د. إبراهيم نعيرات
لا يمكن فهم ما يجري اليوم في الضفة الغربية من تسارع غير مسبوق في النشاط الاستيطاني، وتصاعد عنف المستوطنين، وتهجير التجمعات الفلسطينية، إذا جرى التعامل معه باعتباره مجرد توسع استيطاني تقليدي. فما يحدث يتجاوز بناء مستوطنة جديدة أو شرعنة بؤرة استيطانية، ليعكس استراتيجية سياسية متكاملة تهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية، وفرض واقع جديد تصبح العودة عنه أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ولفهم هذه الاستراتيجية، لا بد من العودة إلى العقل السياسي الذي يقودها. فمنذ سنوات، يتبنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رؤية تقوم على أن القضية الفلسطينية ليست مشكلة ينبغي حلها، بل قضية يجب إدارتها. وفي هذه الرؤية، لا يمثل الزمن تهديداً لإسرائيل، بل فرصة لتعزيز مكاسبها. فكلما طال أمد الصراع، واتسعت المستوطنات، وتعمقت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، أصبحت إمكانية العودة إلى أي تسوية تقوم على الانسحاب أو إقامة دولة فلسطينية أكثر تعقيداً.
ولا ينظر نتنياهو إلى الضفة الغربية باعتبارها مجرد منطقة متنازع عليها، بل باعتبارها عمقاً أمنياً واستراتيجياً، فضلاً عن كونها جزءاً من الرواية التاريخية والدينية التي يتبناها اليمين الإسرائيلي. ولذلك، فهو يرفض الانسحاب منها أو القبول بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الضم الرسمي والكامل قد يفرض على إسرائيل أثماناً سياسية وقانونية ودبلوماسية لا يرغب في تحملها، خصوصاً في ظل التوازنات الدولية والإقليمية.
ومن هنا جاءت معادلة نتنياهو المفضلة: تجنب إعلان الضم القانوني، مع تحقيق مضمونه على الأرض. فالسيادة لا تُفرض دائماً بقانون يصدره الكنيست، بل يمكن أن تُبنى تدريجياً عبر المستوطنات، وشبكات الطرق، والبنية التحتية، والسيطرة على الموارد الطبيعية، ومنع التوسع العمراني الفلسطيني، وتهجير السكان من المناطق المستهدفة. إنها سياسة الضم الزاحف، التي تحقق النتيجة نفسها من دون أن تستدعي مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.
وقد وجدت هذه المقاربة فرصة استثنائية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي منحت الحكومة الإسرائيلية هامشاً واسعاً للتحرك في الضفة الغربية، وأبدت تسامحاً كبيراً مع التوسع الاستيطاني وإعادة تشكيل الواقع الميداني. إلا أن هذا الهامش لم يصل إلى حد تبني الضم الرسمي والشامل للضفة الغربية، وهو ما يعكس إدراكاً أمريكياً بأن فرض السيادة القانونية قد يفتح الباب أمام أزمات سياسية ودبلوماسية وإقليمية يصعب احتواؤها.
غير أن عدم تأييد الضم الرسمي لا يعني بالضرورة معارضة نتائجه على الأرض. فالنهج الذي ساد خلال تلك المرحلة أتاح لإسرائيل مواصلة فرض الوقائع الميدانية، وترك للحركة الاستيطانية مساحة واسعة للتوسع، بما جعلها تتصرف وكأنها تمتلك تفويضاً غير معلن لإعادة رسم خريطة الضفة الغربية. وبهذا المعنى، فإن السياسة الأمريكية لم تكن بحاجة إلى إعلان تأييد كل خطوة استيطانية، إذ كان كافياً توفير البيئة السياسية التي تسمح باستمرارها.
وفي ضوء ذلك، يمكن فهم السلوك الحالي لحركة الاستيطان. فهي تدرك أن الفرص السياسية ليست دائمة، وأن موازين القوى قد تتغير مع أي إدارة أمريكية جديدة أو أي تحولات إقليمية ودولية. لذلك، تبدو وكأنها تخوض سباقاً مع الزمن، مستثمرة كل يوم في إقامة مستوطنة، أو شرعنة بؤرة، أو مصادرة أرض، أو شق طريق استيطاني، أو تهجير تجمع فلسطيني، قبل أن يفرض الواقع السياسي قيوداً جديدة على مشروعها.
ومن هنا، فإن عنف المستوطنين الذي تصاعد بصورة لافتة في الأشهر الأخيرة لا يمكن قراءته باعتباره ظاهرة منفصلة عن المشروع الاستيطاني، بل يمثل أحد أدواته. فالاعتداء على القرى الفلسطينية، وإرهاب المزارعين، ومنع الوصول إلى الأراضي، ودفع السكان إلى الرحيل، كلها وسائل لإفراغ الأرض من أصحابها وتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيطرة مدنية واستيطانية دائمة.
إن ما يجري اليوم يشبه إلى حد كبير محاولة استثمار "الوقت الضائع". فالحركة الاستيطانية تدرك أن الضم الرسمي قد يبقى مؤجلاً، لكنها تؤمن بأن الضم الفعلي يتحقق كل يوم على الأرض. وهي تراهن على أن السياسة تأتي لاحقاً لتضفي الشرعية على واقع أصبح قائماً بالفعل، لا لتنشئه من جديد.
وهنا تكمن خطورة المرحلة. فالتاريخ يؤكد أن المفاوضات لا تبدأ من النصوص القانونية ولا من الخرائط القديمة، بل من الوقائع التي تكون قد ترسخت عند انطلاقها. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لحركة الاستيطان لا يتمثل في إعلان السيادة اليوم، بل في ضمان أن أي تسوية سياسية مستقبلية، إذا عادت إلى الواجهة، ستبدأ من حيث انتهى التمدد الاستيطاني، لا من حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، ولا من المرجعيات التي قامت عليها عملية السلام.
وفي المقابل، يواجه الفلسطينيون تحدياً يتجاوز مجرد مقاومة التوسع الاستيطاني. فالمعركة لم تعد على ملكية الأرض فحسب، بل على تعريف نقطة البداية لأي حل سياسي مستقبلي. وكل دونم يبقى تحت السيطرة الفلسطينية، وكل تجمع يصمد في أرضه، وكل مشروع تنموي يعزز الوجود الفلسطيني، يمثل في جوهره حماية لمرجعيات الحل قبل أن تتحول الوقائع الجديدة إلى حقائق سياسية يصعب تجاوزها.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل يستمر الاستيطان؟ فالإجابة واضحة منذ سنوات. وإنما السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى سينجح المشروع الاستيطاني في تحويل الوقائع المؤقتة إلى حدود سياسية دائمة؟ ذلك أن الصراع اليوم لم يعد يدور حول إعلان الضم أو تأجيله، بل حول من يملك حق رسم الخريطة التي ستبدأ منها أي تسوية قادمة. ويبدو أن حركة الاستيطان، بدعم من اليمين الإسرائيلي، وبالاستفادة من الهوامش السياسية التي وفرتها الإدارة الأمريكية، تراهن على أن من يرسم الخريطة اليوم، هو الذي سيحدد حدود السلام ـ إن جاء ـ غداً.





Share your opinion
ترامب والاستيطان في الضفة الغربية... الضم المؤجل وسباق رسم حدود التسوية المقبلة