محمولين على كل ذرة ترابٍ من أرض غزة الطهور، وعلى كل لحظة ألمٍ وفجيعةٍ كابدوها في طريق الآلام ودرب الجلجلة الطويل، يعود المعذبون، بعد نحو خمسة عشر شهراً من حرب الإبادة التي أهلكت الحرث والنسل.
خفافاً وثقالاً، مشاةً وعلى كل ضامر، يملأ قلوبَهم الإيمان، وتلهج ألسنتهم بالدعاء، يعود الغزيون إلى الحياة، مثل فينيقٍ ينهض من تحت الرماد ليُحلّق من جديد، يفرد أحلامه، ويُضمد جراحه، ويُجدد عزمه على مواصلة الطريق، بالرغم مما أصاب القلوب من فجيعةٍ بفقد الأحبة في رحلةٍ جبليةٍ صعبة، كما هي سيرة الفلسطيني منذ سنوات النكبة الأولى، التي أعاد أحفاد مرتكبيها إنتاج أهوالها بحق أحفاد ضحاياها.
يعود النازحون مهللين مكبّرين، كما لو أنهم على صعيد عرفة الطاهر في يوم الحج الأكبر، يؤدون مناسكهم في النفرة إلى منازلهم، بعد أن قدموا التضحيات، لا الأُضحيات، من نجيع قلوبهم بفقد آبائهم وأُمهاتهم وأبنائهم وبناتهم وأجدادهم وجداتهم، ممن أُكرهوا على مغادرتها تحت الأحزمة النارية والقنابل الأمريكية ذات الأوزان الثقيلة.
يتجلّد العائدون على وجيعة قلوبهم، ويصبرون على ما أصابهم من لأواء في طريق الآلام، فمنهم من قضى نحبه، وسالت روحه في درب الجلجلة، ومنهم من لا يزالون يُكابدون أوجاعهم، التي لن تغادر أجسادهم، ولن تسقط من ذاكرتهم.
"ماتوا إخوتي، وكل أهلي، لكن أنا مليش نصيب أستشهد معهم"، عبارة مزلزلة، باحت بها السيدة الثمانينية التي افترشت الرمل، بعد أن خارت قواها من عناء المشي في طريق الآلام… عبارةٌ تلخّص مخزون الأوجاع التي تعتمل القلوب الصابرة من الفجيعة المدوّية.
"إنه الفلسطيني يا غبي"، عبارةٌ منحوتةٌ من قول الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون "إنه الاقتصاد يا غبي"، في إشارته إلى أسباب القوة، وعوامل المنعة للدولة العظمى.
العودة المليونية للغزيين، أمس، هي الرد الطبيعي على دعوة الإبادة الجماعية التي حرّض عليها أمس أحد الصحفيين في إحدى قنوات التلفزة الإسرائيلية على وقع ذهوله من مشاهد العائدين، إذ قال: "كان يجب أن نقضي على مليوني فلسطيني في غزة"، مثلما هي ردٌّ سريعٌ على دعوات التهجير وجرائم التطهير التي نطق بها بخفةٍ رجلُ العقارات وصاحب الصفقات، العائد من جديد إلى البيت الأبيض، الذي يتحرش بالدول المستقرة، كما يتحرش بضحاياه من النساء، اللائي حاول عبثاً إسكاتهن وشراء صمتهن.





شارك برأيك
إنه الفلسطيني يا غبي!