معاهدات السلام مع الدول المحيطة بإسرائيل قد تكون نجحت في جانبها الأمني ولكن هذه المعاهدات لم تنجح في جر الشعوب في مصر والأردن ومناطق السلطة الفلسطينية إلى التطبيع وتقبّل استقبال السائح الإسرائيلي ولا حتى إلى شراء البضائع الإسرائيلية. لذا بدأت إسرائيل تفكّر باستكمال هذه الاتفاقيات بمبادرة جديدة من شأنها تجاوز العلاقات الودّية مع الحكومات إلى علاقات ودّية مع الشعوب. فجاءت فكرة النبي إبراهيم وكيف أنه مقدس لدى المسلمين واليهود معاً، بل وأكثر؛ فكلاهما أبناء إبراهيم وأبناء العم. ودخلت أمريكا على الخط "ممثِلة" للمسيحيين الذين يقدّسون النبي إبراهيم أيضاً، وتبوأت أمريكا قيادة الفكرة، وحولتها إلى مشروع قابل للتطبيق؛ وأسمته "اتفاقيات إبراهيم"، وتم توقيع أول اتفاق ابراهيمي بين أمريكا وإسرائيل والامارات المتحدة في 13 آب 2020 وتبعه اتفاق آخر مع البحرين. ويسعى المخططون لجر العديد من الدول الإسلامية الى هذا الاتفاق لكنهم بالتأكيد لن يدعو أية دولة مسيحية ولا يهودية غيرهما (أمريكا وإسرائيل).
اتفاقيات إبراهيم تختزل الكون في ثلاثة أركان: اليهود والمسيحية والإسلام. أما اليهود (بحسب الخطة) فتمثلهم دولة إسرائيل (الصغيرة) على الرغم من وجود ملايين اليهود لا يعترفون بإسرائيل ممثلة لهم. أما المسيحية (بحسب الخطة) فتمثلها أميركا التي لا تسمح بتدريس الديانة المسيحية في مدارسها ودستورها لا يضع أي اعتبار للديانة المسيحية. أما الثالث فهو الإسلام ذو المليارين من البشر والثروات التي لا تنضب، الإسلام المنتشر من المحيط إلى الخليج، ومن أفغانستان إلى تركيا مرورا بأذربيجان وجاراتها.
ولولا انشغال إسرائيل وأمريكا في حرب العدوان على غزة لرأينا حركات ومشاريع اجتماعية وثقافية كثيرة تمجّد النبي إبراهيم وتروّج لفكرة "كم نحن قريبون من بعضنا البعض، فلماذا نتحارب؟".
الهدف من الاتفاقيات الإبراهيمية هو استغلال الدين الإسلامي في تطويع الشعوب الإسلامية، ولن ترى هذا الهدف عند مخاطبة الشعوب الأخرى سواء اليهودية أو المسيحية، لأن هذا ليس هدفاً ولأن القائمين على المبادرة لا يجرؤون على طرح هذا الموضوع على شعوبهم.
الاتفاقيات الإبراهيمية تحاول أن تعطي التطبيع صبغة دينية. وتحاول أن تغطي الاستسلام بأنبياء الله.
وفي المرحلة القادمة سيكون مطلوباً التركيز على إبراهيم كجذر الشجرة الذي منه خرجت الأديان الثلاث، وسوف يتم المبالغة في القضايا المشتركة بينها، وتطوير العلاقات بين أطرافها الثلاثة لتصبح أقرب إلى الديانة، وهذا يتطلب من المسلم تحديداً الانسحاب تدريجياً من التمسك بالدين الإسلامي لصالح تقبّل الآخر. باختصار فإن الديانة الابراهيمية سوف تسرق وتؤثر على المسلم وحده، ولن تمس اليهودي أو المسيحي.
ومن الطريف أن ترمب في خطاباته يستخدم دائماً الاتفاقيات الإبراهيمية وعدد الدول التي ستوقع على الاتفاقيات كجوائز يقدمها لنتنياهو ضمن صفقاته الشريرة، ولا يقدم للمسلمين أية جوائز، فالحقيقة أن العرب والمسلمين هم الجائزة؛ وهم الفريسة.
هذه الاتفاقيات هي مجرد منصة للانطلاق نحو العالم الإسلامي والانقضاض على شعوبه كانقضاض الأسد على الفريسة. ومهما سمعنا من مدائح لإبراهيم ونسله، ففي الوقت المناسب سوف يرحل إبراهيم ويبقى شلومو والعم سام يتحكمان بنسل إسماعيل





شارك برأيك
الديانة الإبراهيمية.. اختيار الاسم للانقضاض على الفريسة