طوال فترة الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة منذ بدايتها قبل 19 شهرا، أشرفت وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة ذات الخبرة على توزيع المساعدات الغذائية في القطاع. والآن، تستعد سلطات الاحتلال الإسرائيلي لنقل هذه المسؤولية إلى عدد قليل من المنظمات الخاصة حديثة التكوين ذات التاريخ الغامض والجهات الداعمة المالية غير المعروفة بحسب الخبراء.
ويصف مؤيدو المشروع بأنه مبادرة مستقلة ومحايدة يديرها بشكل رئيسي متعاقدون أميركيون. ويدير المجموعة الرئيسية التي توفر الأمن فيليب إف. رايلي، وهو ضابط كبير سابق في وكالة المخابرات المركزية، بينما يرأس جيك وود، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية، مجموعة لجمع التبرعات، والذي صرّح في مقابلة بأن النظام سيُطبّق تدريجيًا قريبًا.
وعند الإعلان عن هذا الترتيب في أوائل شهر أيار الجاري، قال مايك هاكابي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، إن وصف هذه الخطة بأنها "خطة إسرائيلية" هو أمر غير دقيق على الإطلاق، وفق ما قاله على منصة X ، ملمحا أنها خطة أميركية إسرائيلية. لكن المشروع وفق كل الخبراء، اقترحه مسؤولون إسرائيليون لأول مرة في الأسابيع الأولى من الحرب، وفقًا لما قاله مسؤولون إسرائيليون (وأشخاص مشاركون في المبادرة وآخرين مطلعين على مفهومها، والذين تحدثوا لوكالة أسوشيتد برس بشرط عدم الكشف عن هويتهم للتحدث بحرية أكبر عن المبادرة).
من جهتها، وجدت صحيفة نيويورك تايمز أن الخطوط العريضة للخطة نوقشت لأول مرة في أواخر عام 2023، وفي اجتماعات خاصة لمسؤولين متشابهين في التفكير وضباط عسكريين ورجال أعمال تربطهم علاقات وثيقة بالحكومة الإسرائيلية.
يشار إلى أن الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، قالت في ردها على سؤال مراسل القدس لهذا الشأن، أن الهدف من وراء هذه الخطة هو حرمان عناصر حركة حماس من الاستيلاء على هذه المساعدات، بعد أن كررت أكثر من مرة في ردها أن حماس هي التي تمنع المساعدات من الدخول إلى غزة.
وأطلقت المجموعة على نفسها اسم "منتدى مكفيه إسرائيل"، نسبةً إلى كلية اجتمع فيها الأعضاء في كانون الأول 2023. واستقرت شخصياتها القيادية تدريجيًا على فكرة الاستعانة بمقاولين من القطاع الخاص لتوزيع الغذاء في غزة، متجاوزين بذلك الأمم المتحدة. وطوال عام 2024، عززوا الدعم بين القادة السياسيين الإسرائيليين وبعض القادة العسكريين، وبدأوا في تطويرها مع مقاولين أجانب، وعلى رأسهم رايلي. وصُممت الخطة لتقويض سيطرة حماس على غزة، ومنع وصول الغذاء إلى أيدي المسلحين أو السوق السوداء، وتجاوز الأمم المتحدة، التي لا يثق بها المسؤولون الإسرائيليون ويتهمونها بالتحيز ضد إسرائيل بحسب نيويورك تايمز.
وجادل المسؤولون الإسرائيليون أيضًا بأن خطتهم ستنقل التوزيع من المناطق الفوضوية الخارجة عن القانون إلى مناطق خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. ورفض مسؤولو الأمم المتحدة الخطة، مشيرين إلى أنها ستقتصر على أجزاء محدودة من غزة، وحذروا من أنها قد تعرض المدنيين للخطر بإجبارهم على السير لأميال، عبر الخطوط العسكرية الإسرائيلية، للوصول إلى الغذاء. كما حذرت الأمم المتحدة من أن النظام قد يُسهّل خطة إسرائيلية لتهجير المدنيين من شمال غزة، لأن مواقع التوزيع الأولية ستكون في الجنوب فقط.
ويعتقد الخبراء أن إسرائيل تهدف إلى السيطرة على جميع المساعدات المقدمة إلى غزة بمساعدة الولايات المتحدة.
المقترح ألإسرائيلي:
اقترحت إسرائيل نظامًا جديدًا تتولى فيه منظمة مدعومة من الولايات المتحدة، وهي مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، توزيع الغذاء في غزة. وتهدف هذه الخطة إلى تجاوز منظمات الإغاثة القائمة، بما في ذلك الأمم المتحدة، وحصر توزيع المساعدات في مراكز محددة ومؤمنة.
التدخل الأميركي:
على الرغم من تقديم مؤسسة غزة الإنسانية ككيان مستقل، إلا أنها ترتبط بمسؤولين إسرائيليين، وتحظى بدعم متعاقدين أمريكيين للأمن والخدمات اللوجستية. وقد أدى ذلك إلى اتهامات بأن الخطة هي في جوهرها مبادرة إسرائيلية، على الرغم من ادعاءات المسؤولين الأميركيين بحيادها. ٣
المخاوف والجدل:
· رفض الأمم المتحدة: رفضت الأمم المتحدة التعاون مع صندوق الإغاثة العالمي، مشيرةً إلى مخاوفها من تسييس المساعدات واستخدامها كورقة مساومة.
· المبادئ الإنسانية: تُجادل منظمات الإغاثة بأن الخطة تنتهك مبادئ الحياد والنزاهة الإنسانية، إذ يبدو أنها تخضع للسيطرة الإسرائيلية.
· فعالية المساعدات: يُجادل المنتقدون بأن النظام الجديد سيكون أقل فعالية في الوصول إلى المحتاجين، وخاصة الفئات السكانية الضعيفة مثل كبار السن والأطفال.
· احتمال النزوح: هناك مخاوف من إمكانية استخدام الخطة لإجبار الفلسطينيين على التوجه نحو مراكز التوزيع، مما قد يُفاقم النزوح.
تغيير محتمل في النهج:
تشير بعض التقارير الأخيرة إلى أن إسرائيل قد تُعيد النظر في اقتراحها الأولي، وقد تسمح لمنظمات الإغاثة القائمة بمواصلة إدارة المساعدات غير الغذائية، بينما يُركز صندوق الإغاثة العالمي على توزيع الغذاء. ومع "تزايد الضغوط لإدخال المزيد من المساعدات إلى غزة، يبدو أن إسرائيل تُغير نهجها، وقد تسمح لمنظمات الإغاثة العاملة في القطاع المحاصر بالبقاء مسؤولة عن المساعدات غير الغذائية، بينما تترك توزيع الغذاء لمنظمة جديدة مدعومة أميركيًا، وفقًا لرسالة حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس".
يشير هذا التطور إلى أن إسرائيل قد تتراجع عن خططها للسيطرة الصارمة على جميع المساعدات المقدمة إلى غزة، ومنع وكالات الإغاثة المتواجدة في القطاع من إيصالها بالطريقة التي اعتادت عليها في الماضي.
وتتهم إسرائيل حماس باختلاس المساعدات، لكن الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة تنفي وجود أي تحويل كبير في مسارها. ورفضت الأمم المتحدة خطة إسرائيل، قائلة إنها تسمح لإسرائيل باستخدام الغذاء كسلاح، وتنتهك المبادئ الإنسانية، ولن تكون فعالة.
لم يتضح بعدُ من يمول "مؤسسة غزة الإنسانية "GHF. وتُدار مؤسسة GHF، التي لم تبدأ عملها بعد في غزة، من قِبل متعاقدين أمنيين وضباط عسكريين سابقين ومسؤولين عن المساعدات الإنسانية، وتحظى بدعم إسرائيلي.
وتُعلن المؤسسة عن خططها لإدارة المساعدات الغذائية، بدءًا من عدد قليل من المراكز في جنوب ووسط غزة، مع متعاقدين مسلحين من القطاع الخاص لحراسة التوزيع. وسيتم افتتاح مواقع إضافية خلال شهر، بما في ذلك في شمال غزة.
وتُعارض منظمات الإغاثة مؤسسة GHF وخطط إسرائيل لتولي إدارة المساعدات الغذائية، مُشيرةً إلى أنها قد تُهجّر أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين قسرًا بدفعهم نحو مراكز التوزيع، وأن المؤسسة لا تملك القدرة على تلبية احتياجات الفلسطينيين في غزة.
وزعمت مؤسسة GHF، أنها حصلت على التزامات تزيد عن 100 مليون دولار من جهة مانحة حكومية أجنبية، لكنها لم تُسمِّ هذه الجهة. وجاء في الرسالة أن وود، من مؤسسة GHF، أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرؤساء التنفيذيين لست منظمات إغاثة لمناقشة الخطط الجديدة، بما في ذلك منظمة إنقاذ الطفولة، والهيئة الطبية الدولية، وخدمات الإغاثة الكاثوليكية، ومنظمة ميرسي كوربس، ومنظمة كير الدولية، ومشروع الأمل، دون نشر نتائج هذه الاتصالات، وما إذا أدت للتفاهم بشأن آلية التوزيع.





شارك برأيك
توزيع المساعدات عبر "مؤسسة غزة الإنسانية" يهدف إحكام السيطرة الإسرائيلية بشكل الكامل