.

وتشير قديمات إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا ترغب في إقامة دولة فلسطينية، بل تراها نقيضاً لمشروعها القائم، وهو ما يدفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى بذل كل ما بوسعها لتقويض أي فرصة لقيام هذه الدولة. 

وتعتبر قديمات أن هذا التوجه يتناقض مع طبيعة النظام الدولي وقيمه، مؤكدة أن أي طرف يسعى لعزل نفسه عن المجتمع الدولي سيجد نفسه مرفوضاً، حتى وإن تساوقت بعض الحكومات مع السياسات الإسرائيلية، إذ سرعان ما ستواجه برفض شعوبها وضغط الرأي العام العالمي.

 

الاعتراف لا يضيف شرعية جديدة وإنما يؤكد شرعية قائمة

 

يؤكد الكاتب والمستشار القانوني المحامي صلاح موسى أن الاعتراف بدولة فلسطين من قبل مجموعة من الدول هو "قرار كاشف وليس منشأ"، موضحًا أن هذا الاعتراف لا يضيف شرعية جديدة، وإنما يؤكد شرعية قائمة أصلًا استنادًا إلى القانون الدولي.

ويشدد على أن الاعترافات مهمة في النتائج المترتبة عليها، حيث أن الدول المعترفة ستكون ملزمة بتطبيق أحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وقرارات الشرعية الدولية.

ويوضح موسى أن شرعية المستوطنات الإسرائيلية غير موجودة منذ البداية، إذ إن القانون الدولي جرّم الاستيطان بشكل واضح، وأكد على عدم قانونيته، كما صدر في عشرات قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة.

ويوضح موسى أن القانون الدولي الإنساني، وبخاصة اتفاقيات جنيف الأربع، ينص على أن جميع الدول المتعاقدة السامية –وهي الدول الموقعة والمصدقة على هذه الاتفاقيات– ملزمة باتخاذ إجراءات ضد القوة القائمة بالاحتلال إذا لم تلتزم بتلك القواعد.

ويؤكد موسى أن أمام فلسطين فرصة مهمة لاستثمار هذه التطورات، وذلك عبر تقديم طلب رسمي لانعقاد مؤتمر للدول المتعاقدة السامية في جنيف، وهو المؤتمر الذي تدعو له دولة سويسرا .

ويوضح موسى أن مثل هذا المؤتمر من شأنه أن يعيد التأكيد على أن فلسطين دولة مستقلة واقعة تحت الاحتلال، ويُلزم الدول الموقعة باتخاذ خطوات عملية ضد إسرائيل.

ويشير موسى إلى أنه حتى في حال لم ينعقد المؤتمر، تستطيع فلسطين أن تتوجه بشكل منفرد إلى دول مثل فرنسا وبريطانيا وسواها، وتطالبها باتخاذ إجراءات عقابية بحق إسرائيل، وفقاً لالتزامات هذه الدول وفقاً لاتفاقيات جنيف وبروتوكلاتها الصادرة بموجبها، مستشهدًا بتجربة جنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، حيث نجحت العقوبات الدولية الفردية والجماعية في إجبار النظام العنصري على التراجع والانهيار.

وفيما يتعلق بردود الفعل الإسرائيلية المتوقعة على موجة الاعترافات، يوضح موسى أن إسرائيل ستلجأ إلى ثلاث مستويات من الإجراءات: استراتيجية، وتكتيكية ذات بعد استراتيجي، واجراءات تشغيلية تؤدي إلى انهيار السلطة.

 

مخاطر الضم الصريح لبعض مناطق الضفة

 

ويوضح موسى أن الخطوات الاستراتيجية قد تشمل ضمًا صريحًا لبعض مناطق الضفة الغربية، خاصة في المنطقة المصنفة "ج"، وذلك بدعم مباشر من الولايات المتحدة.

أما الخطوات التكتيكية ذات البعد الاستراتيجي، فتتمثل – بحسب موسى – في تطبيق "قانون التسوية" الخاص بشرعنة البؤر الاستيطانية، إضافة إلى اتخاذ إجراءات تدريجية لفرض السيادة الإسرائيلية على أراضٍ في الضفة.

وبخصوص الخطوات التشغيلية التي ستتخذها إسرائيل، يشير موسى إلى أنها تهدف إلى شل عمل السلطة الفلسطينية، ومن بين هذه الإجراءات: منع تحويل أموال المقاصة بشكل كامل، وممارسة الضغط على الجهاز المصرفي الفلسطيني، وسحب الامتيازات من الوزراء والمسؤولين كمنعهم من التنقل بين المحافظات وعدم الاعتراف بجوازاتهم الدبلوماسية وتقييد حركتهم بين الضفة والخارج، كما تشمل أيضاً خطوات تتعلق برموز السيادة مثل سحب الاعتراف بجواز السفر الفلسطيني وتقييد تنقل المواطنين إلى خارج الوطن.

ويرى أن هذه السياسات ستؤدي إلى إنهاك مؤسسات السلطة الفلسطينية وفرض واقع جديد تدريجيًا على الأرض، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل باستغلال الظروف السياسية لتعزيز مشروعها الاستيطاني والتهويدي.

من جانب آخر، يعتبر موسى أن الاجتماع الذي عُقد مؤخرًا برئاسة نائب الرئيس حسين الشيخ ورئيس الوزراء د. محمد مصطفى وقيادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، قد يكون جاء في ضوء تسريبات وصلت للجانب الفلسطيني حول الخطوات الإسرائيلية المتوقعة. 

 

إسرائيل تحضر لردود واسعة على الاعترافات

 

ويؤكد موسى أن هناك إدراكًا فلسطينيًا بأن إسرائيل تحضر لردود واسعة على موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين.

وعن الموقف الفلسطيني، يوضح موسى أن السلطة حصلت على وعود من الاتحاد الأوروبي، وفرنسا، وبريطانيا، وبعض الدول الأوروبية الأخرى، بالتدخل والتصدي لأي خطوات إسرائيلية أحادية الجانب، ولذلك، طُلب من السلطة الفلسطينية التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، وعدم اتخاذ ردود فعل قد تمنح إسرائيل الذريعة لاستغلال الموقف لصالحها.

ويؤكد موسى أن الساحة مفتوحة أمام الفلسطينيين لاتخاذ خطوات قانونية وسياسية مهمة، شريطة أن يتحركوا بفعالية لاستثمار الاعترافات الدولية الأخيرة، وفي المقابل، فإن إسرائيل ستعمل على استخدام كامل أدواتها لإفشال هذه التحركات، عبر فرض وقائع جديدة على الأرض، الأمر الذي سيضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بالقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.

دلالات

شارك برأيك

الاعترافات الدولية.. تعزيز المكانتين القانونية والسياسية لبسط سيادة الدولة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.