فلسطين

الخميس 29 أغسطس 2024 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

فـي الـذكـرى الـ23 لاسـتـشهاده.. أبو علي مصطفى.. حديث لم يُنشَر

رام الله -"القدس" دوت كوم

بـعـد خـــروجـــي مـن الـسـجـن تـمـت تـرقـيـــتــي إلى عضـــو شـعـبــــة
الصلابة والصمود في المعتقل كانا معيارين أساسيين لتقييم العضو في الحركــة
في هـذه الـمـرحـلـة بـدأ تـكـويـن الـمـنـظـمـة الـسـريـة "الـعـمــل الـفـــدائــي"
الخـط المــتواصـل من الشـمـال إلــى الخـلـيـــل كـان خــطـاً ســاخــنـاً


أجرى اللقاء : إبراهيم ملحم (عام 2000)


خرجتَ من سجن الجفر الصحراوي، وتسلمت مسؤولية الشمال، في تلك الفترة كنت عضوًا غير معروف، وكانت هناك كوادر كبيرة مؤهلة ومعروفة في حركة القوميين العرب، هل لفتَّ الأنظار إلى نفسك في تلك الفترة؟ ولماذا تبوَّأت هذه المواقع في الوقت الذي كان فيه هناك قياديون معروفون في الحركة؟


التقييم الذي كانت تعطيه قيادة الحركة للشخص بعد خروجه من المعتقل يتوقف على: هل كان صلبًا أم لا؟ صامداً أم لا؟ هذه هي المعايير التي كانت تعتبر مقياسًا أساسيًّا. يضاف إلى هذه المعايير مدى استعداد العضو للخروج وتحمل المسؤوليات بعد كل تلك السنوات.


كانت للعمل شروطه وقوانينه القاسية والصارمة، في ذلك الوقت كان يجب أن تجمع في العمل ما بين السرية والتواصل. كانت في الحركة آنذاك مراتب اسمها الشُّعَب، والتي تتوزع المسؤوليات على أعضائها، سواء على مستوى تولي مسؤولية منطقة، أو قطاع آخر، مثل قطاعات العمال، أو قطاع عمل خاص.


شهدت تلك الفترة بداية تشكيل العمل الخاص العسكري، وكان هذا الأمر يُسند إلى أفرادٍ بعينهم، وبعد خروجي من المعتقل رُقِّيتُ إلى مستوى عضو شعبة، وكنت في مستوى أقل لدى اعتقالي. كانت عضوية الشعبة تعني تولي مسؤولية منطقة ومحيطها، مثلًا: مسؤول نابلس عضو شعبة، مسؤول قلقيلية عضو شعبة، مسؤول طولكرم عضو شعبة، هذه العضوية كانت تعتمد على مدى قدرة كل شخص على تحمل مسؤولية موقع ما، ولم يكن في منطقة شمال الضفة مسؤول، وتوليت المسؤولية وقتها في هذا السياق. وإلى جانب هذا كان على العضو أن يجمع بين شخصيته المعروفة، وبين أن يعمل في تشكيلات غير معروفة، إذ من الممكن أن يكون لها نشاطات مثل توزيع البيانات، والدعوة لعمل إضراب في المدارس، وتعبئة الناس وخروجهم في مظاهرات عند وقوع حدثٍ ما.


والأهم أن تلك الفترة بدأت تشهد تكوين المنظمة السرية التي كنا نسميها العمل الخاص، وهو العمل الفدائي.


هذا الأمر لم يكن معروفًا إلا لبعض الأفراد، من رأس الحركة في إقليم فلسطين مع الأشخاص المنوطة بهم هذه المسؤولية.


 هذا الخط المتواصل من الشمال إلى الخليل كان يعتبر خطًا ساخنًا، وكان علينا آنذاك تكليف أفراد معينين ليشكلوا وحدات يمكن أن تكون نواة عمل فدائي، وتتدرب وتتسلح بطريقة ما على أن يكون هذا خارج البلد. كانت هذه هي النقطة الحساسة، لم تكن لدينا مشكلة كبيرة في حال كُشِف أن قطاعًا طلابيًّا في الدراسة الثانوية ينتسب لحركة القوميين العرب. 


أما النقطة الأخطر فكانت مرتبطة بالعمل الخاص، حيث كان شعار الحركة آنذاك هو "فوق الصفر وتحت التوريط"، لأن الحركة كانت تحرص على مراعاة العلاقة مع عبد الناصر، وكان علي علي عامر، قائد الجيوش العربية آنذاك، يعتبر أن أي عمل فدائي على الجبهة المواجهة لإسرائيل يمكن أن يلحق الضرر بالجيوش العربية، ويفتح المعركة في غير أوانها، لذلك كانوا يسمونه توريطًا، فكانت الحركة بحكم التحالف مع عبد الناصر تعتبر أنه من الممكن أن تكون لديها نية للتحرك، لكن تحت سقف التوريط. بمعنى تنظيم دوريات استطلاع مثلًا، وإذا أخذنا سلاحًا لا نقاتل به، بل نسلمه لأناس آخرين في الداخل، وغيرها من المسائل، لكن دون الاشتباك أو خوض معركة مع الإسرائيليين، تلك هي السياسة التي كانت متبعة آنذاك.



وبقي الحال هكذا حتى العام 1966، حيث كنا نوزع الأفراد على دورات بشكل لا يلفت الانتباه، حينها ذهبت لدورة ضباط فدائيين في العام 1965 في مدرسة أنشاص الحربية، وكان السفر بترتيبات من الحركة في الخارج مثل: الباسبورت المزور، والاسم غير الحقيقي... وغيرها من الأمور. وبالتالي يتدرب الأفراد ثم يعودون، ويأخذون مواقعهم، ويؤدون عملهم المدني، فيبقى المزارع مزارعًا، والموظف موظفًا، لم تكن هناك سياسة التفرغ، هذه السياسة عُرفت في زمن المقاومة.


وقتها، بعد خروجي من السجن، اشتغلت فترة بسيطة في عمان، ثم انتقلت بقرار من الحركة إلى منطقة الشمال، كنت أنا ومسؤول الإقليم متفرغين. حتى المحل الذي فتحناه في جنين كان للتمويه، لكن الأساس كان هو العمل الخاص.

بعد خروجك من السجن ازدادت مهامك، وتحمَّلت أعباء أخرى، هل كان السجن بمثابة حاضنة لنمو أفكارك؟
السجن بالنسبة لي، وتحديدًا معتقل الجفر، كان بمثابة الجامعة، إن مستوى الكفاءات العلمية والثقافية والأكاديمية الموجودة داخل السجن كان عاليًا جدًا. وكان السجن يعجُّ بشخصيات مثقفة، وأيامنا فيه لا تذهب سُدَى.
كان شغلنا الشاغل في المعتقل أن نبني أنفسنا. طيلة الوقت الذي أمضيناه في المعتقل، لم نكن نعلم شيئًا عن العالم الخارجي، والزيارات كانت ممنوعة، حيث قضيت الأعوام الخمسة دون زيارة، وقمنا بعدها بإضراب واحتجاجات على ذلك، فخافت إدارة السجن وجلبوا جهاز راديو ووضعوه في إدارة السجن التي تبعد عن المعتقل حوالي كيلو مترًا ونصف، حيث وضعوا الراديو في المركز، والسماعات في مهاجعنا، وبقي الراديو طيلة الأعوام الخمسة على إذاعة عمان نسمع منها الأخبار، وعندما وقعت حادثة نسف رئاسة الوزراء وقُتِل فيها هزّاع المجالي، سمعنا الخبر من الراديو.
الشخص الوحيد الذي كان أحيانًا تتسرب لنا من خلاله معلومة أو رسالة صغيرة هو متعهِّد التموين من معان، وهو شخص من عائلة المحتسب من الخليل، ووقتها كنت أنا مسؤول إدارة التموين.
كانت الحياة في المعتقل حينها حياة داخلية تخضع لبرنامج، مثل الرياضة الصباحية، والنظافة، ثم طورنا الحياة داخل المعتقل بالزراعة، حيث خططنا برنامجًا للإصلاح الزراعي للاستفادة من المساحات الرملية في المعتقل، وكان بيننا مهندسون زراعيون، وبدأنا نزرع الخضروات مثل البصل والفجل.
أما أهم جزءٍ في البرنامج داخل السجن فكان الجزء الثقافي، نقسِّم أيامنا بين الشعر والأدب والسياسة والفكر، يومًا نقرأ عن الإسلام، ويومًا عن الماركسية، وثالثًا في الثقافة القومية، وكنا نُعِدُّ مواد للعرض والدرس والمناقشة، وبالتالي كان المعتقل يضجُّ بالحيوية وكأننا في الجامعة.
إنني أنظر إلى السنوات التي قضيتها في معتقل الجفر باعتبارها أفضل مدرسة استوعبت فيها الموضوع الفكري والسياسي والتنظيمي، أكثر مما لو كنت بالخارج، لأن حياتي في السجن كلها كانت وقفًا على هذا الموضوع.

دلالات

شارك برأيك

فـي الـذكـرى الـ23 لاسـتـشهاده.. أبو علي مصطفى.. حديث لم يُنشَر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.