كاظم أبو خلف: الإعلان كان متوقعاً منذ فترة طويلة بعدما تجاوز الغزيون فعلياً ثلاث عتبات أساسية حدّدها التصنيف المرحلي للأمن الغذائي
عصام بكر: الإعلان الأممي يجب ألا يظل في حدود البيانات الترحيبية بل أن يشكل رافعة لمواقف عملية دولية جديدة ضد جرائم الاحتلال
د. عمر رحال: الإعلان لا يُقرأ فقط كتوصيف مأساوي بل كجرس إنذار يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية عاجلة للتحرك عبر إجراءات استثنائية
د. رائد أبو بدوية: تحويل الإعلان لمنصة عمل يتطلب شجاعة سياسية ليكون رافعة حماية لغزة بدلًا من تسجيله كوثيقة في أرشيف المآسي الإنسانية
د. جمال حرفوش: هذا الإعلان يفرض على مجلس الأمن مناقشة خيارات عاجلة تحت الفصل السابع قد تصل إلى وقف نار ملزم وفتح ممرات إنسانية محمية
د. حسين الديك: الإعلان يفتح الباب أمام تبعات دولية قانونية مهمة ومرجعية أمام المحكمة الجنائية الدولية بما يسمح بملاحقة المسؤولين الإسرائيليين
د. عمرو حسين: الإعلان اعتراف أممي بأن ما يجري في غزة جريمة ممنهجة ترتقي إلى جريمة إبادة جماعية وفق القانون الدولي
بعد طول انتظار، أخيراً، أعلنت الأمم المتحدة رسميًا دخول قطاع غزة في مرحلة المجاعة، وهو توصيف خطير يعبّر عن انهيار شامل لمقومات الحياة الأساسية في القطاع المحاصر بالتزامن مع حرب الإبادة المتواصلة منذ نحو عامين.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات ومسؤولون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن الإعلان جاء بعد أن تجاوز أهالي قطاع غزة مستويات متقدمة من انعدام الأمن الغذائي، حيث سُجلت وفيات فعلية بسبب الجوع وسوء التغذية، في مشهد يؤكد أن الوضع الإنساني بلغ أقصى درجات الخطورة.
ويشيرون إلى أن المعطيات الميدانية تكشف حجم الكارثة: ضحايا بينهم أطفال جراء سوء التغذية، وعمل محدود لعدد قليل من المستشفيات، وتدمير شبه كامل للبنية التحتية الزراعية والصحية، فيما تقلص إدخال المساعدات بشكل كبير من أكثر من 600 شاحنة يوميًا قبل الحرب إلى بضع عشرات فقط، حيث أن هذه الأرقام تؤكد أن الأزمة لم تعد قابلة للاحتواء بالجهود التقليدية، بل باتت جريمة ممنهجة تندرج في إطار استخدام التجويع كسلاح حرب، وفق القانون الدولي.
ويؤكدون أن هذا التطور يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات جسيمة، إذ لم يعد كافيًا الاكتفاء ببيانات الإدانة أو التعبير عن القلق، بل يتطلب خطوات عملية تضمن فتح ممرات إنسانية آمنة ومحاسبة المسؤولين عن هذه السياسات.
ويبقى التحدي المطروح اليوم وفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات: هل سيترجم الإعلان الأممي إلى إجراءات عاجلة لحماية المدنيين في غزة، أم سيظل وثيقة جديدة تضاف إلى أرشيف الأزمات الإنسانية دون أثر فعلي على الأرض؟
نتيجة طبيعية لوضع كارثي طال انتظاره
يرى الناطق الرسمي باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" كاظم أبو خلف أن إعلان الأمم المتحدة دخول غزة في مرحلة المجاعة كان متوقعاً منذ فترة طويلة، مؤكداً أن الغزيين تجاوزوا فعلياً ثلاث عتبات أساسية حدّدها التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، ما يجعل هذا الإعلان "نتيجة طبيعية لوضع كارثي طال انتظاره".
ويوضح أبو خلف أن الأمم المتحدة تأخرت في إصدار هذا الإعلان رغم وجود مؤشرات مبكرة، لكن هذا التأخير أضفى على التقرير "مصداقية لا يمكن الطعن بها"، نافياً ادعاءات إسرائيل بأن الحديث عن المجاعة مجرد "اتهامات سياسية".
ويقول أبو خلف: "الغزيون تجاوزوا أولاً عتبة الحرمان من الغذاء، ثم عتبة سوء التغذية الحاد التي وصلت إلى آلاف الإصابات بينها وفيات مؤكدة، وأخيراً العتبة الثالثة وهي الوفاة الفعلية بسبب الجوع وسوء التغذية".
ويشير أبو خلف إلى أن وزارة الصحة الفلسطينية سجلت حتى الآن 281 حالة وفاة بسبب سوء التغذية، بينهم 114 طفلاً، وهو مؤشر واضح على أن المجاعة لم تعد احتمالاً بل واقعاً قائماً.
ويؤكد أبو خلف أن غزة تشهد للمرة الأولى في الشرق الأوسط توثيقاً أممياً للمجاعة، مشدداً على أن الأزمة "من صنع الإنسان وليست كارثة طبيعية".
ويوضح أبو خلف أن إدخال المساعدات جرى تقليصه عمداً، إذ كان يدخل نحو 600 شاحنة يومياً قبل الحرب، بينما تراجع الرقم في هذه الفترة إلى أقل من 40 شاحنة في بعض الأيام وحتى ذلك بعد ضغوط دولية كبيرة.
ويقول أبو خلف: "منذ الثاني من آذار/مارس 2025 وحتى السابع من تموز/يوليو 2025، لم يدخل إلى غزة وقود على الإطلاق، ما أثر على المستشفيات ومحطات المياه والتحلية وحركة سيارات الإسعاف والدفاع المدني، وكافة مناحي الحياة".
ويشير أبو خلف إلى أن 18 مستشفى فقط تعمل بشكل جزئي من أصل 36، بينما انهارت معظم شبكات الصرف الصحي والبنية التحتية، وأصبحت الأسواق شبه فارغة من البضائع، كما أن 98% من الأراضي الزراعية لم تعد صالحة أو لا يمكن الوصول إليها، فيما يحتاج نحو 15 ألف مريض لإخلاءات طبية عاجلة بحسب منظمة الصحة العالمية.
ويلفت أبو خلف إلى أن الحصار أدى أيضاً إلى استهداف من يحاولون الحصول على المساعدات، حيث قُتل أكثر من 2000 فلسطيني وجُرح نحو 14 ألفاً أثناء محاولتهم الوصول إلى شحنات الإغاثة.
ويوضح أن غياب الأمن دفع العشائر المحلية لمحاولة تأمين وصول المساعدات بعد استهداف الشرطة الفلسطينية التي كانت تتولى حمايتها.
وبالأرقام، يوضح أبو خلف أنه خلال الفترة ما بين 19 أيار/مايو و17 آب/أغسطس (92 يوماً)، دخل إلى غزة 3505 شاحنات مساعدات فقط، بمعدل 38 شاحنة يومياً، في حين كان من المفترض أن يبلغ العدد نحو 55,200 شاحنة لو استمر التدفق الطبيعي كما قبل الحرب.
ويقول أبو خلف: "بهذه المعطيات، لم يكن أمام الأمم المتحدة إلا إعلان المجاعة رسمياً".
الأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور
ويحذّر أبو خلف من أن الأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور، إذ يتوقع التقرير الأممي أن يواجه 640 ألف شخص المرحلة الخامسة من المجاعة حتى نهاية أيلول/سبتمبر المقبل، إضافة إلى مليون آخرين في المرحلة الرابعة وقرابة 400 ألف في المرحلة الثالثة.
ويشير أبو خلف إلى أن الوضع قد يمتد من شمال القطاع ليشمل محافظتي خان يونس ودير البلح في الأسابيع المقبلة.
ويؤكد أبو خلف أن هذه المعطيات دفعت عدداً من الدول لاستخدام التقارير الأممية كأدلة في ملفات تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب باستخدام التجويع كسلاح.
ويقول أبو خلف: "المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، وأمريكا على وجه الخصوص مطالبة بأن تختار: إما الانحياز إلى وقف هذه المقتلة، أو البقاء مع المقتلة".
دلالات بالغة الخطورة
يرى المنسق الإعلامي لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عصام بكر أن إعلان الأمم المتحدة لقطاع غزة منطقة مجاعة يحمل دلالات بالغة الخطورة، سواء من حيث التوقيت أو المضمون، إذ يؤكد على "الاستخدام الممنهج للاحتلال الإسرائيلي للغذاء والتجويع كسلاح إبادة ضد الشعب الفلسطيني".
ويوضح بكر أن هذا الإعلان يكشف حجم "السقوط السياسي والأخلاقي لدولة الاحتلال"، التي باتت تشكل تهديداً مباشراً للحياة الإنسانية بأبسط أشكالها، في ظل استمرار القصف الدموي وتصاعد الخطط المعلنة لإعادة احتلال القطاع. ويشير بكر إلى أن استمرار هذه السياسات أفضى إلى مزيد من الضحايا يومياً، وفاقم الوضع الكارثي ليهدد بانهيار مقومات الحياة كاملة، ضمن ما اعتبره "مخططاً معداً مسبقاً لتنفيذ التهجير القسري".
ويبيّن بكر أن المعطيات الميدانية تشير إلى وجود أكثر من 500 ألف مواطن في خطر محدق جراء انعدام مقومات الغذاء وصعوبة الوصول إليه، فيما يواجه ما يقارب المليون مواطن خطر الموت جوعاً مع نهاية الشهر المقبل إذا استمر الحصار ومنع إدخال المساعدات.
ويلفت بكر إلى أن سياسات الاحتلال تهدف إلى خلق "معازل داخل القطاع شبيهة بالسجون، شمالاً وجنوباً، يُزج فيها عشرات الآلاف"، ما يكرس استراتيجية التجويع والعقاب الجماعي.
ويؤكد بكر أن هذا الإعلان الأممي لم يأتِ مفاجئاً، إذ سبق أن حذرت شبكة المنظمات الأهلية قبل عدة أشهر من كارثة إنسانية وشيكة، ودعت حينها إلى وقف العمل بما يسمى "منظمة غزة الإنسانية" التي وصفها بـ"المصيدة لحصد أرواح الجائعين والمرضى المنتظرين للخدمات"، معتبراً أن ذلك يشكل انتهاكاً واضحاً للقوانين والقرارات الدولية.
وبحسب بكر، فإن الإعلان الأممي يجب ألا يظل في حدود البيانات الترحيبية، بل أن يشكل رافعة لمواقف عملية دولية جديدة ضد جرائم الاحتلال.
مطلوب تدابير أممية عاجلة
ويطالب بكر الأمم المتحدة ومؤسساتها باتخاذ تدابير عاجلة، تتضمن الضغط على دولة الاحتلال لإدخال المساعدات عبر ممرات آمنة تحت إشراف دولي، إلى جانب تفعيل أدوات القانون الدولي لمحاسبتها على جرائم الإبادة واستخدام التجويع كسلاح.
ويدعو بكر إلى تحريك القضاء المحلي في الدول التي تؤمن بالعدالة الإنسانية لتفعيل مساءلة الاحتلال.
ويوجه بكر مناشدة للأمين العام للأمم المتحدة لإعلان غزة "منطقة كارثة إنسانية"، بما يتماشى مع مبادئ الأمم المتحدة، داعياً في السياق ذاته إلى تعليق عضوية "إسرائيل" في المؤسسات الدولية، باعتبارها "خطرًا على الأمن والسلم الدوليين"، ومطالبة الدول بوقف العلاقات معها وطردها من هذه المؤسسات.
لحظة فاصلة في مسار القضية الفلسطينية
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ومدير مركز شمس لحقوق الإنسان د. عمر رحال أن الإعلان الرسمي الصادر عن الأمم المتحدة بشأن وقوع مجاعة في قطاع غزة يشكل لحظة فاصلة في مسار القضية الفلسطينية، ليس فقط من حيث الاعتراف بالبعد الإنساني الكارثي، وإنما لكونه يرتبط مباشرة بالمعايير الدولية للتصنيف المرحلي للأمن الغذائي، وما يترتب عليه من التزامات قانونية وأخلاقية على الدول الأطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويوضح رحال أن هذا الإعلان يجعل المجتمع الدولي أمام التزام قانوني مضاعف بالتحرك، باعتبار أن الحق في الغذاء جزء أساسي لا يتجزأ من حقوق الإنسان، كما أنه يفتح المجال أمام تفعيل المادة (99) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تمنح الأمين العام صلاحية إحالة الأمر إلى مجلس الأمن بوصفه تهديدًا للأمن والسلم الدوليين.
دليل موثق يمكن استخدامه أمام المحاكم الدولية
ويرى رحال أن الإعلان يمثل دليلاً موثقًا يمكن استخدامه أمام المحاكم الدولية لملاحقة من يفرض الحصار أو يستخدم التجويع كسلاح حرب، وهو ما يُصنَّف جريمة حرب وفق المادة (8) الفقرة (25) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويشير إلى أن التداعيات لا تقتصر على الساحة الأممية، بل قد تمتد إلى العلاقات الثنائية والإقليمية مع دولة الاحتلال، إذ يمكن أن تدفع بعض الدول إلى إعادة النظر في اتفاقياتها العسكرية أو الاقتصادية مع إسرائيل خشية التورط في دعم طرف متهم باستخدام التجويع كسلاح حرب.
ويرى رحال أن الإعلان يشكل فرصة إضافية أمام الحركات التضامنية العالمية ومنظمات المجتمع المدني، خاصة في أوروبا، لتكثيف حملات المقاطعة والمساءلة، الأمر الذي قد يزيد عزلة إسرائيل دوليًا ويفتح المجال أمام حراك دبلوماسي لفرض ممرات إنسانية أو حماية وصول المساعدات.
ويبيّن رحال أن إعلان المجاعة لا يقرأ فقط كتوصيف مأساوي، بل كجرس إنذار يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية عاجلة للتحرك عبر إجراءات استثنائية، سواء من خلال الاستجابة الإنسانية الطارئة أو عبر تحريك أجهزة الأمم المتحدة السياسية والحقوقية.
ويؤكد رحال أن الأهمية الحقوقية للإعلان تكمن في أنه يحوّل "الجوع" من حالة إنسانية إلى انتهاك جسيم لحقوق الإنسان، ويوفر للمنظمات الحقوقية أداة قوية للتوثيق والمناصرة، بما يمكنها من رفع دعاوى أمام المحاكم الوطنية في الدول التي تطبق الولاية القضائية العالمية ضد المسؤولين الإسرائيليين عن سياسة التجويع.
ويشدد رحال على أن الإعلان الأممي يضع وكالات الأمم المتحدة، مثل برنامج الأغذية العالمي واليونيسيف والأوتشا، أمام مسؤولية مضاعفة لتوسيع نطاق التدخل وعدم الاكتفاء بالمساعدات المحدودة، كما يسهم في تنشيط دور المقررين الخاصين للأمم المتحدة، مثل المقرر الخاص بالحق في الغذاء أو الصحة أو الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتقديم تقارير عاجلة لمجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة.
ويؤكد رحال أن الإعلان يجب أن يقابله تحرك أممي أوسع عبر خطة طوارئ وتعبئة موارد إضافية، علاوة على مناقشات عاجلة في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، خاصة إذا استند الأمين العام إلى المادة (99) من الميثاق، كما أنه يشكل أداة ضغط مباشرة على إسرائيل للسماح بدخول المساعدات، وقد يفضي إلى إنشاء آلية دولية مستقلة لتوزيعها.
وبحسب رحال، فإن الإعلان يفتح الباب أمام المساءلة الجنائية الدولية، باعتبار أن استخدام التجويع كسلاح حرب جريمة حرب مكتملة الأركان.
ويشدد رحال على أن العالم اليوم أمام اختبار جاد: فإما أن يُترجم الإعلان الأممي إلى إجراءات عملية وملموسة لحماية المدنيين في غزة، أو أن يبقى مجرد وثيقة لا قيمة لها عمليا، ما يعكس عجز المنظومة الدولية عن حماية أبسط حقوق الإنسان.
اعتراف دولي بانهيار شامل لمقومات الحياة الأساسية
يؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن إعلان الأمم المتحدة الرسمي عن وقوع المجاعة في قطاع غزة لا يعد توصيفًا إنسانيًا عابرًا، بل يمثل اعترافًا دوليًا بانهيار شامل لمقومات الحياة الأساسية نتيجة لسياسات إسرائيلية متعمدة، في مقدمتها الحصار والتجويع كسلاح حرب.
ويوضح أبو بدوية أن الإعلان الأممي يتجاوز مجرد الإشارة إلى نقص الغذاء أو المساعدات، فهو يقرّ بانهيار كامل للبنية الحياتية من غذاء ودواء ومياه ورعاية صحية.
ويبيّن أبو بدوية أن ما يجري ليس نتيجة ظرف طبيعي أو حرب عابرة، وإنما ثمرة لسياسات ممنهجة استهدفت أكثر من مليوني إنسان في القطاع، ما يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع مسؤولية استخدام التجويع كأداة إبادة.
ويشير أبو بدوية إلى أن خطورة الخطوة تكمن في دلالاتها السياسية والقانونية، إذ إنها تنقل الأزمة من مجرد مأساة إنسانية إلى ملف مساءلة دولية، ما يعزز الرواية الفلسطينية بأن إسرائيل تدير حرب إبادة بطيئة ضد غزة، مقابل الرواية الإسرائيلية التي تحاول اختزال ما يحدث في ذرائع أمنية أو عمليات عسكرية. وبحسب أبو بدوية، فإن الإعلان يشكّل أساسًا قانونيًا وسياسيًا وأخلاقيًا للتحرك الدولي، ويؤكد أن ما يحدث يرتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي يلزم المجتمع الدولي بالتحرك الفعلي، لا الاكتفاء بالإدانة.
ويلفت أبو بدوية إلى أن التحدي الأكبر يكمن في مآلات هذا الإعلان، حيث يُتوقع أن يظل مجلس الأمن مشلولًا بفعل الفيتو الأمريكي، أو يكتفي بقرارات باهتة.
ويشدد أبو بدوية على ضرورة إطلاق حراك دبلوماسي شامل متعدد المستويات، يشمل الجمعية العامة للأمم المتحدة لتفعيل مبدأ الحماية والتدخل الجماعي، ودفع الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز بيانات القلق نحو إجراءات ملموسة مثل وقف التعاون مع الاحتلال أو فرض عقوبات، إضافة إلى تفعيل الدور العربي والإسلامي عبر خطوات سياسية وإغاثية عملية.
ويشير أبو بدوية إلى بُعد إضافي بالغ الأهمية، وهو تلويح بعض الدول الإقليمية بكسر الحصار بالقوة لإدخال المساعدات.
ويعتبر أبو بدوية أن هذا الخيار، رغم جرأته، ينسجم مع مبدأ التدخل الإنساني في حالات الجرائم الدولية وجرائم الإبادة، ويبعث رسالة واضحة بأن ترك المدنيين يموتون جوعًا لم يعد مقبولًا.
ويؤكد أبو بدوية أن الإعلان الأممي عن المجاعة يوفر أساسًا قانونيًا وسياسيًا وأخلاقيًا يحصّن مثل هذه الإجراءات ويجعلها التزامًا دوليًا.
ويعتقد أبو بدوية أن تحويل إعلان المجاعة من خطوة رمزية إلى منصة عمل يتطلب شجاعة سياسية فلسطينية وعربية ودولية، واستثمار كل أوراق الضغط الممكنة، بما في ذلك الدبلوماسية متعددة المسارات والاستعداد العملي لفرض إدخال المساعدات، لضمان أن يكون الإعلان رافعة لحماية غزة بدلًا من أن يُسجل كوثيقة جديدة في أرشيف المآسي الإنسانية.
"تكييف فني-قانوني دقيق"
يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، البروفسور د. جمال حرفوش، أن إعلان الأمم المتحدة رسميًا عن وقوع المجاعة في قطاع غزة ليس مجرد توصيف إعلامي أو بيان إنشائي، بل هو "تكييف فني-قانوني دقيق" يثبت، وفق معايير دولية متعارف عليها، أن القطاع بلغ مرحلة الانهيار الإنساني القصوى.
ويوضح حرفوش أن مصطلح "Famine" في أدبيات الأمن الغذائي يوازي المرحلة الخامسة (IPC Phase 5) وهي الأعلى في تصنيف الأزمات الغذائية، ولا يُعلن عنها إلا بتوافر ثلاث عتبات متزامنة: أولها أن تعاني نسبة معتبرة من الأسر عجزًا غذائيًا حادًا لا يمكن تجاوزه بالموارد الذاتية، وثانيها ارتفاع معدلات الهزال الحاد بين الأطفال بشكل استثنائي، وثالثها وصول معدل الوفيات المرتبطة بالجوع ومضاعفاته إلى مستويات حرجة يوميًا.
ويشير حرفوش إلى أن هذا الإعلان يحمل أربع دلالات أساسية، أولها دلالة إثباتية/قانونية، إذ يُحوِّل الوضع من دائرة الجدل إلى واقعة قانونية مثبتة تُسقِط أي محاولة للإنكار، فالتجويع في النزاعات المسلحة محظور تمامًا في القانون الدولي الإنساني، ويُعد استخدامه كأداة حرب جريمة حرب بنصوص واضحة، ما يعزز أسس المساءلة الجنائية الفردية والدولية.
أما الدلالة الثانية وفق حرفوش، فهي مؤسسية/أممية، حيث يُفعّل الإعلان آليات التحرك داخل المنظومة الأممية، ويُلزم الأمين العام بتقديم إحاطات مستندة إلى وقائع لمجلس الأمن، بما يتيح إمكانية اللجوء إلى تدابير متدرجة قد تشمل فرض وقف فوري للأعمال القتالية لأغراض إنسانية، وإنشاء آليات مراقبة، وصولاً إلى فرض جزاءات على من يعرقل وصول المساعدات عمدًا.
وفي البُعد الثالث، يوضح حرفوش أن الإعلان يكتسب دلالة عملياتية/إنسانية، إذ يفتح الباب أمام تفويض عاجل لوكالات الإغاثة بإنشاء ممرات آمنة برية وبحرية وجوية، وتوسيع برامج العلاج التغذوي للأطفال، وضمان وصول المياه والصرف الصحي، وتأمين حركة العاملين الإنسانيين بعيدًا عن أي عوائق مفرطة.
أما الدلالة الرابعة بحسب حرفوش، فهي حقوقية/سياساتية، حيث يعيد الإعلان التأكيد على أن "الحق في الغذاء الكافي" هو حق أساسي لا يمكن التذرع بالظروف لتقويضه، ويُلزم الدول الثالثة بعدم الإسهام في الانتهاكات، بما في ذلك ضبط صادرات السلاح عند وجود خطر جدي لاستخدامه في أفعال محظورة، كما يُستنهَض مبدأ الاختصاص الجنائي العالمي لملاحقة المتورطين في جرائم التجويع، حتى عند تعثر المسارات المحلية.
ويؤكد حرفوش أن هذا الإعلان يفرض على مجلس الأمن مناقشة خيارات عاجلة تحت الفصل السابع، قد تصل إلى وقف إطلاق نار ملزم وفتح ممرات إنسانية محمية، إلى جانب فرض جزاءات محددة على الأطراف المعرقلة للإغاثة، كما أنه يضع حماية المنشآت الحيوية – من مستشفيات ومخابز وشبكات مياه وكهرباء – ضمن قائمة أعيان محمية بصفة مُغلّظة يمنع استهدافها أو تعطيلها.
المساءلة أصبحت ضرورة حتمية
ويلفت حرفوش إلى أن المساءلة أصبحت ضرورة حتمية، سواء عبر المسار الجنائي الدولي بدعم التحقيقات وتوثيق معدلات الوفيات والهزال كأدلة ظرفية، أو عبر الاختصاص العالمي لدول يمكنها رفع دعاوى ضد المتورطين في جرائم الحرب.
ويؤكد حرفوش أن الإعلان الأممي هو "جرس إنذار قانوني مُلزِم"، يثبت وقوع المجاعة بمعناها الفني، ويُحرِّك منظومة الالتزامات الدولية، ويفتح مسارات جدية للمساءلة والحماية.
ويشير حرفوش إلى أن "سلامة الناس هي القانون الأعلى، وأن الوفاء بالالتزامات الدولية لم يعد خيارًا سياسيًا بل واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا".
جريمة حرب مكتملة الأركان
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية د. حسين الديك أن الإعلان الرسمي الصادر عن الأمم المتحدة ووكالاتها بشأن تحوّل المجاعة في قطاع غزة إلى "وباء حقيقي" يمثل نقطة تحول خطيرة في توصيف الوضع الإنساني، وينقل الأزمة من مجرد نقص في المواد الغذائية إلى مرحلة تصنف وفق معايير دولية على أنها "جريمة حرب مكتملة الأركان".
ويوضح الديك أن هذا التحول جاء استناداً إلى معايير دقيقة لدى مؤسسات الأمم المتحدة، من بينها تسجيل عدد وفيات يومية بسبب الجوع وسوء التغذية.
ويبيّن الديك أن هذه المؤشرات تعني أن الأمم المتحدة لم تعد ترى الأزمة مجرد "كارثة إنسانية"، بل "مجاعة وبائية" تستوفي شروط الإعلان الرسمي عن وقوع جريمة تجويع متعمدة، وهو ما يضع الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة مباشرة مع المنظمة الدولية وليس مع الفلسطينيين فقط.
تبعات دولية قانونية مهمة
ويؤكد الديك أن هذا الإعلان يفتح الباب أمام تبعات دولية قانونية مهمة، أبرزها إمكانية استخدامه كمرجعية أمام المحكمة الجنائية الدولية، بما يسمح بملاحقة المسؤولين الإسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ما يعني أن نتنياهو وأركان حكومته قد يجدون أنفسهم في قفص الاتهام أمام العدالة الدولية عاجلاً أم آجلاً.
ويشير الديك إلى أن التقرير الأممي حمّل المجتمع الدولي، وخاصة الدول الأعضاء في مجلس الأمن، مسؤولية مباشرة عن تفاقم الكارثة، نتيجة تقاعسها عن إدخال المساعدات الإنسانية المتكدسة على حدود غزة.
ويعتبر الديك أن الولايات المتحدة وبريطانيا على وجه الخصوص متهمتان بعرقلة إدخال المساعدات، من خلال توفير الغطاء السياسي للاحتلال وتعطيل أي قرارات ملزمة في مجلس الأمن.
ويلفت الديك إلى أن هذا التقاعس يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة، الذي يحمّل مجلس الأمن واجب حفظ السلم والأمن الدوليين وحماية المدنيين، مؤكداً أن استمرار التجويع يعد دليلاً دامغاً على التواطؤ الدولي.
ويقول الديك: "هذا التقرير الأممي الذي اعلنت فيه المجاعة رسمياً في قطاع غزة، يمثل شهادة جديدة ودامغة على أن المجتمع الدولي شريك في هذه الجريمة، إما بالصمت أو بالتخاذل".
وفيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة، يشدّد الديك على ضرورة تفعيل قرار محكمة العدل الدولية الصادر سابقاً، والذي نص على اتخاذ تدابير عاجلة بينها وقف القتل والسماح بدخول المساعدات.
ويؤكد الديك أن قرار المحكمة تم تجاهله لأكثر من عام بسبب الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل، مشيراً إلى أن البديل يكمن في تفعيل آلية "الاتحاد من أجل السلام" داخل الأمم المتحدة، والتي استخدمت سابقاً في خمسينيات القرن الماضي، وتسمح للجمعية العامة باتخاذ قرارات ملزمة في حال عجز مجلس الأمن.
ويرى الديك أن هذا الخيار، في حال اعتماده، قد يجبر إسرائيل على فتح المعابر وإدخال المساعدات الغذائية والدوائية، لكنه يتطلب إرادة سياسية دولية قوية، خاصة من القوى الكبرى.
استمرار التعنت الإسرائيلي
ويوضح الديك أن حكومة نتنياهو سارعت لرفض إعلان المجاعة ووصْفه بـ"المعاداة للسامية"، في مؤشر على استمرار التعنت الإسرائيلي، أما الولايات المتحدة، فقد جدّدت دعمها المطلق لإسرائيل، بينما اكتفى الموقف الأوروبي بتصريحات ضعيفة عاجزة عن إحداث أي تغيير عملي، أما الموقفان الروسي والصيني فبقيا في إطار الدعم الرمزي دون خطوات فعلية ضاغطة على الاحتلال.
ويشدد الديك على أن استمرار هذا الواقع يعني أن المأساة في غزة ستتواصل، في ظل غياب إجراءات عملية تفرض على إسرائيل إدخال المساعدات الإنسانية، مما ينذر بمزيد من الضحايا، واستمرار الكارثة الإنسانية التي تحولت إلى "وباء مجاعة"، في واحدة من أخطر الجرائم التي يشهدها العالم المعاصر.
أبعاد سياسية وقانونية عميقة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المصري والباحث في العلاقات الدولية والاستراتيجيات د. عمرو حسين أن الإعلان الرسمي الصادر عن الأمم المتحدة بشأن وقوع مجاعة في قطاع غزة يحمل دلالات خطيرة تتجاوز البعد الإنساني إلى أبعاد سياسية وقانونية عميقة، إذ يمثل "إدانة موثقة للاحتلال الإسرائيلي وسياساته القائمة على تجويع المدنيين واستخدام الحصار كسلاح حرب".
ويوضح حسين أن الإعلان لم يأتِ بشكل عابر، بل يعدّ بمثابة اعتراف أممي بأن ما يجري في غزة هو جريمة ممنهجة، ترتقي إلى جريمة إبادة جماعية وفق القانون الدولي.
ويشير حسين إلى أن هذا التطور ينقل الأزمة من إطار "الأوضاع الإنسانية الصعبة" إلى مرحلة "الكارثة الإنسانية المعلنة دولياً"، ما يجعل المجتمع الدولي أمام مسؤولية مضاعفة، ويفرض عليه التحرك الفعلي لوقف الجريمة المستمرة.
ويشدد حسين على أن الإعلان الأممي يجب أن يترجم إلى إجراءات عملية، تشمل إرسال المساعدات بشكل مباشر، وفرض ممرات إنسانية آمنة، والضغط على إسرائيل لرفع الحصار فوراً.
ويحذر حسين من أن استمرار الصمت أو الاكتفاء بالإدانة اللفظية سيشكل "شراكة غير مباشرة في الجريمة"، داعياً الأمم المتحدة ومؤسساتها إلى تحمّل مسؤولياتها في حماية المدنيين.
ويؤكد حسين أن الإعلان يفتح الباب أمام مساءلة قانونية دولية، سواء أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، لأن المجاعة لم تنجم عن ظرف طبيعي أو حرب عابرة، وإنما عن سياسات متعمدة من الاحتلال حرمت السكان من الغذاء والدواء، ما يصنّفها كجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
ويشدد حسين على أن العالم اليوم أمام "اختبار أخلاقي وقانوني حاسم، فإما أن تتحول الأمم المتحدة إلى مجرد شاهد على المجازر، أو تتحمل مسؤولياتها عبر تحرك دولي عاجل وملموس يتجاوز البيانات إلى خطوات عملية على الأرض، حيث إن غزة لا تحتمل المزيد من الانتظار.
فلسطين
الإثنين 25 أغسطس 2025 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس
غزة تدخل مرحلة المجاعة ... جرس إنذار يضع المنظومة الدولية أمام اختبار
رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم





شارك برأيك
غزة تدخل مرحلة المجاعة ... جرس إنذار يضع المنظومة الدولية أمام اختبار