أقلام وأراء

الثّلاثاء 27 فبراير 2024 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

الحاجة لإجماع وطني لمواجهة الإجماع الإسرائيلي على العدوان

يمكن النظر إلى حرب الإبادة والتطهير العرقي التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، والتي تستهدف في جوهرها الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية، و"تصحيح" ما يسميه عتاة اليمين الإسرائيلي بالخطأ التاريخي لحكومات إسرائيل الأولى التي لم تقم بطرد الفلسطينيين خارج حدود فلسطين الانتدابية، أي استكمال نكبة 48 في العام 2024.


اعتبرت حكومة الحرب والإبادة والتهجير "انفجار السابع من أكتوبر" فرصة سانحة للقيام بعملية تهجير واسعة النطاق لأهالي قطاع غزة، وهو ما أعلن عنه مباشرة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والذي قدم مقترح تهجير سكان قطاع غزة إلى سيناء إلى حين انتهاء العملية العسكرية في قطاع غزة، كما طالب به بالترانسفير وزراء من هذه الحكومة سيما بن چڤير وسموتريتش، بالإضافة لوزير الزراعة رئيس الشاباك السابق آڤي ديختر الذي بشر أهل غزة بنكبة الـ48.


يمكن القول: إنه دون رفض السلطات المصرية لمقترح نتنياهو، واعتبار ذلك أنه بمثابة تهديد للأمن القومي المصري، لكانت عملية التهجير قد تمت بالفعل، خصوصاً وأن السلوك العدواني الإسرائيلي بات يستهدف الفلسطيني في كافة أماكن تواجده داخل القطاع، فحتى الأماكن التي أعلن عنها آمنة كانت وما زالت هدفاً لعمليات القصف والاجتياح البري الإسرائيلي، وصولاً إلى ليس مجرد التلويح بل الإصرار على تنفيذ عملية عسكرية في مدينة رفح الواقعة جنوب القطاع، والتي تؤوي أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني، جميعهم نازحين هربوا من آلة القتل الإسرائيلي في شمال الوادي ومناطق خانيونس والوسطى، هدفها الأساسي دفع النازحين تلقائياً إلى اختراق الحدود هرباً من الموت، وبالتالي جعل التهجير أمراً واقعاً.


تحظى العملية العسكرية في قطاع غزة بإجماع إسرائيلي، وتشير كافة استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 60% من الجمهور الإسرائيلي يؤيد العملية العسكرية في قطاع غزة، ويؤيد ضرورة أن تستكمل قوات الجيش الإسرائيلي العملية العسكرية في رفح.


كما أن المعارضة السياسية في إسرائيل ليست خارج هذا الإجماع، ولقد قدم لابيد زعيم المعارضة في إسرائيل مساحة الأمان لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في الذهاب إلى صفقة لتحرير الرهائن واستكمال العملية العسكرية، في حال انسحبت قوى اليمين الإسرائيلي من الحكومة.


فهل يواجه هذا الإجماع الإسرائيلي بإجماع فلسطيني؟ هذا الإجماع لن يتحقق طالما بقيت حالة الانقسام السياسي، والاستفراد بالقرار الفلسطيني، ومحاولة مصادرة الآخر في الواقع الفلسطيني، وللأسف فإنه ورغم الضرورة الوطنية الملحة يبدو أن المهيمنين على المشهد العام لا يرغبون باستثمار فرصة لقاء موسكو لتجاوز حالة الاختلاف بفعل استمرار طغيان المصالح الضيقة والفئوية التي تعتبر العقبة الرئيسية لإنجاز متطلبات الوحدة والتوافق، بل وربما ينتظرون ما هو أكثر من ذلك. وإلا، فما الذي يفسر رفض التوجه نحو الإسراع في تشكيل حكومة وفاق وطني مدعومة من الكل الفلسطيني، وإعادة بناء (م ت ف) لتضم جميع أطياف العمل السياسي والاجتماعي الفلسطيني، وبما يشمل حركتي حماس والجهاد، وإعادة الاعتبار لمكانتها التمثيلية كجبهة وطنية متحدة؟ وما يتطلبه ذلك من مراجعة وطنية تفضي إلى إعادة بناء من المشروع الوطني.


إن حرب الإبادة الجماعية التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، إضافة إلى أن الاقتحامات الممنهجة وعمليات القتل واليومية في كافة مدن الضفة الغربية، تكشف شمولية مخططات محاولة إخضاع الشعب الفلسطيني وتهجيره في سياق خطة الضم التي تسير على قدم وساق، هذا من ناحية.


كما أن ذلك يؤكد مدى الحاجة الملحة فلسطينياً إلى استعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الإطار الجبهوي الجامع لقيادة مرحلة التحرر الوطني، وصاحب الحق الحصري والتمثيلي لكل أبناء الشعب الفلسطيني، وذلك باعتبارها الكيانية السياسية التي نجحت في سنوات مضت من تحويل القضية الفلسطينية من قضية كان ينظر إليها باعتبارها قضية إنسانية لجماعات من اللاجئين الذين تم اقتلاعهم وتشريدهم داخل وخارج فلسطين التاريخية عقب نكبة آيار 1948، إلى قضية سياسية لشعب يناضل من أجل انتزاع حقوقه العادلة والمشروعة في العودة وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس على كامل الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1967، والتي اعتبرت و ما تزال الركائز الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني، كما أنها شكلت التعبير الهوياتي والسياساتي عن كافة الآمال والتطلعات الفلسطينية.


يشكل غياب منظمة التحرير الفلسطينية عن المشهد الحالي لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، ومحاولتها لتصفية قضيته والانقضاض على حقوقه، باعتبارها فرصة إسرائيلية مواتية للتخلص أولاً من الكتلة الديمغرافية الكبرى في قطاع غزة، من خلال محاولة فرض سياسية التهجير (الترانسفير) بشكليه القسري والطوعي من خلال خلق بيئة طاردة للحياة في قطاع غزة، والتي عبر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو صراحة من خلال إرجاع غزة إلى العصر الحجري، وذلك باستهداف كافة مقومات الحياة من بنى تحتية أساسية مثل المدارس والمستشفيات والجامعات، وشبكات الصرف الصحي والمياه والكهرباء والاتصالات ..إلخ.


إن ذلك هي الصورة التي تسعى من خلالها إسرائيل إلى ضرب عصفورين بحجر واحد؛ الأول إجبار الفلسطينيين على التفكير عميقاً في الهروب من جحيم واقع الحياة في القطاع بعد الحرب أو خلالها، والثاني استعادة صورة الردع الإسرائيلية التي تآكلت وتهاوت أمام أحداث السابع من أكتوبر، وهو ما أشار إليه نتنياهو بالحديث عن النصر المطلق الذي يبحث عنه، ونظرة دول العالم للرد الإسرائيلي وكيفية تعاملها مع الحدث.


إن غياب منظمة التحرير الفلسطينية الحاملة للمشروع الوطني الفلسطيني، والذي هو في أساسه النقيض المباشر للمشروع الصهيوني، جعل من الشعب الفلسطيني يبدو مكشوفاً أمام إسرائيل ولقمة سائغة تستبيحه عنصرية آلتها العسكرية بكل قوتها الاجرامية دون حول أو قوة.


لم يكن هذا الغياب وليد اللحظة الراهنة، أو ناجم عن عجز آني أمام قوة الهجمة الإسرائيلية، بقدر ما هو نابع من سوء تقدير إستراتيجي فلسطيني منذ اللحظة التي بدأت فيها السلطة الفلسطينية الوليدة في منتصف تسعينات القرن الماضي عقب توقيع اتفاق أوسلو، بتهميش المنظمة لصالح السلطة، ومصادرة كافة صلاحياتها، حتى فقدنا كشعب وحدة المصير المشترك، والتمثيل الجامع.


لقد باتت السلطة، والتي يقتصر تمثيلها على سكان الأراضي المحتلة 1967 وتشمل الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، هي الجسم التمثيلي للكل الفلسطيني، ثم جاء الانقسام السياسي الفلسطيني الداخلي ليزيد الطين بلة، ويقسم الشعب الفلسطيني إلى قسمين؛ واحد تمثله السلطة في رام الله، والآخر تمثله حركة حماس في قطاع غزة، وما رافق ذلك الانقسام من هيمنة واستحواذ ومصادرة لدور منظمة التحرير الفلسطينية والتي باتت مجرد دمية يتم استحضارها في التوظيف السياسي لإدارة حالة الإنقسام السياسي الذي فشل معه الكل الفلسطيني في تدارك الخطر الإسرائيلي الهادف إلى تصفية القضية والمشروع الوطني، والذي استثمر في الانقسام الفلسطيني لتحقيق مبتغاه.


إن مواجهة الحرب الدائرة الآن في غزة، والتي لا تقف حدودها مطلقاً عند مستقبل غزة، بل مستقبل القضية والمشروع الوطني الفلسطيني برمته، تتطلب معالجة واستجابة فلسطينية فاعلة وسريعة تتناسب مع حجم وطبيعة الهجمة الإسرائيلية.


أولى خطوات تلك المعالجة تكمن في استعادة منظمة التحرير الفلسطينية لدورها الأساس والمحوري كحامل للمشروع الوطني الفلسطيني، وذلك من خلال إعادة بناء وتفعيل مؤسسات المنظمة وأذرعها المختلفة، عبر إجراء مراجعة تاريخية ومسؤولة، تأخذ في الحسبان ضرورة التجديد الديمقراطي الفاعل لكافة أطر المنظمة وإصلاحها، واستعادة مكانتها كإطار وطني جامع وتعبير سياساتي للكل الفلسطيني، ينتظم الجميع تحت لوائها، دون محاولة توظيفها لخدمة هذا الطرف أو ذاك، وإنما لخدمة القضية والشعب الفلسطيني.


إن تجديد وإعادة بناء وهيكلة المنظمة وإصلاحها هي الخطوة الرئيسية في إطار المواجهة الشاملة مع محاولات الاقتلاع والتفكيك الإسرائيلية والهادفة لتصفية القضية، الأمر الذي يتطلب فعلاً فلسطينياً قادراً على مواجهة التحديات، والنهوض بالطاقات الكامنة لدى الشعب الفلسطيني بما يعزز صموده وبقاءه على الأرض، وإلا فإن نذر حالة التيه والشتات الفلسطيني من جديد ستطل برأسها على الشعب الفلسطيني، كما أطلت من قبل عشية نكبة آيار 1948، وتفكك الحقل السياسي ما قبل النكبة، وهو ما يجب أن تنتبه له القوى السياسية والمجتمعية في الشارع الفلسطيني.


أولى الدروس التي يجب الانتباه إليها فيما يحدث الآن من غياب فلسطيني عن مشهد التحضير الإسرائيلي والدولي والعربي على اختلاف توجهاته للمستقبل الفلسطيني، يستدعي حضوراً فلسطيناً مؤثراً وقادراً على فرض ذاته في المشهد الدولي والإقليمي، وهذا لن يكون في ضوء غياب منظمة التحرير الفلسطينية، التي يجب عليها أن تخرج من حالة الوهن والعجز، وأن تعيد بناء حالة الإجماع الوطني في مواجهة الإجماع الإسرائيلي، وأن تقفز إلى صدارة المشهد، وألا تتركنا عرايا دون جسم حقيقي قادر على حماية القضية والشعب من التصفية والضياع كما تريد لنا إسرائيل، فهل يكون لقاء موسكو القادم بارقة أمل لاستعادة الإجماع الوطني في مواجهة الإجماع الإسرائيلي؟


وأخيراً، فإن استمرار احتكار ومصادرة القرار الوطني بما يخص الشأن العام، سيّما فيما يتعلق بالتوافق على حكومة وفاق وطني مدعومة من الكل الوطني ومرجعيتها حالة التوافق، ستضعف أمل الناس بأن المهيمنين على المشهد العام غادروا حساباتهم الشخصية، وسيكون ذلك عاملاً جوهرياً لتنفيذ خطط التهجير، خاصة أن ذلك سيكون معطلاً لمتطلبات إعادة الإعمار، فما بالكم بوقف هذه الحرب الإجرامية!

دلالات

شارك برأيك

الحاجة لإجماع وطني لمواجهة الإجماع الإسرائيلي على العدوان

المزيد في أقلام وأراء

١٧ نيسان : فلتهز صرخة أسرى فلسطين المدوية أرجاء العالم

حديث القدس

إيران ضربت إسرائيل في حزامها

حمدي فراج

الفلسطينيون والمنطقة بدون الأونروا؟!

علي هويدي

مقبرة مستشفى الشفاء الإجرامية

حمادة فراعنة

جبهة الضفة الغربية تشتعل

راسم عبيدات

الاحتلال الإسرائيلي وترتيبات اليوم السابق لانتهاء الحرب على غزة

محسن محمد صالح

تومــاس فريدمــان والنصائح المسمومة‎

هاني المصري

"الاستدامة والابتكار: كيف تغير البنايات الذكية المشهد العمراني؟"

المهندس حسين هريش

إسرائيل تقرر ضرب ايران والشرق الأوسط في حالة غليان

حديث القدس

عيدُ غزةَ .... ؟!

عطية الجبارين

هُزمت إسرائيل.. فهل انتصرت المقاومة؟

ياسر سعد الدين

مسرح أم لا مسرح...

سهيل كيوان

ضربة محدودة بقرار مسبق

حمادة فراعنة

قيمة الإنسان.. بين المنظومة الغربية والإسلامية

مصطفى عاشور

اجتياح رفح والاسئلة الصعبة

يحي قاعود

الرد الإيراني ... رسالة لها أبعادها

حديث القدس

في الرد الإيراني وتداعياته

راسم عبيدات

جر أميركا لحرب غير مطلوبة

حمادة فراعنة

"رغبة الطفل العنيد باللعب"

سماح خليفة

وليد دقة.. وقد أوغلوا في قتلك ولم تمت

بهاء رحال

أسعار العملات

الأربعاء 17 أبريل 2024 10:24 صباحًا

دولار / شيكل

بيع 3.77

شراء 3.75

دينار / شيكل

بيع 5.31

شراء 5.28

يورو / شيكل

بيع 4.0

شراء 3.95

رغم قرار مجلس الأمن.. هل تجتاح إسرائيل رفح؟

%70

%25

%5

(مجموع المصوتين 113)

القدس حالة الطقس