قبل عامٍ ونصف العام، نشرت كتابي عن زعيم حركة حماس التاريخي، والموسوم " الفارس: خالد مشعل كما عرفته.. أربعون عاماً من المواقف والذكريات"، حيث كانت لي فيه الكثير من القراءة والتعليقات ووجهات النظر التي كانت تصاحب ما يقدمه من رؤى وأطروحات فكرية أو يُدلي به من تصريحات وأحاديث للصحف والفضائيات العربية والأجنبية تخص القضية الفلسطينية أو ما يشغل تفكير وهموم النخبة الفلسطينية الإسلامية والوطنية.
وبعد الانتخابات التنظيمية للحركة منتصف العام 2021، أُسند إليه منصب قيادة حركة حماس في الخارج، إلا أن حيويته الفكرية وظهوره المتكرر في المشهدية الإسلامية وحتى العربية لم تكن بالعافية والكاريزما التي عودنا عليها، وهذا ما أصابنا بالقلق ودفعنا للكتابة والتساؤل، فشخصية محورية كالأستاذ خالد مشغل لا تغيب عن قلب الأحداث، إذ طابعها الحضور الدائم على منصات الرأي والرأي الآخر، وفي المؤتمرات الإقليمية والدولية عبر الزووم، حيث يقدِّم الفكرة والمشورة أو يمد يده لإخوانه في الفصائل الفلسطينية بالمبادرة والتحرك لجمع الشمل وتوحيد الصف: وعرض الموقف وتقديم الكلمة بلغة الرفيق القائد وهيبة الأخ الزعيم.
لقد كان عقل الأستاذ خالد (أبو الوليد) ينبض دائماً بالحيوية ومجاراة المشهد السياسي، وكانت إطلالاته بمثابة "الترياق" لألأمنا وأوجاعنا الوطنية وما نشعر به من ارتفاع ملحوظ في حالات الاكتئاب داخل الشارع الفلسطيني، والتي وصلت نسبتها بحسب التقارير الدولية إلى 70% في قطاع غزة و50% في الضفة الغربية، جراء ما نحن فيه من تشظيٍّ وانقسام وغياب للمصالحة الوطنية.
لذلك، أعذرني أيها الصديق الوفي.. فقد غاب صوتك وما عودتنا على تقديمه من آراء كنت تصدح بها بلغة الواثق من خطاه، وتتفرد بطرحها في منتديات الفكر والسياسة في الداخل والخارج، وتجد في المشهد الوطني من يحاورك ويأخذ ويُعطي معك.. للأسف يا أبا الوليد، اليوم في مشهد النضال الوطني جفَّ الضرع وتشابه البقر علينا!! ولم نعد نسمع في حلبة السياسة إلا قرقعة حناجر، لا رؤية لأصحابها ولا قرار.
حقيقة.. أين أنت أيها الأب والأخ الكبير؟ وأين ما كنت تطرحه وتنادي به ويسمعك بارتياح كلُّ من توجه إليك أو ألقَ إليك السمع شهيداً؛ سواء أكان حمساوياً أو إسلامياً أو مُنظِّراً وطنياً.
يا أبا الوليد.. بعدما طالت غيبتك في مشهدية الفعل الفلسطيني، أخذت على نفسي ككاتب وأخ مُحبٍ لتاريخك وسيرتك الاجتهاد في العمل على تحريك بعض ما غفى من آراء سبق أن كتبتها أو تحدثت بها، وكانت تأخذ طريقها إلى عقل النخبة لتفتح أبوابَ الحوار معها وتعطي معنىً لسجالاتنا الوطنية، وتوصيف واقعنا من حيث حالة القوة أو الاستضعاف.
لم يعد الكثير من الثائرين -اليوم- هم طلائع النخبةَ الفلسطينية في مشهدنا النضالي يا أبا الوليد، بل تحول الكثير منهم إلى مُهرِّجين ورجال أعمال!! وقد غدا الكثير منهم يلهث خلف "لعاعة" من مصالحه، وحتى أدبيات الثورة والنضال لم تعد تسكن زفراتها في مفردات خطابه أو يتوطَّن الوجع آهات كلماته، وهناك الكثير -للأسف- مما لسنا به عالمين.
قد يتساءل البعض، لماذا أوجه خطابي إلى الأستاذ خالد مشعل وليس إلى نظرائه مكانةً في الحركة والتنظيم، وممن لهم ظهورٌ إعلامي أوسع على الفضائيات هذه الأيام؟ الجواب: لأنه باختصار شخصية فلسطينية صادقة تمتلك كاريزما وطنية متميزة، وتتمتع بآداب وأخلاقيات إسلامية عالية، واجتهاداته السياسية تلقى الكثير من القراءة والتقدير لِحفاظها على خطوط التوازن والواقعية مع "الكلّ الفلسطيني"، ولأني أجد فيه إنساناً يصلح لقيادة شعبه وأمته.
في كلِّ محطات حركة حماس كان للأستاذ خالد بصمة وأثر، وقد تبدّى ذلك على طول مسيرته وسنوات قيادته للحركة، ولعل ذلك قد ظهر جليًا في وثيقة حماس السياسية الصادرة مطلع مايو 2017، والتي سطَّر فيها قناعاته لمشهد الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي في السياقين الوطني والإسلامي، وذلك قبل مغادرته لمنصبه كرئيس للمكتب السياسي، بهدف التخذيل عن الحركة وقد تكالبت عليها الأمم من عربٍ وعجم.
في الحقيقة، إنَّ الأستاذ خالد مشعل ومنذ أن ترجل عن قيادة حركة حماس كرئيس للمكتب السياسي، بحسب مقتضيات لوائح الحركة الداخلية، لم يتوقف في تلك الفترة، والتي امتدت لأربع سنوات، عن تقديم الرأي والمشورة، والأخذ -بقوة وجسارة- للمواقف التي يتطلبها المشهد النضالي الفلسطيني.
ولعليِّ أُذكِّر هنا بتلك الاستضافات التي حلَّ فيها الأستاذ خالد مشعل ضيفًا على "منتدى التفكير العربي" في العاصمة البريطانية، في الثاني من يوليو2020 وأدار القائمون على المنتدى معه -آنذاك- حواراً مطولاً حول توجهات حكومة نتنياهو اقتطاع أراضٍ فلسطينية من الضفة الغربية وضمّها عنوة إلى كيانه الغاصب، الأمر الذي حرَّك النخبة الفلسطينية لتدلي برأيها فيما يجب علينا عمله للتصدي للمخطط الإسرائيلي . وفي كلمته تحدث الأخ خالد مشعل، مقدماً باستفاضة رؤيته للخلاص الوطني، مشيراً أنَّ كلَّ ذلك يجب أن يسبقه توحيد صفنا الداخلي، وأن تتبنى السلطة الفلسطينية معنا هذه الرؤية.
وفي لقائه الحواري كذلك مع مركز مسارات بتاريخ 9 نوفمبر 2020، طرح مبادرة جديدة، وكذلك في المقابلة الطويلة التي أجراها مع الصحفي البريطاني ديفيد هيرست رئيس تحرير مجلة (ميدل إيست آي)، والذي قدَّم فيها جملة من الأفكار والمبادرات الجريئة التي تمثل مرجعية في الخطاب السياسي الفلسطيني.
يا أبا الوليد.. مثلك ليس مطلوباً منه أن يكون "الصدر الأعظم" ليتصدر المشهد ويَسمع إخوانه صوته من بعيد، فقد عرفوك وبايعوك واطمأنوا لقيادتك لقرابة العقدين من النضال، وكنت قبل ذلك وبعده من "حُماة جبل الرماة" إذ ليس هناك من يطاولك قامة أو يُزايد على ما مثلته من هيبة النداء الخالد "يا خيل الله اركبي" بكلِّ ما تعنيه حماس كسنديان مقاوم وحجر زاوية في حركتنا الوطنية وتطلعاتنا في شراكة الكلِّ الفلسطيني.
يا أبا الوليد.. إنَّ هناك الكثير من شخصيات الرعيل الأول ممن نعتبرهم من أهل بدر و"عظم الرقبة" لهذه الحركة المباركة ممن يأنسون لرأيك وينتظرون كلمتك، ولسان حال الكثيرين من هؤلاء "فليسعد الرأي إن لم يُسعد الحال".
يا أبا الوليد.. إنَّ المشهد السياسي العالمي يعيش حالة من الاضطراب والتغير، والمشهد السياسي الإقليمي والداخلي من حولنا يتقلب، ونحن أبناء هذا الوطن بحاجة لمن يحمل البوصلة والقنديل للأخذ بأيدينا.. نعم؛ نحن بانتظار أمثالك كرجل خلاص قادماً من بعيد ليعيد ترميم البيت وجمع الشمل، فالحاضنة الشعبية -كما تعلم- تآكلت عافيتها، والمشروعية الانتخابية انتهت منذ زمنٍ صلاحياتها، ونحن اليوم أمام مجموعة من التحديات التي يفرضها الاحتلال وقطعان مستوطنيه.
خلاصة الموقف - يا أبا الوليد – أنَّ الشراكة السياسية والتوافق الوطني ضمن مجوعة الثوابت التي لا نختلف عليها، هما المدخل لأي رؤية سياسية تشكل إستراتيجيتنا جميعاً في مواجهة الاحتلال، ووقْف عجلة عدوانه علينا، وعلى الأرض التي تمثل مستقبل وجودنا ومكانتنا كشعب، يمتلك أهليِّة القيادة وتحرير الأرض التي باركها سبحانه للعالمين.
إن الزعيم -يا أبا الوليد- لا ينتظر موقعاً ليقول كلمته ويجهر برأيه، فحركتك وشعب فلسطين كله بانتظار كلمتك.
Wed 05 Apr 2023 11:28 am - Jerusalem Time
أخي خالد مشعل: في فضاء الرؤية والغياب: خالد مشعل.. أين أنت يا أبا الوليد؟!
بقلم:د. أحمد يوسف





Share your opinion
أخي خالد مشعل: في فضاء الرؤية والغياب: خالد مشعل.. أين أنت يا أبا الوليد؟!