د. أماني القرم: هذه الخطوة تعد أبرز وأخطر قرارات السفير الأمريكي المتطرف مايك هاكابي حتى الآن منذ قرار تعيينه سفيراً في إسرائيل
د. سنان شقديح: القرار يعيد العمل بالإطار الأول لولاية ترمب حيث تُوحَّد البعثة الدبلوماسية الأمريكية في إسرائيل تحت إشراف السفير هاكابي
راسم عبيدات: القرار يعكس تحوّلاً في الخطاب الأمريكي من التعامل مع قضية شعب ترتبط بحقوق سياسية إلى تصنيف الفلسطينيين كجمهور يتلقى خدمات
توفيق طعمة: واشنطن لم تغيّر فقط تسمية المكتب بل تعيد صياغة علاقتها مع الفلسطينيين بما يخدم أجندات الضم والتطبيع و"السلام الاقتصادي"
المحامي معين عودة: رسالة واضحة من الإدارة الأمريكية لكل من فرنسا والسعودية بخصوص المؤتمر المزمع في نيويورك بشأن حل الدولتين
د. جون ضبيط: هذه الخطوة تمنح إسرائيل مزيداً من الضوء الأخضر للتعامل مع الفلسطينيين على أنهم مجرد أفراد وليسوا شعباً
في خطوة غير مستغربة، وتنسجم مع التوجهات الأمريكية الرسمية العلنية والمتنكرة للحقوق الفلسطينية، أصدرت الإدارة الأمريكية قراراً بتغيير اسم "مكتب الشؤون الفلسطينية" التابع لسفارتها في القدس، إلى "مكتب التواصل مع الجمهور الفلسطيني"، الأمر الذي أثار ردود فعل وموجة من التحذيرات من تداعياته السياسية على مكانة القضية الفلسطينية.
وينطوي هذا التغيير على تحوّل واضح في لغة الخطاب السياسي والدبلوماسي الأمريكي تجاه الفلسطينيين، إذ يُجرّدهم من صفتهم كطرف سياسي، ويصوّرهم كـ"جمهور يتلقى الخدمات". كما تكرس هذه الخطوة الاعتراف الأمريكي بالقدس كعاصمة موحدة لإسرائيل.
كتاب ومحللون ومختصون تحدثوا لـ"ے" قالوا إن القرار يعكس تحوّلاً في الخطاب الأمريكي من التعامل مع قضية شعب ترتبط بحقوق سياسية إلى تصنيف الفلسطينيين كجمهور يتلقى خدمات، معتبرين أن هذه الخطوة تعد أبرز وأخطر قرارات السفير الأمريكي المتطرف مايك هاكابي حتى الآن منذ قرار تعيينه سفيراً في إسرائيل.
وأكدوا أن واشنطن لم تغيّر فقط تسمية المكتب، بل تعيد كذلك صياغة علاقتها مع الفلسطينيين بما يخدم أجندات الضم والتطبيع و"السلام الاقتصادي"، كما أنها رسالة واضحة من الإدارة الأمريكية لكل من فرنسا والسعودية بخصوص المؤتمر المزمع عقده في نيويورك حول حل الدولتين.
إشارة بالغة الدلالة للتوجهات الأمريكية المقبلة
وقالت الكاتبة والباحثة في الشأن الأمريكي د. أماني القرم "إن هذه الخطوة تعد أبرز وأخطر قرارات السفير الأمريكي المتطرف مايك هاكابي حتى الآن منذ قرار تعيينه سفيراً في إسرائيل".
وأضافت: على الرغم من أنه يحاول وضعها في سياق إداري وهذا أمر غير صحيح بالمطلق لأنها إشارات بالغة الدلالة لما ستكون عليه التوجهات الأمريكية المقبلة إزاء الكينونة الفلسطينية.
وأشارت القرم إلى أن هذا الأمر يعد استمراراً للانعطافة التاريخية التي أحدثتها سياسات إدارة دونالد ترمب منذ ولايته الاولى في العام 2017 ، موضحة أنه حدث تطابق في المصالح الأمريكية والإسرائيلية وبدا وكأنه غير معروف أين تبدأ المصالح الأمريكية وأين تنتهي تلك الإسرائيلية .
وأضافت: "إن كل الإشارات توحي بعزم هذه الإدارة اليمينية على تصفية القضية الفلسطينية والنيل من كل رمزية في التقاليد الأمريكية تشير إلى أن هناك قضية فلسطينية تستلزم حلاًّ يتطلب وقتاً وجهداً وموارد".
وذكرت القرم أنه منذ الإعلان المشؤوم للرئيس ترمب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارته إليها ديسمبر 2017 ، تم افتتاح السفارة في مايو 2018 ومن ثمّ تم اغلاق القنصلية الأمريكية في القدس التي كانت تعد بوابة التعامل مع المسألة الفلسطينية وقيادييها وشعبها حيث بات التعامل مع الفلسطينيين من خلال ما تسمى "وحدة الشؤون الفلسطينية".
وقالت: تمت إعادة تسمية هذه الوحدة في عهد الرئيس جو بايدن مع عودة الانفتاح على الفلسطينيين وإعادة الاتصالات لتسمى "المكتب الأمريكي للشؤون الفلسطينية"، لافتة إلى أن هذا المكتب تمتع بوضع خاص واستقلالية وذلك كمحاولة لتغطية عجز إدارة بايدن عن تحقيق وعده بإعادة افتتاح القنصلية.
تقارير مباشرة إلى الخارجية الأمريكية
وأشارت الباحثة القرم إلى أن مسؤولي المكتب كانوا يرسلون التقارير مباشرة الى الخارجية الأمريكية والوكالات المختلفة دون مرور على السفارة، واستمر موقعه في المبنى القديم للقنصلية وليس في مبنى السفارة الجديد.
وأضافت: بمجرد عودة ترمب الى السلطة وتعيين مايك هاكابي اليميني المتطرف سفيراً في إسرائيل أراد إغلاق هذا المكتب وتقزيم عمله لعدد من الاسباب :
أولاً: إنهاء الوضع الخاص للمكتب وما يعكسه من أهمية وخصوصية للعلاقات الأمريكية الفلسطينية بمعزل عن الشؤون الإسرائيلية ولاعتبارات السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية كوحدة منفصلة عن الإسرائيليين والذي كان يعد بمثابة قناة اتصال مباشرة بين الدبلوماسيين الأمريكيين في القدس العاملين على القضايا الفلسطينية والوكالات المختلفة في واشنطن .
ثانياً: كون المكتب كان مسؤولا عن العلاقات مع المسؤولين الفلسطينيين والقيادة الفلسطينية ويرسل تقاريره وبرقياته مباشرة الى واشنطن دون موافقات من السفارة ومسؤوليها فإن إنهاء عمله يلغي الآلية الأمريكية المعهودة بالتعامل مع السلطة الفلسطينية ككيان مستقل بعيداً عن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وتخضع مصداقية التقارير المتعلقة بالفلسطينيين لأهواء مسؤولي السفارة والسفير المتطرف .
ثالثاً: يوحي هذا القرار بتوجهات الإدارة الأمريكية اليمينية ورغبة السفير مايك هاكابي التي تتجه نحو ضم الضفة الغربية، حيث يرى السفير هاكابي أنه "لا وجود للضفة الغربية، ولا وجود للمستوطنات، ولا وجود للاحتلال، ويعتبرها مجتمعات طبيعية وأحياء ومدن".
وترى القرم في ختام تعقيبها أنه بهذا القرار ينظر إلى الفلسطينيين كأقلية عابرة موجودة داخل الكيان الإسرائيلي، وليس كأصحاب حق في الأرض وفي إقامة دولة مستقلة.
الحد من العلاقة مع الفلسطينيين دون أي بُعد سياسي
من جهته، قال المختص في الشأن الأمريكي د. سنان شقديح: "لم يُغيَّر اسم مكتب الشؤون الفلسطينية إلى مكتب التواصل مع الجمهور الفلسطيني داخل السفارة الأمريكية، بل أُنشئ مكتب قنصلي داخل السفارة للتعامل اليومي مع الفلسطينيين، خاصة الجالية الفلسطينية الأمريكية التي يُقدَّر عددها بنحو نصف مليون، معظمهم من الضفة الغربية ويحملون الجنسية الأمريكية إلى جانب هويتهم الوطنية."
وأكد أن إدارة ترمب أغلقت مكتب الشؤون الفلسطينية في السفارة منذ مايو الماضي بقرار من وزير الخارجية روبيو، مما يعكس استمرار نهج الإدارة في الحد من العلاقة مع الفلسطينيين إلى الشؤون القنصلية دون أي بُعد سياسي.
وقال: "إن هذا النهج بدأ في ولاية ترمب الأولى بإغلاق القنصلية الأمريكية في القدس".
وأوضح شقديح أن إغلاق مكتب الشؤون الفلسطينية يعني عملياً قطع قناة الاتصال المباشرة بين الدبلوماسيين الأمريكيين المعنيين بالقضايا الفلسطينية في القدس والوزارات في واشنطن.
وأشار إلى أنه في عهد الرئيس بايدن، الذي وعد بإعادة فتح قنصلية القدس، اكتُفي بإنشاء مكتب الشؤون الفلسطينية داخل السفارة، والذي كان يتمتع بخط اتصال مباشر مع واشنطن، مما يرمز إلى عدم اعتبار الإدارة الأمريكية الضفة الغربية وقطاع غزة منفصلين عن إسرائيل، مع الإبقاء على علاقة خاصة بالسلطة الفلسطينية.
التواصل مع كبار المسؤولين الفلسطينيين
وتابع شقديح: "لكن الآن، وبعد توصية السفير الأمريكي الجديد لدى إسرائيل، مايك هاكابي، سيُنهي إغلاق هذا المكتب الوضع الخاص الذي كان يتيح إرسال تقارير مباشرة إلى واشنطن دون موافقة مسبقة من مسؤولي السفارة، لافتاً إلى أن هذا المكتب، الموجود سابقاً في مبنى القنصلية القديم بالقدس، كان مسؤولاً عن التواصل مع كبار المسؤولين الفلسطينيين وتقديم تقارير حول القضايا الفلسطينية.
ويرى شقديح أن هذا القرار يعيد العمل بالإطار الأول لولاية ترمب، حيث تُوحد البعثة الدبلوماسية الأمريكية في إسرائيل تحت إشراف السفير هاكابي، الذي أنكر علناً الهوية الفلسطينية بقوله: "لا يوجد شيء اسمه فلسطيني".
وأضاف شقديح: إن هذا يتماشى مع تصريح مايك كيسي، نائب المستشار السياسي السابق لوزارة الخارجية لشؤون غزة، لصحيفة الغارديان في ديسمبر الماضي: "ليس لدينا سياسة خاصة بفلسطين، نحن فقط ننفذ ما يريده الإسرائيليون".
تقزيمٌ متدرج لفلسطين كقضية وككيان سياسي
بدوره، يرى المحلل السياسي راسم عبيدات في الخطوة الأمريكية إعادة صياغة متعمدة لطبيعة العلاقة مع الفلسطينيين.
وقال: "القرار يعكس تحوّلاً عميقاً في الخطاب الأمريكي الرسمي من التعامل مع "قضية شعب" ترتبط بحقوق سياسية وقانونية معترف بها دولياً، إلى تصنيف الفلسطينيين كجمهور يتلقى خدمات أو أنشطة عامة، تماماً كما تتعامل الدول مع برامجها الثقافية أو الإعلامية داخل جماعات محلية بلا صفة سيادية.
وأكد عبيدات أن التغيير في الاسم ليس مجرد مسألة لغوية، بل هو في جوهره تقزيمٌ متدرج لفلسطين كقضية وككيان سياسي إلى مجرد فئة مستهدفة بخدمات العلاقات العامة، في انسجام مقلق مع الرؤية الإسرائيلية التي تسعى إلى تصفية البعد السياسي للوجود الفلسطيني، خاصة في القدس، وتحويله إلى مسألة إدارية وسكانية فحسب.
وعاد عبيدات بالذاكرة الى الوراء، وقال: إن امريكا قررت في ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأولى في العام 2017 إغلاق القنصلية الأمريكية بالقدس الشرقية والتي كانت عنواناً سياسياً للتعامل مع القدس كأراض محتلة من ضمن قرارات ترمب والتي اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وقال: "رغم وعود بايدن بتعديل الوضع وإرجاعه الى سابق عهده وإعادة فتح مبنى القنصلية في القدس الا أنه اكتفي بعمل مكتب ملحق بالسفارة تحت مسمى مكتب الشؤون الفلسطينية، وكان يعامل في الدوائر الرسمية بمثابة قنصلية مع تبعية مباشرة لوزارة الخارجية في واشنطن، وليس للسفير الأمريكي في إسرائيل.
وأضاف عبيدات: غادر جورج نول مسؤول مكتب الشؤون الفلسطينية قبل أشهر مودعاً الشعب الفلسطيني ومعتذراً لأنه لم يستطع ان يعمل الكثير وجاء بعده لفترة قليلة هانز ويكسل ثم فرغ المنصب بعد ذلك.
وأكد أن الخطوة الأمريكية أثارت تساؤلات واسعة حول دلالاتها القانونية والسياسية، وانعكاساتها على تعامل واشنطن مع القضية الفلسطينية ومكانتها في أجندة السياسة الأمريكية لا بل قد تكون لهذه الخطوة دلالات ومؤشرات على التوجه السياسي للإدارة الأمريكية الحالية مع الفلسطينيين.
فرق بين "الشؤون الفلسطينية" و"الجمهور الفلسطيني"
وأشار إلى الفرق بين "الشؤون الفلسطينية" و"الجمهور الفلسطيني"، فمكتب الشؤون الفلسطينية، الاسم القديم يشير إلى وحدة مختصة تُعنى بملف سياسي وإداري يتصل بعلاقات ثنائية مع الشعب الفلسطيني وقيادته، في سياق الاعتراف الضمني بوجود كيان سياسي.
وبالنسبة لمكتب الجمهور الفلسطيني، اعتبر عبيدات التسمية الجديدة تُحوّل المهمة إلى بعد "دبلوماسي عام"، تتعامل مع الجمهور كفئة سكانية عامة، وتبتعد عن التعاطي مع القضايا السياسية أو الحقوقية، ما يُعتبر تنصلاً ضمنياً من الاعتراف السياسي بالفلسطينيين كطرف تفاوضي.
وبخصوص الدلالات السياسية والقانونية للتغيير يرى عبيدات أنه تراجع رمزي عن الاعتراف بالتمثيل السياسي الفلسطيني .
وقال: التغيير يشير أولاً إلى أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الفلسطينيين من خلال "قضية" قائمة أو قيادة سياسية رسمية، بل كـ"جمهور" في إطار نشاطات ثقافية أو إعلامية أو خدماتية.
ثانياً، امتداد لنهج إغلاق القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية. وقال: منذ قرار إدارة ترمب في 2019 إغلاق القنصلية التي كانت تمثل علاقة مباشرة مع الفلسطينيين، يجري الآن مزيد من تقليص أدوات التمثيل والاتصال، والتقليل من الطابع السياسي للتعامل.
ثالثاً، انسجام مع الرؤية الإسرائيلية لتقزيم الكيان الفلسطيني، موضحاً أن التسمية الجديدة تتماشى مع الرؤية الإسرائيلية التي ترفض وجود تمثيل سياسي مستقل للفلسطينيين في القدس، وتسعى لحصر التعامل معهم كـ"سكان" بلا حقوق سيادية.
رابعاً، تحوّل الخطاب من العلاقات إلى الخدمات اي تحويل المكتب إلى جهة تُعنى بـ"الجمهور"، وفق عبيدات يعني تحويل العلاقة من مسار سياسي إلى مسار علاقات عامة، يقتصر على البرامج الثقافية، الإعلامية، أو المنح التعليمية، دون التطرق إلى الحقوق الوطنية أو السيادة.
خامساً، التبعية المباشرة للخارجية والأهم ان تبعية مكتب الشؤون الفلسطينية كانت لوزارة الخارجية في واشنطن ككيان مستقل، وأما مكتب الجمهور الفلسطيني فتبعيته للسفير الأمريكي في إسرائيل.
تهميش مقصود للتمثيل السياسي للفلسطينيين
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي المختص في الشأن الأمريكي والفلسطيني توفيق طعمة قرار الإدارة الأمريكية تغيير اسم مكتب الشؤون الفلسطينية في القدس إلى مكتب التواصل مع الجمهور الفلسطيني خطوة سياسية رمزية تحمل دلالات تهميش مقصود للهوية الوطنية والتمثيل السياسي للفلسطينيين.
ووصف طعمة هذا التحول بأنه تجسيد لتقزيم سياسي متعمّد، مشيراً إلى أن الاسم السابق للمكتب كان يُضفي طابعاً رسمياً واعترافاً ضمنياً بوجود كيان سياسي فلسطيني تتعامل معه واشنطن، بينما الاسم الجديد يختزل الفلسطينيين كجمهور مجرد من الحقوق السياسية.
ويرى طعمة أن هذا التغيير يتماهى مع الرؤية الإسرائيلية التي ترفض الاعتراف بتمثيل سياسي للفلسطينيين في القدس، أو بوجود قضية فلسطينية تستحق التعاطي معها دبلوماسياً.
واعتبر أن واشنطن لم تغيّر فقط تسمية المكتب، بل تعيد صياغة علاقتها مع الفلسطينيين بما يخدم أجندات الضم والتطبيع و"السلام الاقتصادي"، لا حل الدولتين ولا حقوق الشعب الفلسطيني.
كما اعتبر أن هذه الخطوة تعبر عن رغبة أمريكية بتجاوز السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع أفراد الشعب، وهو ما يُفقد القيادة الفلسطينية شرعيتها التمثيلية في نظر المجتمع الدولي، ويمهّد لتحوّل خطير في إدارة الصراع.
واختتم طعمة تعقيبه بالقول: "إن التغيير في الاسم هو رسالة ضمنية بأن الفلسطينيين لم يعودوا يُنظر إليهم كشعب له قضية سياسية، بل كأفراد يتم التواصل معهم خارج أي سياق وطني أو نضالي"، محذرا من أن ذلك قد يكون جزءا من محاولة تصفية رمزية للهوية الفلسطينية.
الإدارة الأمريكية انتقلت من مرحلة النوايا إلى الأفعال
من جهته، أكد المحامي معين عودة المختص في الشؤون الأمريكية أن الإدارة الأمريكية انتقلت من مرحلة النوايا إلى مرحلة الأفعال.
وقال: إن الإدارة لم تعد تنوي الاعتراف بدولة فلسطينية مستقبلية، ولا بأي سيادة فلسطينية حقيقية على الأرض.
وأضاف عودة: إن هذا التوجه كان واضحاً حتى في السابق، وتحديداً عندما قامت إدارة ترمب الأولى بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية أغلقت مكتب تمثيل منظمة التحرير في واشنطن، ومؤخراً أغلقت مكتب الشؤون الفلسطينية في القدس، وحولته إلى مكتب للتواصل، وهو ما يعكس أن الإدارة الأمريكية لا تنظر إلى الفلسطينيين كجسم سياسي أو دبلوماسي، بل كجسم خدماتي.
وأوضح أن الهدف من هذا المكتب هو مجرد التواصل مع الفلسطينيين في بعض الملفات مثل التأشيرات، والدخول، وبعض المنح أو المساعدات، دون أي بعد سياسي حقيقي.
رسالة من أمريكا بأنها لن تعترف بالدولة الفلسطينية
وأكد المحامي عودة أن هذا التوجه بات واضحاً في الوقت الراهن، ويُعد بمثابة رسالة واضحة من الإدارة الأمريكية لكل من فرنسا والسعودية، بخصوص المؤتمر المزمع عقده في نيويورك حول حل الدولتين. وقال "إن أمريكا توجه رسالة مفادها أنها، سواء حالياً أو مستقبلاً، لا تعترف بقيام دولة فلسطينية.
كما لفت إلى أن ذلك ينطبق على كل تحرك سياسي مرتقب، خاصة في ما يتعلق باليوم التالي لحرب غزة، وهو الملف المطروح حالياً على طاولة المفاوضات، حيث تتجاهل الولايات المتحدة أي دور سياسي حقيقي للقيادة الفلسطينية.
وأضاف: إن واشنطن، رغم كونها تدرك الجدل الداخلي الفلسطيني بشأن شرعية القيادة الحالية، لا تنظر إلى هذه القيادة كجهة سياسية، بل كهيئة تسيير أعمال تقوم بإدارة الشؤون اليومية من بلديات، وصحة، وتعليم، وبعض الملفات الاقتصادية فقط.
وأكد عودة شأن هذه الخطوة تعكس أيضاً موقف الإدارة الأمريكية من مستقبل قطاع غزة، موضحاً أن واشنطن لا ترى في السلطة الفلسطينية جهة مناسبة لحكم غزة بعد الحرب، وهو ما يحمل دلالات عميقة حول مستقبل العلاقة الأمريكية – الفلسطينية.
إنكار وجود أي كيان سياسي يمثل الشعب الفلسطيني
بدوره، أكد البروفيسور جون ضبيط عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الأمريكي أن الحضور الدبلوماسي الأمريكي المسؤول عن العلاقات مع الفلسطينيين شهد عدة تغييرات في اسمه وبنيته خلال السنوات الأخيرة.
وقال: لقد كان يُعرف قبل التغيير الأخير باسم "مكتب الشؤون الفلسطينية الأمريكية"، وهو الاسم الذي اعتمد عام 2022، وكان بمثابة تحديث لتسميته السابقة "وحدة الشؤون الفلسطينية"، التي أُنشئت عام 2019 بعد إغلاق القنصلية الأمريكية العامة في القدس، والتي كانت بمثابة سفارة فعلية للفلسطينيين.
وأضاف ضبيط: "اليوم، وفي ظل إدارة الرئيس ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو، تم تغيير الاسم مجدداً ليصبح "مكتب التواصل مع الجمهور الفلسطيني" ضمن السفارة الأمريكية.
وتساءل ضبيط: "هل لهذا التغيير دلالات دبلوماسية ورسائل سياسية؟ وأجاب: بالتأكيد نعم، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية، بقيادة وزير خارجيتها الحالي، ترفض استخدام الاسم الصحيح للقنصلية أو السفارة، وتستبدله بمصطلح "التواصل مع الجمهور الفلسطيني".
وأضاف: "إن هذه الصيغة تعني سياسياً ودبلوماسياً إنكار وجود أي كيان سياسي يمثل الشعب الفلسطيني، وتصوير الفلسطينيين كأفراد لا علاقة لهم بالأرض أو بالسياسة أو بالمنطقة، وهو أمر بالغ الخطورة، لأنه يعكس التوجه السياسي الرئيسي لإدارة ترمب الحالية، التي تُظهر دعماً أعمى للحكومة الإسرائيلية المتطرفة.
وأكد ضبيط أن هذه الخطوة تمنح إسرائيل مزيداً من الضوء الأخضر للتعامل مع الفلسطينيين على أنهم مجرد أفراد، وليسوا شعباً له ممثلون سياسيون معترف بهم على الصعيدين السياسي والدبلوماسي.





شارك برأيك
تغيير مسمى مكتب الشؤون الفلسطينية إلى التواصل مع الجمهور.. قرار خطير مشحون بالدلالات العنصرية والردة السياسية