أقلام وأراء

الخميس 12 يونيو 2025 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة.. حين تُدفن الضمائر قبل الشهداء!

أمين الحاج
 
في زمن انقلبت فيه المعايير، وتحولت المجازر الى أرقام، والأطفال الى إحصاءات، والدم الى خبر عابر، أو عاجل يُنسى سريعاً، تقف غزة شاهدة على انحدار أخلاقي غير مسبوق، على وقاحة المتواطئين، وانكشاف عُري هذا العالم من الصامتين والمتخاذلين.
فليست القضية في عدد الشهداء، ولا في حجم الركام، بل في اتساع المقابر، واتساع الجوع، وتمدد الموت، مقابل دفن جماعي للضمائر، فغزة لا تحتاج الى باقات ورد من قادة فقدوا لون الدم، ولا إلى بيانات إدانة من مؤسسات صارت بلا معنى، بل الى ضمير حيّ واحد، يصرخ في وجه هذا العالم الميت.
 غزة تُقصف، تُحاصر، تُذبح، ومع ذلك تبقى واقفة، فالذي سقط ليس غزة، بل سقطت الأقنعة، وسقطت المنظومات، وسقط من كنا - حتى الأمس - نظنهم رجالاً!
 فاين الأمة؟ أين العرب؟ أين المسلمون؟ أين اولئك الذين ملأوا المنابر خُطباً، ثم صمتوا حين نطق الدم؟ أين الذين بكوا يوماً على صورة طفلة على الشاطئ، ثم لم يهتز لهم جفن وهم يرون مئات الأطفال يُنتشلون من تحت الركام بلا رؤوس، بلا أسماء، بلا مستقبل؟
 غزة، تلك البقعة الصغيرة المحاصرة بين الموت والمقاومة، لم تضق يوماً بأطفالها ونسائها وشيوخها، بل اتسعت لأحلامهم، لجراحهم، لصمودهم الأسطوري، لكنها اليوم تختنق، لا من ضيق المكان، بل من اتساع الخذلان، من الصمت العربي والإسلامي، من عواصم تزدحم بالبيانات، لكنها تخلو من الفعل، من شاشات تنقل الصور، لكنها لا تُحرك ضميراً، ولا تصنع موقفاً.
 العرب تغيروا، والإنسانية شوهت، وصار كل شيء قابلاً لإعادة التعريف، حتى الحق في الحياة، وحدها غزة بقيت تُعرف نفسها كما كانت دائماً، جرح مفتوح على كرامة لا تموت.
 في غزة، لا ينقص الناس الخبز فقط، بل ينقصهم أن يُشعرهم العالم أنهم بشر كالبشر، لا يبحث الغزّي عن موت أقل ألماً، بل عن حياة تعترف بحقه بالحياة، وهنا تتجلى المأساة، ليست في شح الطعام والدواء، بل في غياب الاعتراف، في انهيار الإنسانية، في صمت المتفرجين.
 ما ضاقت غزة بأهلها، لكن الذي ضاق هو ما تبقى من ضمير الأمة، سقطت النخوة، تبخرت الكرامة، وتحطمت المفاهيم، حتى لم تعد ترى غزة جزءاً من جسدها، قُتلت الضمائر حتى صار الصمت "موقفاً"، والتواطؤ "سياسة"، والخذلان "ذكاء" أو "حنكة" دبلوماسية، ماتت الضمائر حتى أصبح "الحياد" شرفاً، وأصبح قتل المدنيين "شأناً داخلياً".
 وفي ظل هذا الخزي والعري، تبقى غزة الوحيدة التي تقول الحقيقة، بدمها، لا بكلماتها، بجثث أطفالها، لا بتقاريرها، بصمودها، لا بمواثيق العالم المفرغة من القيم، فهل ما زالت الأمة أمة؟ أم أن مفهومها - كما قلنا - هو من ضاق بغزة؟ هل بقي في العروبة مكان لمقاوم أعزل؟ هل بقي في الإنسانية خجل من مشهد طفل ينتشل من تحت الركام؟
 غزة لا تطلب أكثر من أن نراها كما هي، روحاً تقاتل، لا رقماً في تقارير الأمم، غزة لا تريد عطفاً، بل موقفاً، لا تحتاج دموعاً، بل ضمائر دبت فيها الحياة، غزة لم تضق بأهلها، بل ضقنا نحن بها.
 غزة ... حين تتسع المقابر، لا تُفضَح الضمائر فقط، بل تُكشف عوراتنا، وتُحفر أسماؤنا في سجل الخذلان، فاختر لنفسك موقعاً!

دلالات

شارك برأيك

غزة.. حين تُدفن الضمائر قبل الشهداء!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.