Sat 02 Sep 2023 10:23 am - Jerusalem Time

معادلة.. كلنا نيجر وغابون

حمدي فراج

بعد حوالي شهر من انقلاب النيجر، يأتي انقلاب الغابون، وهما دولتان وازنتان من حيث ثرواتهما الطبيعية ، شأنهما شأن معظم أراضي القارة السمراء ، التي قيل فيها انها أغنى قارة وأفقر شعوب ، لكن ما ميز الانقلابين الاخيرين انهما يحصلان في ظل نظام انتخابي ديمقراطي ، ومع ذلك رأينا ان شعبي البلدين يؤيدان المنقلبين ، فكيف ذلك ، كيف يفوز هذا الزعيم او ذاك ثم ينقلب عليه عسكره ومن ثم شعبه .


أولا : يستمر الفقر بين أبناء الطبقات العاملة والمسحوقة، البطالة ، تردي الأوضاع الصحية، ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة ، قمع الحريات ، شراء الولاءات ، الموت جوعا ، او شبعا "من التخمة" ، ثم الاستحواذ على السلطة حتى الموت ليأتي "الشبل من ذاك الأسد" ليكمل المسيرة الديمقراطية .


ثانيا : اكتشاف ان الاستعمار "الفرنسي في الدولتين" قد خرج من الباب قبل اكثر من ستين سنة ، وسرعان ما قفز من الشباك ، ما زال هذا الاستعمار "النظيف" بالبدلة وربطة العنق ، يتعاطى مع البلد انها ملكا فرنسيا خالصا يستحوذ عليها كما لو انها مزرعته ، خيراتها ومقدراتها وايدي عمالها الرخيصة ، وكلما حفر أكثر في جوفها ، يكتشف المزيد من كنوزها ، فتزداد أطماعه وشراهته ، ولا ينسى بالطبع ان يرمي لحراس المزرعة بعض الفضلات .


ثالثا : يحرص صاحب المزرعة ان تظل البلد مربوطة بحبله الحديدي عبر عدم السماح بالتطوير والتنمية ، واحيانا عبر خلق الصراعات الاثنية والطائفية والعشائرية ، ولهذا فإن اللغة الأساسية في البلدين هي الفرنسية ، والعملة الرسمية هي الفرانك .


رابعا : اكتشفت الجماهير الشعبية ، وربما عبر طلائعها ، ان "الديمقراطية" الانتخابية كل اربع سنوات مرة ، او حتى كل عشر سنوات ، ما هي الا وصفة علاجية مضادة ، تزيد الفقير فقرا ، والغني غنى ، وان ستين سنة من "الاستقلال" و "الديمقراطية" كافية لنفض هذه الوصفة عن كاهل الناس ، عبر طرد الاستعمار الجديد / القديم ، الذي قام بتغيير واحد فقط ، استبدل بدلته العسكرية بأخرى مدنية . لكن هذا لن يتحقق قبل ان يتخلص من الشراذم الوطنية الداخلية التي لا تجيد الا التآمر مع الاستعمار ضد البلد ومقدراته وخيراته وثرواته .


البعض يتساءل عمن تكون الدولة الافريقية الثالثة ، هل ممكن ان تكون عربية ، خاصة بعد فضيحة لقاء وزيرة خارجية ليبيا مع ما يسمى نظيرها الإسرائيلي ، و التخريجات الكاذبة التي اسمعت عن حقيقة اللقاء والذي تبين ان الرئيس ليس خارج دائرة التورط لطالما ان سيدة العالم الحر والديمقراطية هي التي أشرفت على اللقاء . ففرت الوزيرة الى تركيا زعيمة الاخوان المسلمين ومن ثم الى لندن عاصمة الاستعمارات التي لا تغيب عنها الشمس .


إن الوطن العربي، منذ انبعاث استقلال بلدانه أواسط القرن الماضي ، مبتلى بما ابتليت به النيجر والغابون ، بل بما هو أسوأ ، من ان الديمقراطية ، حتى في حدودها الدنيا ، ديمقراطية الصناديق والانتخابات ، مجرد ترف لا لزوم له ، وحين يحدث مرة او مرتين في العمر ، تكون نسبة النجاح 99.99% .

Tags

Share your opinion

معادلة.. كلنا نيجر وغابون

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.