سوسن سرور: الحكومة الإسرائيلية لا تأبه للأمم المتحدة وتقاريرها المنددة وتستخدم التجويع وتدمير البنية التحتية لتطبيق التهجير
د. منصور أبو كريم: إسرائيل تستخدم سياسة التجويع وسيلة ابتزاز في محاولة لفرض تغييرات ديمغرافية وأمنية وسياسية في القطاع
مصطفى إبراهيم: إعلان وجود المجاعة بغزة يعني أنها جريمة والمطلوب تحرك سياسي دولي جاد لفرض عقوبات على إسرائيل
د. جمال الشلبي: الأمم المتحدة قرعت جرس الإنذار وأكدت بالدليل القاطع وجود المجاعة والحل يكمن في موقف عربي وإسلامي موحد
سيلفيا أبو لبن: الإنكار أمام أدلة دامغة لا يحمي إسرائيل بل يسرّع عزلتها الدبلوماسية ويكشفها قانونياً ويهوي بمكانتها الاعتبارية
د. عبد ربه العنزي: إسرائيل قد ترد بتشديد عملياتها العسكرية رغم الانتقادات الدولية لأنها ضمنت الظهير الأمريكي الذي سيدافع عنها
أعلنت الأمم المتحدة والخبراء الدوليون رسمياً وبشكلٍ غير مسبوق، الجمعة (22 آب 2025) تفشي المجاعة على نطاق واسع في قطاع غزة، في إدانة صريحة للحكومة الإسرائيلية التي استنكرت ما جاء في التقرير الأممي، مدعيةً عدم وجود مجاعة في غزة.
ويرى كُتّاب ومحللون في أحاديث لـ"ے"، أن الحكومة الإسرائيلية لا تأبه للأمم المتحدة ولا لتقاريرها، مستندة إلى الدعم الأمريكي المطلق لها ولسياساتها، بل وقد ترد بتشديد وتصعيد عملياتها العسكرية، ضاربة بعرض الحائط الانتقادات والتقارير والدعوات الدولية، فيما اعتبروا أن من شأن ذلك أن يُسرّع عزلتها الدبلوماسية ويكشفها قانونياً ويهوي بمكانتها الاعتبارية، ولن يحميها إنكار المجاعة ولا إنكار ارتكاب الجرائم، في حين أن المطلوب وقفة عربية وإسلامية ودولية جادة لفرض عقوبات على دولة الاحتلال وقادتها.
الاحتلال يضرب بعرض الحائط القرارات الأممية
قالت الصحافية سوسن سرور المراقبة والناقدة للمشهد السياسي في إسرائيل: "جاء إعلان الأمم المتحدة والخبراء الدوليين الجمعة 22 أغسطس/آب 2025 حول تفشي المجاعة على نطاق واسع في قطاع غزة متأخرًا جدًا، لا سيما أنه يرصد حالة المجاعة الأولى في منطقة الشرق الأوسط"، كما جاء في البيان، حيث أصدرت منظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، وبرنامج الغذاء العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بياناً مشتركاً بجنيف أكدت فيه أن أكثر من نصف مليون شخص في غزة عالقون في مجاعة حقيقية".
وأضافت: "يأتي هذا الإعلان الأممي الرسمي الخطير وغير المسبوق في إدانة الحكومة الإسرائيلية بعد أكثر من سنة ونصف على قرار محكمة العدل الدولية بفرض تدابير مؤقتة على إسرائيل، في إطار الدعوى المقامة ضدّها من قِبل دولة جنوب إفريقيا التي تتهمها فيها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق السكان في قطاع غزة، فيما أجبر قرار المحكمة الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ جميع الإجراءات لمنع الأفعال التي تدخل ضمن نطاق جريمة الإبادة الجماعية".
وأكدت سرور أن المحكمة الدولية ألزمت بموجب التدابير المؤقتة الحكومة الإسرائيلية بوقف التحريض على الإبادة الجماعية وإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة ومنع المجاعة التي بدأت في حينه (بداية العام المنصرم)، تطول عدة مناطق في القطاع، مشيرة إلى أن الحكومة الإسرائيلية ضربت بعرض الحائط جميع التدابير الصادرة، وليس فقط هذين البندين عرض الحائط، ولم يرف لها جفن من تقرير المجاعة الأخير، الذي يُعد من أخطر التقارير التي تدين إسرائيل.
وقالت: إن الحكومة الإسرائيلية استنكرت ما جاء في التقرير الأممي، مدعيةً عدم وجود مجاعة في غزة، وأن التقرير "يستند إلى أكاذيب حماس التي تعيد منظمات تدويرها خدمة لأجندتها الخاصة"، مشيرة إلى أنه "في الأسابيع الأخيرة، غمر التدفق الهائل للمساعدات القطاع بالمواد الغذائية الأساسية، ما أدى إلى انخفاض حاد في أسعار الأغذية".
الحكومة الإسرائيلية لا تأبه للأمم المتحدة
وترى سرور أن الحكومة الإسرائيلية لا تأبه للأمم المتحدة ولا لتقاريرها المنددة، وقد سبق أن مزق مندوب إسرائيل السابق في الأمم المتحدة، جدعون أردان، ميثاق الأمم المتحدة أمام الأعضاء، دون أي احترام لمكانتها، وكذلك ترمي عرض الحائط قرارات المحكمة الدولية دون تردد.
وأكدت أن الفيتو الأمريكي في الأمم المتحدة من جهة، والموقف الرسمي للدول العربية التي تستمر بإقامة علاقات دبلوماسية وأُخرى مع إسرائيل من جهة أخرى، مشهدان يمنحان الحكومة الإسرائيلية الفرصة تلو الأخرى للتنصل من إنهاء المقتلة والحرب في غزة، ولو استخدم أي طرف منهم الضغط، ولو قليلاً، لتغيّر المشهد حتمًا، ولما كنا نتحدث الآن عن المجاعة المتفشية.
خطوات عملية إسرائيلية متوقعة
أما فيما يتعلق بخطوات عملية من قبل الحكومة الإسرائيلية على التقرير الأممي تعتقد الصحافية سرور أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيقوم بالترويج لزيادة المساعدات، وهو الذي "خضع" للضغوطات الدولية، وأعلن قبل أسابيع قليلة، بعد الكشف العالمي عن المجاعة في غزة، عن موافقته لإدخال كميات " الحد الأدنى" من الغذاء، وفعليًا سيقوم بالتضييق على القطاع أكثر فأكثر، من خلال سياسة هندسة التجويع.
وقالت: كما فعل في إقامة مراكز توزيع المساعدات التي لم تحل مشكلة المجاعة وإنما فاقمتها، وتسببت بقتل المئات وجرح الآلاف، سيقوم بزيادة عدد المراكز على مساحة أوسع خدمة للعملية العسكرية الوشيكة" عربات جدعون 2".
وأضافت: سيقوم بإدخال المساعدات الإنسانية كجزء من الدعاية لشرعنة استمرار العملية العسكرية في قطاع غزة، وليس من أجل حل مشكلة المجاعة.
وأشارت سرور إلى أن "حكومة نتنياهو لا تستطيع أن تنفذ مخططها الأيديولوجي السياسي والأمني المعلن بترحيل أهل القطاع وتهجيرهم من أراضيهم، دون وقوع المجاعة في مناطق غزة، خصوصاً شمال ووسط غزة، مع مواصلة هدم البنى التحتية المدنية والإنسانية والخدمية الأساسية من أجل تجريدهم من الحياة بكرامة والصمود في قطاع غزة، لافتة إلى أنه لأول مرة في الحروب الحديثة يتم هندسة التجويع بهذه الطريقة خلال العملية العسكرية، والمطالبة بتهجير قرابة مليون إنسان من أجل العملية العسكرية.
محاولة الالتفاف على الانتقادات الدولية
وأكد الكاتب والباحث السياسي د. منصور أبو كريم أن إسرائيل، منذ تصاعد حدة الانتقادات الدولية بعد إغلاقها معابر قطاع غزة أكثر من ثلاثة أشهر وتسببها في تفشي المجاعة، تحاول الالتفاف على هذه الانتقادات عبر الإيهام بفتح المعابر وإدخال مساعدات محدودة، وذلك في محاولة لامتصاص الغضب الدولي تجاه سياسات التجويع وسوء التغذية التي تؤدي يومياً إلى سقوط العديد من الضحايا، سواء من الأطفال أو كبار السن أو النساء.
وأوضح أن إعلان الأمم المتحدة وجود مجاعة حقيقية في مدينة غزة وضع إسرائيل أمام تحدٍّ إضافي، يتمثل في مواجهة العالم والضمير الإنساني والمنظمات الدولية، وربما الملاحقة أمام محكمة العدل الدولية، خاصة بعد أن ألزمتها المحكمة منذ بداية العدوان بمجموعة من الإجراءات لمنع الإبادة الجماعية، إلا أن إسرائيل ضربت عرض الحائط بكل هذه المطالبات، واستمرت في استخدام الجوع أداة من أدوات الحرب.
وأشار أبو كريم إلى أن "إسرائيل قد تسمح بدخول مزيد من المساعدات وفتح بعض المعابر بشكل جزئي لإيهام العالم بعدم وجود مجاعة، حيث أُدخلت خلال الأسابيع الماضية بعض المساعدات والسلع التجارية، لكنها بيعت بأسعار مرتفعة جداً وصلت إلى عشرة أضعاف قيمتها الحقيقية، ما زاد من معاناة الفلسطينيين اقتصادياً ونفسياً وأسهم في استمرار حالة المجاعة وسوء التغذية".
تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل
وأوضح أن "السيناريو المتوقع هو تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل، خصوصاً من الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي الذي رفع صوته في الآونة الأخيرة ضد ممارسات الاحتلال. وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة توفير مظلة حماية سياسية لإسرائيل، إذ رفضت إدارة واشنطن الاعتراف بتقارير الأمم المتحدة عن تفشي المجاعة في غزة، ووصفتها بأنها منافية للحقيقة، الأمر الذي يشجع حكومة نتنياهو على عدم التجاوب مع الضغوط الدولية".
وأكد أبو كريم أن إسرائيل ما زالت تستخدم سياسة التجويع كوسيلة ابتزاز ضد حركة حماس والشعب الفلسطيني، في محاولة لفرض تغييرات ديمغرافية وأمنية وسياسية في قطاع غزة، ووضع الفلسطينيين أمام خيارات مستحيلة: إما البقاء في دائرة الجوع والعطش ونقص الأدوية والإمدادات، أو البحث عن ممرات للخروج من القطاع عبر صفقات خفية مع بعض الدول.
إنكار وجود المجاعة مستمر منذ بداية الحرب
ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن إنكار تل أبيب وجود المجاعة في قطاع غزة مستمر منذ بداية الحرب، حيث ظلّت إسرائيل ترفض الاعتراف بوجودها رغم تعمّقها خلال الأشهر الماضية.
وأوضح أن حرب التجويع التي فرضتها إسرائيل جاءت ضمن سياسة ممنهجة مترافقة مع القتل والتدمير، ما أثّر بشكل كبير على المدنيين، إلى أن أصدرت الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية تقريرها بعد ستة أشهر، رغم أن مؤشرات المجاعة كانت واضحة منذ الأيام الأولى للعدوان.
وأشار إبراهيم إلى أن هذا الوضع لم يكن فقط نتيجة السياسات الحكومية، بل أيضًا بتحريض مباشر من قادة وجنرالات في الجيش الإسرائيلي، بهدف تعميق المجاعة والضغط على حركة حماس للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، وهو ما يندرج في إطار حرب الإبادة المستمرة.
وفيما يتعلق بعزلة إسرائيل، لفت إبراهيم إلى أن هناك احتجاجات أوروبية متصاعدة، حتى من بعض الدول المركزية في الاتحاد الأوروبي، بشأن حرب التجويع، وصلت إلى حد التهديد بوقف اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، غير أن هذه التهديدات لم تُترجم إلى عقوبات فعلية. كما شهدت بعض الجامعات الأوروبية مقاطعات أكاديمية لمؤسسات إسرائيلية، لكن كل هذه الخطوات بقيت رمزية دون قرارات سياسية حقيقية.
وأضاف إبراهيم: إن موجة الغضب الشعبي في أوروبا واضحة، حيث تشهد القارة تظاهرات متواصلة منذ بداية الحرب، وصلت إلى استقالات من مسؤولين في الحكومة الهولندية، إلى جانب إدانات أوروبية متكررة للمجازر وسياسة التجويع.
ويرى أن هذه التطورات تضع العالم أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية، تتطلب تحركًا سياسيًا جادًا لفرض عقوبات على إسرائيل، خاصة أن إعلان الأمم المتحدة عن وجود المجاعة يعني أنها جريمة حرب ضد الإنسانية.
الأزمة مرشحة للتمدد في القطاع
وأوضح أن "نحو نصف مليون فلسطيني في مدينة غزة يتعرضون للجوع الحاد، وأن الأزمة مرشحة للتمدد إلى باقي مناطق القطاع، لافتًا إلى أن إسرائيل تمنع دخول المساعدات إلا بالقطارة، وتسمح فقط بإدخال طرود محدودة من الطعام عبر بعض المؤسسات، بينما تمنع الأدوية والمستلزمات الصحية، ما أدى إلى تدهور أوضاع المستشفيات وارتفاع معدلات سوء التغذية".
وأكد أن أكثر من 100 ألف فلسطيني يعانون سوء التغذية، وأن أكثر من 300 طفل قضوا نتيجة هذه المأساة، وهو ما يثبت وجود مجاعة حقيقية.
وبيّن أن "إسرائيل تواصل إنكارها، عبر نشر فيديوهات دعائية في أوروبا وأمريكا تزعم أن الأطفال الذين توفوا كانوا مرضى وليسوا ضحايا الجوع، وأن حماس تسرق المساعدات، وهي روايات كذّبتها تقارير أممية ودولية. وحتى عندما رضخت إسرائيل لضغوط أمريكية وأدخلت مساعدات إضافية، اقتصرت على بضائع تجارية مثل الطحين والأرز، بينما غابت المواد الأساسية كاللحوم والفواكه، ما جعلها غير كافية لإنقاذ الأجساد المنهكة من الجوع".
وأكد إبراهيم أن "المجتمع الدولي مطالب بالانتصار للعدالة والضحايا، وأن الصمت إزاء ما يجري يعدّ مشاركة في حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة".
إسرائيل أداة لتحقيق الحلم الأمريكي بالمنطقة
وقال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية بعمان د. جمال الشلبي: لا أعتقد أن أحداً في العالم يستطيع أن يوقف هذه الحرب ضد غزة وأهلها، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الطائرات F-35 أو حتى الشبح F-52، أو من خلال الصواريخ أو سياسة التجويع ومنع الدواء والماء، إلا الله سبحانه وتعالى ثم الولايات المتحدة.
واكد ان اسرائيل ليست سوى أداة من أدوات لتحقيق حلم الولايات المتحدة في "الشرق الأوسط الجديد" الذي أعلنته منذ عام 2004 ولم تستطع إنجازه عبر ما سُمي بالربيع العربي، فجاء السابع من أكتوبر ليعيد للأمريكيين شهيتهم لتجديد هذا المشروع.
وأوضح الشلبي أن ذلك يتقاطع مع الهدف الاستراتيجي العميق لإسرائيل، والمتمثل في تحقيق فكرة ما يسمى "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات". ومن هنا فإن التنديد والتحذير والإدانة والشجب، لن يكون لها أي تأثير حقيقي على أصحاب الاستراتيجيات في القيادة الأمريكية، التي ترى أن هذه الحرب لن تتوقف إلا بعد أن تحقق كامل أهدافها باستخدام كل الوسائل، بما فيها القتل المباشر للأطفال والنساء، سواء بالتكنولوجيا الحديثة أو بالوسائل القديمة كالحصار والتجويع ومنع الدواء والماء.
وأضاف: إن الرأي العام العالمي بات يمتلك القناعة الكاملة بما يحدث في غزة، إذ تتوفر لديه الصور والأدلة والوثائق كافة. وعندما تعلن الأمم المتحدة وتقرع جرس الإنذار بأنها وصلت إلى لحظة حرجة ومؤلمة بوجود مجاعة، فهذا دليل قاطع وشرعي ورسمي وأممي وعالمي.
ماذا نحن فاعلون؟
وتساءل الشلبي: ماذا نحن فاعلون؟ هل الأمم المتحدة التي عجزت طوال نحو عامين عن إيقاف الحرب أو فرض وقف لإطلاق النار أو إيصال المساعدات، ستكون قادرة فجأة وبقرار ما أن تقوم بدورها الذي أُنيط بها منذ تأسيسها عام 1945؟ أشك في ذلك. فبعد عامين من الحرب، باتت الأمم المتحدة مجرد "ظاهرة صوتية"، لا تختلف كثيرًا عن ردود الفعل العربية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي القائمة على الشجب والاستنكار.
وأشار إلى أن الحل إن وُجد يجب أن يأتي من داخل الدول العربية نفسها إذا أرادت، وإذا ضغطت عليها شعوبها، لكن للأسف هذا غير قائم. أما الحلول القادمة من الأمم المتحدة أو حتى من أوروبا، فهي غير كافية رغم الحراك الشعبي اللافت هناك.
ويرى أن الحل يكمن في موقف عربي وإسلامي موحد، لأن 23 دولة عربية إضافة إلى نحو 35 دولة إسلامية ضمن منظمة التعاون الإسلامي، إذا قررت اتخاذ موقف حقيقي مثل قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو التهديد بإلغاء الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل (كامب ديفيد، أوسلو، ووادي عربة)، فإن أمريكا ستسعى حينها إلى إعادة الحسابات وفتح المعابر وإيصال المساعدات والبحث عن حلول.
ووصف د. الشلبي الواقع بالصعب والمؤلم، وقال لا يوجد سياسي أو استراتيجي قادر على تحديد اتجاه الأحداث، لأننا نُدار اليوم من قِبل قيادات وحشية لا تملك أخلاقًا ولا قيمًا ولا أعرافًا دولية. مضيفاً أن ما يحدث في غزة هو أكبر مجزرة تُرتكب بعد الحرب العالمية الثانية. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع حماس والمقاومة الفلسطينية، فإن إسرائيل لا تريد سلامًا ولا مفاوضات، بل استسلامًا كاملًا، وتسعى إلى توجيه ضربة قاضية لغزة وأهلها.
التفوق العسكري والدعم الأمريكي كافيان لتجاوز الإجماع الدولي
من جهتها، أكدت الناشطة السياسية سيلفيا أبو لبن أن "رد تل أبيب على تقرير الأمم المتحدة جاء بإنكار كامل، واتهامات بالتزوير والتحيز، في ما يبدو رهانًا سياسيًا، وقالت: إن التفوق العسكري والدعم الأمريكي كافيان لتجاوز الإجماع الدولي. لكن هذا الرهان ينطوي على مخاطر جسيمة؛ فالإنكار أمام أدلة دامغة لا يحمي إسرائيل، بل يسرّع عزلتها الدبلوماسية، ويكشفها قانونيًا، ويهوي بمكانتها الاعتبارية.
واضافت طالما استندت إسرائيل إلى دعم الديمقراطيات الغربية لتثبيت شرعيتها. غير أنّ المجاعة، بخلاف روايات الحرب، قابلة للقياس: نسب سوء التغذية، معدلات وفيات الأطفال، ومؤشرات السعرات للفرد. هذه أرقام علمية لا يمكن دحضها، وإنكارها يضع إسرائيل في مواجهة مع المؤسسات الإنسانية والطبية والحقوقية الدولية ذات المصداقية العالية. والنتيجة: اتساع الفجوة بين واشنطن وبقية العالم، وازدياد شعور بأن أميركا وحدها تغطي إسرائيل في مواجهة إجماع عالمي.
مأساة بشرية وراء الأرقام الجافة
وأشارت أبو لبن إلى أن "وراء الأرقام الجافة مأساة بشرية، إذ إن أطفال يموتون جوعًا في المستشفيات بلا حليب ولا دواء، وأمهات يقدمن الماء الملوث بدل الطعام. إنكار هذه الحقائق لا يُضعفها، بل يجعلها أكثر وضوحًا أمام الرأي العام العالمي".
وتقول أبو لبن: قد يظن البعض أنّ العقوبات بلا جدوى ما دامت واشنطن تمد إسرائيل بالسلاح، لكن هذا تبسيط مفرط، وشرحت الأمر كما يلي:
• هشاشة سلاسل التوريد: الصناعات العسكرية الإسرائيلية تعتمد على مكونات أوروبية وآسيوية متقدمة (إلكترونيات دقيقة، بصريات، برمجيات طيران) لا تستطيع واشنطن وحدها توفيرها. أي حظر هنا يُضعف التفوق النوعي لإسرائيل.
• استنزاف الدبلوماسية الأميركية: تعليق اتفاقيات الشراكة أو تجميدها (مثل اتفاق الشراكة الأوروبي–الإسرائيلي) يجعل واشنطن تدفع ثمناً سياسياً في كل محفل دولي للدفاع عن تل أبيب.
• تبلور الملف القانوني: كل خطوة عقابية، كل قرار برلماني أو قضائي، يراكم الأدلة التي تدعم ملاحقة إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية بتهمة استخدام التجويع كسلاح حرب.
وتابعت أنه "إلى جانب العزلة السياسية، تتسع دوائر المقاطعة الأكاديمية: جامعات ومراكز بحثية دولية بدأت بالفعل بتجميد مشاريع مشتركة أو رفض دعوات مشاركة إسرائيلية، خشية من الارتباط بانتهاكات إنسانية جسيمة. هذا النوع من العزلة يضرب العمق المعرفي لإسرائيل ويضعف صورتها كدولة تكنولوجية متقدمة".
أما اقتصاديًا، فأشارت أبو لبن إلى أن مخاطر العزلة تتسع مع تزايد دعوات لفرض قيود على الاستثمارات، ومراجعة العقود التجارية، وتنامي حملات المقاطعة الشعبية. إسرائيل قد تظل مسنودة عسكريًا من واشنطن، لكنها تجد نفسها محاصرة في الجامعات، الأسواق، والمنتديات الدولية، وهي مساحات كانت لوقت طويل تمثل مصدر قوة ناعمة ودعم استراتيجي".
سيناريوهات نادرة لكنها ممكنة
وتحدثت أبو لبن عن سيناريوهات نادرة لكنها ممكنة:
- انقسام عبر أطلسي: فرض حظر أوروبي منسّق على السلاح سيجبر واشنطن على الدفاع عن إسرائيل منفردة ضد إجماع مجموعة السبع.
- انسحابات شركات كبرى: قد تبدأ شركات تكنولوجيا ودفاع عالمية في الانسحاب من العقود مع إسرائيل خشية المسؤولية القانونية أو الخسائر الاعتبارية.
- تراجع استراتيجي: دول من الجنوب العالمي قد تربط علاقاتها أو اتفاقياتها التجارية مع إسرائيل بمدى التزامها الإنساني، ما يقوّض خطط التطبيع والانفتاح.
- تسريع الملاحقات القضائية: مع توثيق المجاعة رسميًا، قد تعجّل المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، ما يحوّلهم من "شركاء سياسيين" إلى "مطلوبين قضائياً".
وترى أبو لبن أن إعلان المجاعة حوّل غزة من ساحة نزاع إلى اختبار لمصداقية النظام الدولي. إنكار إسرائيل لا يمنحها حصانة؛ بل يضاعف الرقابة عليها.
نقطة تحوّل مهمة
ويرى د. عبد ربه العنزي، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الازهر بغزة، أن إعلان الأمم المتحدة رسميًا عن وجود مجاعة في غزة يمثل نقطة تحوّل مهمة، إذ اعتبرته تقارير دولية كارثة من صنع الإنسان، بينما تنكر إسرائيل ذلك تمامًا وتصفه بالمبالغة أو بالدعاية السياسية. وقال: "إن إنكار إسرائيل يفاقم عزلتها الدولية، خاصة مع تزايد الإدانات من حكومات ومنظمات إنسانية تطالب بوقف إطلاق النار وفتح ممرات إغاثية".
وأضاف العنزي: "يحتمل أن استخدام التجويع كسلاح حرب قد يدفع المحكمة الجنائية الدولية لمساءلة قادة إسرائيليين، ويؤسس لمطالب بفرض عقوبات دولية، وشخصياً أستبعد هذا الإجراء لاعتبارات سياسية دولية".
وتابع: "من الوارد تصاعد الضغوط وازدياد الدعوات لفرض عقوبات وتجميد صفقات السلاح من بعض الدول".
وأضاف العنزي: "قد تقفز بعض الدول نحو إجراءات قانونية واحتمالية فتح تحقيقات دولية أوسع بتهم جرائم حرب أو إبادة، وقد نشهد تدخل إنساني أوسع من المجتمع الدولي حيث يضغط أكثر لفرض هدنة عاجلة أو ممرات إنسانية بالقوة".
ويعتقد العنزي أن إسرائيل قد ترد بتشديد عملياتها العسكرية رغم كل الانتقادات، وأن كل الجلبة الحاصلة ضد إسرائيل من المؤسسات الدولية والحقوقية والإنسانية لن تغير من بطش إسرائيل وجيشها ضد القطاع، لأنها ضمنت يقيناً الظهير الأمريكي الذي سيدافع عنها كما دافع عنها سابقاً، رغم الإبادة الجماعية المستمرة منذ عامين.
فلسطين
الإثنين 25 أغسطس 2025 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس
إنكار المجاعة... نتنياهو ماضٍ في مخطط التهجير عبر هندسة التجويع
رام الله - خاص بالـ "القدس" دوت كوم





شارك برأيك
إنكار المجاعة... نتنياهو ماضٍ في مخطط التهجير عبر هندسة التجويع