ارتبطت أسماء فنانين كثيرين بمدينة القدس، حتى بدا أن رسمها يكفي لجمع تجارب مختلفة تحت عنوان واحد: قبة، وسور، وقوس حجري. علامات تتكرر حتى توشك أن تصبح إجابة جاهزة. هنا تبدأ الإشكالية.
قد تطغى القدس على الفنان، وقد يحجب الرمز طريقة بنائه داخل اللوحة، عندها نرى الموضوع، ولا نرى التجربة، في هذا السياق تستحق تجربة الفنان المقدسي الراحل صلاح الأطرش (1945–2020) قراءة مختلفة، لا يكفي أن نقول إنه رسم القدس، فهذا ظاهر في معظم أعماله، السؤال الحقيقي: أيّ قدس صنع داخل لوحته؟ وكيف نقلها من معالم يمكن التعرف إليها إلى ذاكرة بصرية تتشابك فيها العمارة والإنسان والحياة اليومية والخوف من الفقد؟
القدس حين أصبحت قابلة للفقد
وُلد صلاح الأطرش في البلدة القديمة بالقدس عام 1945، هناك تكوّنت ذاكرته الأولى، ثم غادر إلى القاهرة سنة 1965 راغبًا في دراسة الفن، وقادته ظروفه إلى دراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية، لكنه واصل الرسم، وفي عام 1967 هُجّرت عائلته من البلدة القديمة، عندها تغيرت علاقته بالقدس، وأصبحت مكانًا يمكن فقده، دخل الخوف من الغياب إلى تجربته، وانتقلت المدينة من الذاكرة إلى اللوحة، لم يعد يرسم ما رآه فقط، وأخذ يستعيد ما خشي أن يختفي.
عاد الفنان الراحل إلى القدس عام 1971، وعمل في التعليم، ثم في دائرة الفنون بجامعة القدس المفتوحة، وشارك في تنشيط الحركة التشكيلية الفلسطينية، عاش داخل المكان الذي رسمه، عرف حجارته ووجوه ناسه وأسواقه، وعرف أن القرب من المدينة لا يحميها من التغيير، لهذا رسم ما يراه، وأعاد ترتيب ما يحفظه، ومنح ما يخشى فقدانه مكانًا داخل اللوحة.
بين قبة الصخرة وخزان الماء
في إحدى لوحاته، تتقدم قبة الصخرة وسط الأسطح وخزانات المياه والنوافذ والغسيل المنشور، يبدو المشهد مألوفًا، لكنه يحمل قرارًا بصريًا واضحًا، فالقبة لا تقف وحدها، بل تحيط بها البيوت، وتدخل معها تفاصيل السكن في تكوين واحد.
لم يرسم الأطرش المعلم المقدس داخل مشهد احتفالي، إنما أعاده إلى المدينة التي يعيش فيها الناس: نافذة، وحبل غسيل، وسقف معدني، وخزان ماء، وقبة بيت صغيرة تظهر إلى جوار القبة الكبرى. هنا لا تصبح الحياة هامشًا حول المقدس، بل جزءًا من ذاكرته ومعناه.
ويتكرر هذا المعنى في لوحاته الاجتماعية: امرأة تصبّ اللبن، وأخرى تبيع الخضار، ورجل يقرأ الصحيفة عند باب بيته، ورجال يجلسون حول المذياع، تظهر الهوية هنا في اللباس والعمل وطريقة الجلوس وتبادل الحديث، كما تظهر في التفاصيل التي نمارسها كل يوم من دون أن ننتبه إلى أنها تحفظ ذاكرتنا، فالناس يحفظون المدينة بقدر ما تحفظها حجارتها، ومن دون مشاهد الحياة هذه، تتحول عناصر اللوحة، القبة والسوق والبيت، إلى معالم رمزية بلا ذاكرة، تحفظ هذه المشاهد ذاكرة المدينة من الداخل، من عادات الناس وأعمالهم وطريقة حضورهم في المكان.
القدس كما ترتبها الذاكرة
رسم الفنان صلاح الأطرش القدس بلغات وتكوينات بصرية متعددة، ففي بعض أعماله سجّل البيوت والأسواق والوجوه كما رآها، وفي أعمال أخرى فكّك صورة المدينة وأعاد بناءها، تحولت الأسوار إلى مساحات صفراء مسننة، والقباب إلى دوائر، والأقواس إلى فتحات لونية، وتقاطعت الخطوط الحادة والمنحنية داخل تكوين مكتظ غابت عنه نقطة النظر الواحدة.
هنا لا نرى القدس كما تظهر للعين، بل كما تراكمت داخل الذاكرة، تتقدم بعض المعالم وتتراجع أخرى، تكبر القبة، ويتكرر السور، ويلتف الطريق حول نفسه، لم يعد المكان خاضعًا لخريطته الواقعية، بل لقوة رموزه داخل تجربة الفنان وذاكرته ورؤيته.
وتزيد الألوان هذا الإحساس، إذ تتواجه الدرجات الحارة والباردة، ويتنقل البصر بين الكتل من دون أن يستقر في مركز واحد، لا تمنح اللوحة المشاهد طريقًا واضحًا لدخول المدينة، بل تجعله يبحث عنها بين أشكالها المتداخلة، يشكّل هذا التغيير تحولًا في رؤية الفنان للقدس، تقول أعماله الواقعية: هذه هي القدس التي عاشها، وتقول أعماله المركبة: هذه هي القدس التي أعادت الذاكرة بناءها داخله.
حين تملك المدينة الضوء
يبلغ هذا التوتر ذروته في ملصق «الصمود»، الصادر في القدس عام 1980، حيث تظهر قبة الصخرة مضاءة داخل فضاء معتم، تحاصرها جدران متآكلة ونافذة ذات قضبان، هنا لا يرسم الأطرش الاحتلال أو الاعتقال مباشرة، بل يبني الإحساس بهما، فالمدينة قريبة من العين وبعيدة عن اليد، نراها ولا نستطيع الوصول إليها، يضع الأطرش القبة في مركز التكوين، ومنها يبدأ الضوء، أما العتمة فتسكن الجدران والأطراف، السجن يملك الجدار، والمدينة تملك الصورة، يتجاوز الضوء وظيفته الجمالية ليصبح موقفًا داخل اللوحة، فكلما ضاق المكان اتسعت القبة، وكلما اشتدت العتمة ازداد حضورها، يبقى الضوء حين يُحاصر المكان، وتبقى الذاكرة حين تُغلق القضبان طريق الوصول.
خريطة تتشكل من الشظايا
في عمل مؤرخ عام 1982، والمحفوظ ضمن مجموعة سليمان منصور في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي، تتداخل الوجوه والعيون والسلاسل والشجرة والبيوت والكتابة داخل بناء يرتبط بخريطة فلسطين، لا تظهر الخريطة كحدود سياسية، بل تظهر ممتلئة بالوجوه والقيود والذاكرة، العين تشهد، والسلسلة تقيّد، والشجرة تتمسك بالأرض،لا يقدم العمل حكاية خطية، بل يجمع شظايا التجربة على سطح واحد، ويترك للمشاهد مهمة وصلها.
ما يبقى بعد رحيل الفنان
بعد هذه القراءة في بعض أعمال صلاح الأطرش، يتضح أن ذاكرة القدس البصرية لم تُصنع من تكرار القبة والسور والقوس الحجري، صنعتها العلاقة بين القبة وخزان الماء، وبين السور والوجه، وبين ضوء المدينة وعتمة القيد. بهذه العلاقات خرجت القدس من صورتها الجاهزة، وعادت مدينة يعيش فيها الناس، ويخافون عليها، ويحملونها في ذاكرتهم.
ينتمي الأطرش إلى جيل جعل اللوحة والملصق ذاكرة ثانية للمكان المهدد. تحرك في أعماله بين عمارة القدس وحياة أهلها والذاكرة الفلسطينية المثقلة بالفقد؛ لذلك لا تنفصل القبة عن المرأة التي تبيع الخضار أو التي تعدّ الطعام، ولا عن الرجل الذي يقرأ الصحيفة، أو الرجال الذين يصغون إلى المذياع، أو العين التي تحاصرها السلاسل، تكمل هذه العناصر بعضها، وتدفعنا إلى السؤال: كيف صنع الأطرش ذاكرة القدس البصرية؟ ومن يمنح هذه الذاكرة قدرتها على البقاء؟
تجيب أعمال الأطرش بأن الحجر لا يصنع ذاكرة المدينة وحده، وأن الرمز لا يحفظ معناه من تلقاء نفسه، فالناس يمنحونه معناه من حياتهم وعاداتهم وذاكرتهم وخوفهم من الفقد، وعندما تدخل هذه التفاصيل إلى اللوحة، تتحول من مشاهد يومية إلى شواهد على وجود كامل.
من هنا، يصبح توثيق أعمال الأطرش جزءًا من إنصاف تجربته، فما بقي منها موزع بين مجموعات خاصة وأرشيفات متفرقة، ويفتقر بعضه إلى عنوان أو تاريخ أو معلومات عن المقاس والتقنية، يحتاج إرثه إلى أرشيف موثق ومعرض استعادي يكشفان انتقاله من تسجيل المدينة إلى إعادة بنائها داخل الذاكرة.
لم يرسم الأطرش مدينة ساكنة، بل رسم مدينة يعرف أنها قابلة للفقد، فجمع حجارتها ووجوهها وعاداتها وضوءها داخل اللون.
رحل الفنان، وبقيت مدينته تقاوم الغياب داخل اللون، وفي ذاكرة القدس البصرية.
Mon 27 Jul 2026 9:41 am - Jerusalem Time





Share your opinion
ذاكرة القدس البصرية (قراءة في تجربة الفنان المقدسي الراحل صلاح الأطرش)