أقلام وأراء

الأحد 11 مايو 2025 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

عائلة بأكملها في قبضة الغياب... حين تُقصف السماء الذاكرة

في فجر لا يشبه الفجر، وتحت سماء كانت تغفو على أحلام البسطاء، اخترقت صواريخ الاحتلال سقف الحياة في منطقة الكرامة شمال مدينة غزة، لتمحو في لحظة واحدة عائلة بأكملها من السجل المدني، ومن ذاكرة الجغرافيا، لكنها حفرت أسماءهم في وجدان الأمة إلى الأبد. ارتقى الدكتور رفيق موسى عايش، العالم والطبيب، بصحبته زوجته إيمان مطير، سيدة البيت والقلب، وأبناؤهما الحفّاظ لكتاب الله: المهندس محمد، وياسين، وعمر، وابنتاهما: الدكتورة وفاء، والمهندسة دعاء، وكل منهم قصة قائمة بذاتها، ومستقبل واعد لم يُمهل أن يتحقق. لم يكن المنزل في الكرامة مجرد بناء من حجر، بل كان معبدًا صغيرًا للعلم، والإيمان، والمثابرة. كل زاوية فيه تنبض بآيات الحفظ، ودفاتر الدراسة، وحوارات العائلة المتعلمة المتواضعة، التي رأت في العلم رسالة، وفي الإيمان نبراسًا، وفي فلسطين أرضًا لا تقايض. جاءت الطائرات تحمل موتًا لا يفرق، ونفذت مهمتها بدمٍ بارد، كأنها تمحو رقمًا لا بشرًا، وتبخر سيرة لا عشيرة، وتحرق ذاكرة لا وجوهًا حفظها الجيران والمحبون عن ظهر قلب. لم تكن عائلة عايش في مرمى الخطر لأنها حملت سلاحًا، أو دبرت عملية، أو احتضنت مقاومين، بل لأنها بقيت في غزة، وصمدت، وربّت أبناءها على حب الوطن، وحفظ كتاب الله، والإيمان بأن الغد – مهما تأخر – آتٍ لا محالة. هذه الجريمة، مثل آلاف قبلها، تمر على الشاشات كخبر عابر، لكن من يعيشون التفاصيل يعرفون أن الاحتلال لم يقصف فقط بيتًا، بل قصف رمزًا. قصف نموذجًا لعائلة فلسطينية متعلمة، محافظة، ساهمت في بناء مجتمعها بهدوء، وصبرت على الحصار، وتفوقت في التعليم، وبقيت في الصف الأول من الصابرين. دماء عائلة عايش لن تجف، لأنها ليست مجرد ضحايا، بل شهداء للقيم التي نفتقدها: التضحية، العلم، النقاء، والعمل الصامت. لقد استهدفت طائرات الاحتلال كل شيء جميل في هذه العائلة دفعة واحدة، كأنها تعلن الحرب على المعرفة، على الدين، على الأسرة، على الأمل. لكن ما لا تعرفه هذه الطائرات أن الدم لا يُمحى، وأن الأسماء التي تُكتب بالحبر على شهادات التخرج ستُكتب اليوم بالدم على جدران التاريخ. قد تُمحى العائلة من السجل المدني، لكن اسمها سيتردد في المساجد، وفي قصائد الشعر، وعلى لسان طفل سيسمع عنهم بعد عشرين عامًا، فيقرر أن يسلك درب العلم والمقاومة معًا. رفيق، إيمان، محمد، ياسين، عمر، وفاء، دعاء... هذه ليست مجرد أسماء. هذه أيقونات لعائلة واحدة كانت تمثل وطناً بأكمله، ولحظة واحدة كانت تمثل مأساة عمرها سبعة عقود، وقذيفة واحدة كانت تمثل حقيقة الاحتلال التي يحاول البعض تجميلها. أما غزة، فستمضي، وستحمل صورهم في شوارعها، وتذكرهم في خطب الجمعة، وتخلدهم في ذاكرة لا تعرف النسيان، لأن فلسطين لا تموت، وأهلها لا يُهزمون حتى وإن سقطوا شهداء..

دلالات

شارك برأيك

عائلة بأكملها في قبضة الغياب... حين تُقصف السماء الذاكرة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.