Mon 27 Jul 2026 9:42 am - Jerusalem Time

أقل من 1% للزراعة… هل أصبحت الأرض خارج حسابات الموازنة الفلسطينية؟


في فلسطين لا يمكن النظر إلى الزراعة باعتبارها قطاعاً اقتصادياً عادياً، ولا يمكن التعامل معها كبند هامشي في الموازنة العامة. فالزراعة هنا ليست مجرد إنتاج للخضروات أو الأشجار أو المحاصيل، بل هي عنوان للصمود، وأداة لحماية الأرض، وخط الدفاع الأول في مواجهة التوسع الاستيطاني.
لذلك، عندما تكون موازنة وزارة الزراعة أقل من 1% من الموازنة العامة، فإن القضية لا تتعلق بالأرقام فقط، بل تتعلق برسالة سياسية خطيرة مفادها أن الأرض لم تعد في صدارة الأولويات الوطنية كما يجب أن تكون.
نعيش في وطن تدور فيه المعركة الأساسية حول الأرض. الاحتلال لا يخفي أهدافه، والاستيطان لا يتوقف عن التمدد، ومصادرة الأراضي تجري بأشكال مختلفة كل يوم. وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تبقى الأرض فارغة، مهجورة، بلا زراعة ولا استثمار ولا وجود بشري فاعل.
المستوطن لا يتوسع نحو الأرض المزروعة والمأهولة بسهولة، بل يتجه دائماً نحو الفراغ. يبحث عن الأرض التي غاب عنها أصحابها، وعن الحقول التي توقفت فيها الحياة، وعن المناطق التي تراجعت فيها الزراعة والتنمية. ولذلك فإن ترك الأراضي دون استثمار أو زراعة لا يمثل خسارة اقتصادية فقط، بل يشكل خطراً وطنياً مباشراً.
ومن هنا يجب أن نتوقف عن التعامل مع الزراعة كملف خدماتي، وأن نبدأ بالتعامل معها كملف سيادي وأمني واستراتيجي. فكما تخصص الدول موازنات لحماية حدودها، يجب أن تخصص فلسطين موازنات حقيقية لحماية أرضها من خلال زراعتها وتمكين أصحابها من البقاء فيها.
إن الاستراتيجية الوطنية الأكثر أهمية اليوم يجب أن تقوم على مبدأ واضح: كل أرض مهددة يجب أن تُزرع، وكل منطقة محاذية للاستيطان يجب أن تُعمّر، وكل مساحة معرضة للمصادرة يجب أن تتحول إلى مشروع إنتاج وصمود.
نحن بحاجة إلى برنامج وطني شامل عنوانه “الزراعة من أجل البقاء”، تشارك فيه الحكومة والقطاع الخاص والبلديات والمؤسسات الأهلية والجامعات والمؤسسات الدولية. برنامج لا يكتفي بزراعة الأشجار في المناسبات، بل يعمل على شق الطرق الزراعية، وتوفير المياه، ودعم المزارعين، وتمويل المشاريع الإنتاجية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وتمكين الشباب من الاستثمار في أراضيهم.
كما أن البلديات يجب أن تتحول إلى شريك أساسي في معركة حماية الأرض، من خلال دعم المناطق المهددة، وتوجيه مشاريع البنية التحتية نحو الأطراف المستهدفة استيطانياً، وربط التخطيط العمراني بهدف تعزيز الوجود الفلسطيني في المناطق الحساسة.
أما القطاع الخاص، فعليه أن يدرك أن الاستثمار في الزراعة ليس عملاً خيرياً، بل استثمار في الاستقرار الوطني والاقتصادي. فالأرض التي تُزرع اليوم تحمي الاقتصاد غداً، وتحمي المجتمع بعد غد.
والأهم من ذلك كله، أن تتوقف الحكومات المتعاقبة عن النظر إلى الزراعة باعتبارها وزارة صغيرة في الموازنة، بينما هي في الحقيقة وزارة كبيرة في المعنى الوطني. فمن غير المقبول أن نتحدث عن الصمود ومواجهة الاستيطان، ثم نترك القطاع الأكثر ارتباطاً بالصمود يحصل على الفتات من الموارد.
إن أقل من 1% للزراعة لا تعكس ضعف الإمكانيات فقط، بل تعكس خللاً في ترتيب الأولويات. فكيف يمكن أن تكون الأرض محور الصراع، بينما لا تكون الزراعة محور الاستثمار؟
إذا كنا نريد حماية فلسطين، فعلينا أن نحمي الأرض. وإذا أردنا حماية الأرض، فعلينا أن نزرعها. وإذا أردنا أن تُزرع، فعلينا أن نضع الزراعة في قلب الموازنة الوطنية، لا على هامشها.
ففي النهاية، قد تنجح السياسة أحياناً في تأجيل الخسائر، وقد تنجح الدبلوماسية في كسب الوقت، لكن الأرض لا يحميها إلا من يفلحها ويزرعها ويعيش عليها. وكل دونم يُزرع هو علم فلسطيني جديد يُرفع على تراب الوطن، وكل دونم يُترك فارغاً هو فرصة جديدة لمن يريد ابتلاعه.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجه صناع القرار اليوم ليس: كم خصصنا للزراعة؟ بل: كم دونماً خسرنا لأننا لم نخصص للزراعة ما تستحقه؟

Tags

Share your opinion

أقل من 1% للزراعة… هل أصبحت الأرض خارج حسابات الموازنة الفلسطينية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.