أقلام وأراء

الخميس 18 سبتمبر 2025 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

الترحيل المستحيل

بن معمر الحاج عيسى

لم تعد تل أبيب قادرة على إنكار حقيقة أن المخططات التي وضعتها حكومتها منذ الأشهر الأولى للحرب لترحيل جماعي لأهل غزة نحو الجنوب ومن ثم دفعهم إلى خارج القطاع قد اصطدمت بجدار صلب من الرفض الإقليمي والدولي والإنساني، فقد اعترفت جهات إسرائيلية رسمية بأن ما رُوّج له باعتباره حلًا استراتيجيًا للصراع قد فشل حتى في أبسط تفاصيله، إذ لم تعثر إسرائيل على دولة واحدة تقبل استيعاب الفلسطينيين سواء بصفة لاجئين أو كمقيمين دائمين، وحتى حين برزت حالات فردية من الفلسطينيين الذين أبدوا استعدادًا للهجرة لم ينجح الاحتلال في إيجاد ملاذ لهم، ليكشف ذلك حجم العزلة السياسية التي تعيشها إسرائيل وعمق المأزق الذي وضعت نفسها فيه. ورغم هذا الفشل الصريح فإن العقل السياسي والأمني في تل أبيب ما زال يفتش عن مخرج، والخيارات المطروحة أمامه كلها مليئة بالتناقضات والمخاطر، فالخطوة الأولى التي تنوي الحكومة الإسرائيلية الإقدام عليها هي محاولة الاستعانة بغطاء أميركي أكبر يتيح لها ممارسة ضغط مباشر على دول إفريقية أو أوروبية أو حتى بعض دول أميركا اللاتينية لاستيعاب أعداد من الفلسطينيين تحت مسمى برامج إعادة توطين طوعي أو مساعدات إنسانية مشروطة. غير أن هذا الاحتمال يواجه عقبة واقعية واضحة هي أن أي دولة تقبل بهذا الدور ستجد نفسها في مواجهة غضب شعبي داخلي واتهام بأنها شريك في مشروع تهجير قسري يرقى إلى مستوى الجريمة الدولية، وهو ما يجعل هذه الفرضية ضعيفة الحظوظ حتى وإن أغدقت واشنطن وتل أبيب أموالًا طائلة.
 أما السيناريو الثاني الذي تدرسه إسرائيل فهو تكثيف سياسة الدفع الداخلي نحو الجنوب عبر توسيع المنطقة العازلة واعتبار مناطق واسعة من الشمال والوسط «مناطق عسكرية مغلقة» لا تصلح للعيش، ما يدفع السكان قسرًا إلى التكدس في رقعة جغرافية صغيرة أشبه بمعسكرات مكتظة، وهنا تراهن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على أن الاختناق المعيشي والضغط النفسي قد يدفع بمرور الوقت أعدادًا أكبر إلى البحث عن الخروج حتى ولو كان عبر طرق غير شرعية، غير أن هذا المسار بدوره محفوف بانفجار إنساني يمكن أن ينقلب سياسيًا وإعلاميًا على إسرائيل نفسها. فالمجتمع الدولي لم يعد يتسامح مع صور المجاعة والأوبئة وانعدام الدواء والماء، وأي تفاقم إنساني سيترجم بسرعة إلى موجة ضغوط دبلوماسية ومحاكمات رمزية أو فعلية ضد قادة إسرائيل. بينما السيناريو الثالث الأكثر سوداوية يتمثل في فشل كل المخططات، أي بقاء غزة محاصرة مدمرة دون قدرة الاحتلال على فرض أي واقع جديد سوى استمرار الحرب والنزوح الداخلي، وهذا يضع إسرائيل أمام مأزق استراتيجي أكبر من مجرد إخفاق تكتيكي، إذ ستجد نفسها أمام كيان فلسطيني مثخن بالجراح لكنه ثابت في أرضه، الأمر الذي يضرب في العمق فكرة «الهندسة الديمغرافية» التي حلم بها قادة اليمين المتطرف، ويحوّل القطاع إلى رمز مقاومة صلب يزيد من عزلة إسرائيل الدولية ويعمّق الشرخ داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه بين تيار يرى في الترحيل حلاً وجوديًا وتيار آخر بدأ يتراجع تحت ضغط الواقع ويدرك أن الحرب طالت أكثر مما يحتمل الاقتصاد والجيش.
  وبين هذه السيناريوهات جميعًا لا يملك نتنياهو وفريقه سوى المراوغة والهروب إلى الأمام عبر شعارات عن «النصر النهائي» و«الفرصة التاريخية»، لكن الحقيقة أن الترحيل الذي أرادوه حلًا نهائيًا يتحول إلى عبء سياسي وأمني وأخلاقي يلاحقهم في كل محفل دولي، وأن غزة التي أرادوها أرضًا فارغة لم تعد مجرد جغرافيا محاصرة بل صارت عنوانًا لصمود يربك حساباتهم ويفضح عجزهم عن فرض مشروع استئصال شعب بأكمله. وهكذا يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات كلها مرة: إما استنزاف طويل بلا مخرج، أو ضغط دولي يفرض وقفًا قسريًا للحرب، أو انفجار داخلي إسرائيلي يطيح بالحكومة ويترك وراءه اعترافًا ضمنيًا بأن الترحيل كان مجرد وهم سياسي لم يولد إلا ليموت.

دلالات

شارك برأيك

الترحيل المستحيل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.