بقلم: د. رمزي عودة
المتلازمات على ندرتها ليست حكراً لوصف الأمراض البيولوجية، وإنما يمكن أن يتم توصيفها على الظواهر الاجتماعية والسياسية. ففي مثل هذه الظواهر تظهر المتلازمات كحالات مستعصية تفرضها البيئة المحيطة، ويتم الاعتياد عليها بحيث يصعب إتخاذ سلوك الا في إتجاهاتها. وفي الحالة الفلسطينية، تظهر "متلازمة فلسطين" نتيجة العلاقة الجدلية بين معضلة بناء الدولة من جهة وبين معضلة مقاومة الاحتلال من جهة أخرى. فمعضلة بناء الدولة تتطلب زيادة الإنتاجية وتحقيق الاستقرار والأمن والحريات وتوفير الخدمات وتطوير جهاز الدولة، وعلى الجانب المعاكس، فإن معضلة مقاومة الاحتلال تتطلب تجيير كافة الموارد المتاحة لمقاومة الاحتلال وتغليب المصلحة العامة في التحرر على المصالح الفردية.
الفجوة بين المعضلتين واضحة جداً، حيث إن بناء الدولة يتطلب الامن والاستقرار والتنمية في الوقت الذي تستلزم عملية مقاومة الاحتلال استنزاف التنمية وعدم الاستقرار. وفي الحالتين، من الصعب التوفيق بين المعضلتين لأن الأولى تكون على حساب الثانية والعكس صحيح. ولنعط أمثلة على التعارض بين المفهومين، كيف يمكن التوفيق بين خروج الجماهير في مظاهرات ضد الاحتلال في الوقت الذي يضر خروجهم بإنتاجية العاملين وبطبيعة الخدمات المقدمة للجمهور؟ وكيف يمكن تشجيع السياحة في الوطن في الوقت الذي تتطلب السياحة توفير الأمن والاستقرار، وهو الامر الذي لا يمكن توفيره في حالات المقاومة؟ وكيف يمكن توجيه موارد الدولة نحو مقاومة الاحتلال في الوقت الذي تفرض أجندة الدول المانحة شروطا قاسية في موضوعة المقاومة ؟ هذه الاسئلة وغيرها الكثير يفرض علينا محاولة الإجابة عليها، والاجابة هذه لا يمكن توقعها فقط من قبل القيادة والنخب، وإنما أيضاً من قبل المواطن الفلسطيني نفسه. فما هي الدرجة المقبولة التي يمكن بها بناء الدولة وتوفير الخدمات في الوقت الذي يتم فيه مقاومة الاحتلال كأولوية وطنية؟ .
من الواضح إن الإجابة نسبية، ولا يمكن توقع أن تكون هذه الإجابة مباراة صفرية، بمعنى نعم للمقاومة الكلية أو نعم لبناء الدولة الكلي. لان الدول المحتلة في العادة لها هدفين استراتيجيين كبيرين ومتوازيين وهما التحرر والبناء. وفي الوقت الذي لا تقدم التجارب الدولية السابقة أي نماذج لبناء توليفة من هدفي التحرر والبناء، فان الحالة الفلسطينية ووفقاً للظروف الدولية التي مرت بها القضية الفلسطينية ترضخ بشكل أو بآخر لضرورات هذه الحالة المستعصية؛ وهي حالة التوفيق بين البناء والتنمية من جهة وبين التحرر من جهة أخرى. هذه الجدلية التي تُطرح يومياً وفي كل مناسبة في الشارع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني أسميتها "متلازمة فلسطين" نظراً لكون الحالة الفلسطينية فريدة من نوعها أولاً، ونظراً لغياب التصور المشترك والمقبول فلسطينياً حول توليفة البناء والتحرر ثانياً.
في هذه المقالة، أطرح نموذجا لمتلازمة فلسطين يكون فاعلاً ومؤثراً ومقبولاً لدى الجماهير، وينطبق هذا النموذج على أربع ركائز أساسية، وهي:
الأولى: يجب أن يكون هدفا التحرر والبناء حاضرين في السياسية الفلسطينية سلطةً وشعباً، بحيث إن إلغاء احد من هذين الهدفين يعتبر خروجاً عن العقد الاجتماعي المؤسس للحقل السياسي الفلسطيني بعد أوسلو.
الثانية: يجب أن تكون الأولوية الأولى في الحقل السياسي الفلسطيني هي بناء الدولة، لأن بناء الدولة هو أحد الأسس المهمة في مقاومة ودحر الاحتلال وتحقيق الدولة.
الثالثة: يجب أن تقدم السلطة الوطنية فرصاً متساويةً للجميع في كل من مقاومة الاحتلال وبناء الدولة، وتشتمل هذه الفرص على الدعم والرعاية والتأييد.
الرابعة: يجب أن تكون هنالك ميزة إيجابية لصالح المقاومون مثل الاسرى وأهالي الشهداء في الحصول على القيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة.
بشكل عام، أعتقد جازماً أن السلطة الوطنية الفلسطينية تعتمد في سياساتها الوطنية على هذه الركائز الأربع بدرجات متفاوتة، ويظهر ذلك بوضوح في الممارسة وفي التصريحات السياسية لاسيما تصريحات الرئيس محمود عباس مؤخراً في قناة العربية. ولكن طبيعة المرحلة الصعبة التي يمر بها الوطن هذه الأثناء من توغل الاحتلال الإسرائيلي ضد المشروع الوطني الفلسطيني تستوجب أمرين أساسيين؛ الأول التوافق الفلسطيني من مختلف التيارات والاتجاهات على هذه الركائز، والأمر الثاني تحديد درجات المواءمة بين هذ الركائز في توليفة العمل الوطني المقبولة وطنياً.
Sat 10 Dec 2022 11:11 am - Jerusalem Time





Share your opinion
"متلازمة فلسطين"