أعلنت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن اختيار خليل الحية رئيساً جديداً لمكتبها السياسي، وذلك في أعقاب انتخابات داخلية جرت يوم الاثنين الموافق العشرين من يوليو الجاري. ويأتي تولي الحية لهذا المنصب الرفيع خلفاً للقائد يحيى السنوار، في مرحلة فارقة من تاريخ الحركة والقضية الفلسطينية بشكل عام.
وقد كشفت نتائج الاقتراع الداخلي عن منافسة محتدمة، حيث حسم الحية الفوز بعد حصوله على 35 صوتاً، متفوقاً بفارق صوت واحد فقط على خالد مشعل، رئيس الحركة في الخارج، الذي نال 34 صوتاً. تعكس هذه الأرقام حيوية العملية الشورية داخل أروقة الحركة رغم التعقيدات الأمنية والميدانية المفروضة.
ويرى مراقبون أن إجراء هذه الانتخابات في قلب المعركة المستمرة على قطاع غزة يبعث برسالة قوية حول تماسك البنية التنظيمية للحركة. فبالرغم من المحاولات الإسرائيلية الحثيثة لتفكيك قدرات حماس السياسية والعسكرية منذ السابع من أكتوبر، إلا أن استكمال العملية الانتخابية يشير إلى قدرة الحركة على التعافي السريع.
إن نجاح حماس في إعادة هيكلة قيادتها العليا يمثل تحدياً مباشراً للأهداف الإستراتيجية التي أعلنها بنيامين نتنياهو. فقد سعت الحكومة الإسرائيلية عبر الضغط العسكري المكثف إلى إجبار الحركة على تسليم سلاحها وإنهاء وجودها السياسي، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل المعطيات الراهنة.
وتتجاوز دلالات هذا الانتخاب الإطار التنظيمي الداخلي لتلامس مشاريع إقليمية كبرى تسعى إسرائيل لفرضها في المنطقة. فالمشروع الإسرائيلي الذي يهدف لتحويل غزة إلى جزء من منظومة اقتصادية جديدة، يصطدم بصلابة الموقف السياسي الفلسطيني الذي تمثله القيادة الجديدة المنتخبَة.
ويربط محللون بين صمود المقاومة وتعثر مشاريع إستراتيجية مثل قناة 'بن غوريون' المقترحة، والتي تهدف لمنافسة قناة السويس المصرية. إن استمرار حماس كقوة فاعلة في المشهد السياسي يعرقل الطموحات الإسرائيلية في جعل ميناء حيفا نقطة الوصل الوحيدة بين التجارة الآسيوية والأوروبية.
كما يبرز في الأفق صراع الممرات الاقتصادية، حيث تسعى إسرائيل بالتعاون مع قوى دولية لتسويق 'الممر الهندي' كبديل لطريق الحرير الصيني. وتعتبر حماس، من وجهة نظر إسرائيلية، عقبة جيوسياسية أمام تنفيذ هذا الممر الذي أعلن عنه في قمة العشرين الأخيرة في نيودلهي.
انتخاب حماس رئيساً لمكتبها وسط حرب مستمرة يعني أنها ما زالت قائمة ومتماسكة، بل وفي طور التعافي التنظيمي.
وفي الداخل الإسرائيلي، تثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول جدوى الحرب التي يقودها نتنياهو دون تحقيق نصر حاسم. فبقاء حماس وقدرتها على اختيار قيادة جديدة يضعف من موقف الحكومة اليمينية أمام الجمهور الإسرائيلي الذي بدأ يفقد الثقة في وعود القضاء التام على الحركة.
ويتزامن هذا التغيير القيادي في حماس مع اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي، حيث يواجه نتنياهو منافسة شرسة من غادي آيزنكوت. وتؤكد استطلاعات الرأي تراجع شعبية الائتلاف الحاكم، مما يجعل من صمود حماس عاملاً مؤثراً في الخارطة السياسية الداخلية للاحتلال.
على الصعيد الإقليمي، يمثل استمرار حماس مطلباً لبعض القوى التي ترى في القضية الفلسطينية حجر زاوية لاستقرار المنطقة. ويشير المقال إلى أن الدعم التركي والقطري يساهم في تعزيز صمود الشعب الفلسطيني أمام محاولات التهجير القسري والمشاريع التصفوية التي تتبناها اليمين المتطرف.
إن اختيار خليل الحية، بما يمتلكه من خبرة سياسية وعلاقات إقليمية، يعد بمثابة 'صفعة' لتيار اليمين الإسرائيلي المتطرف. وتثبت هذه الخطوة أن خيار القتل والاغتيالات الذي تنتهجه إسرائيل لم ينجح في لوي ذراع المقاومة أو إنهاء إرادة التحرر لدى الفلسطينيين.
ويعتقد خبراء أن انتخاب الحية يضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من المواجهة السياسية والدبلوماسية، تهدف إلى تثبيت الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية. فالحركة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى التأكيد على شرعيتها السياسية وقدرتها على إدارة الشأن الفلسطيني حتى في أحلك الظروف.
وفي نهاية المطاف، يظل صمود أهل قطاع غزة هو الرافعة الأساسية لأي تحرك سياسي تقوم به القيادة الجديدة. فالتفاف الحاضنة الشعبية حول خيار المقاومة هو ما يفشل مشاريع 'الشرق الأوسط الجديد' التي يحاول نتنياهو الترويج لها على أنقاض المدن الفلسطينية المدمرة.
إن المرحلة المقبلة ستشهد بلا شك اختبارات صعبة للقيادة الجديدة، سواء على صعيد إدارة ملف المفاوضات أو ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني. ومع ذلك، فإن مجرد إتمام العملية الانتخابية في هذا التوقيت يعد انتصاراً معنوياً وسياسياً يسجل لصالح الحركة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.





שתף את דעתך
خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحماس خلفاً للسنوار: دلالات التوقيت والرسائل الإستراتيجية