سجّلت تونس خلال 72 ساعة نحو 900 حريق، فيما تُكافح السلطات لاحتواء هذه الموجة التي تتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وسط أزمة سياسية واقتصادية تواجهها البلاد منذ سنوات، ما زاد من حدة الغليان الشعبي.
تفاقمت أزمة المناخ في تونس وتحولت إلى ضغوط قوية على الحكومة برئاسة سارة الزعفراني الزنزري، إذ تصاعدت الدعوات إلى إقالتها مع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية الغاضبة على انقطاع الكهرباء والماء وتوسّع الحرائق.
وسجّلت البلاد خلال 72 ساعة نحو 900 حريق، فيما تُكافح السلطات لاحتواء هذه الموجة التي تتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وسط أزمة سياسية واقتصادية تواجهها تونس منذ سنوات، ما زاد من حدة الغليان الشعبي.
ودعت النائبة البرلمانية المُقرّبة من السلطة، فاطمة المسدي، إلى استقالة الحكومة قائلةً إنه "عندما تعجز الحكومة عن إدارة الأزمات، وعندما تفقد القدرة على طمأنة الشعب وتقديم رؤية لتفادي الانهيار فإن الاستقالة تُصبح مسؤولية سياسية وأخلاقية".
وشهدت الكثير من الولايات التونسية (المحافظات) احتجاجات شعبية تنديداً بقطع المياه والكهرباء على غرار أريانة، وبنزرت، والعاصمة، وسوسة والمنستير شرقاً، والكاف شمالاً، وقفصة جنوباً، وسيدي بوزيد وغيرها.
وجاءت الاحتجاجات في وقتٍ بلغت الحرارة 49 درجة مئوية، ما دفع شركة الكهرباء والغاز وشركة توزيع واستغلال المياه، وهما شركتان حكوميتان في تونس، إلى اللجوء إلى القطع الدوري للكهرباء والماء ما أثار انتقادات واسعة للحكومة.
وقال الباحث السياسي التونسي، المنذر ثابت، إن "تونس لم تشهد مثل هذه الأزمة في الانقطاعات المتتالية والمتكررة للكهرباء، والمؤكد أن الموضوع يتعلق بملف الانتقال الطاقوي بمعنى استبدال الغاز الطبيعي بطاقات جديدة، وهذا لم يحصل في تونس".
وتابع ثابت، "لم يكن هناك تخطيط متناسب مع ضغط الزمن لتعويض النقص الحاصل والمعلوم في مستوى إنتاج الغاز الطبيعي والبترول والكهرباء، فتونس تستورد الغاز الطبيعي والبترول من أجل الاستجابة لحاجياتها المحلية، وبناءً على ذلك تفاقمت الاحتياجات مع ارتفاع مستوى الاستهلاك ما تسبب بهذه الأزمة".
وشدد على أن "الملف الطاقوي يستقطب الصراعات السياسية في تونس داخل معسكر السلطة والمعارضة على حد سواء، فالأخيرة تعتبر أن هناك إخلالاً بواجب أساس من واجبات السلطة وهو توفير الحد الأدنى من الرفاه الاجتماعي ما يشمل المياه والكهرباء وغيرهما"، لافتاً إلى أنه "بقطع النظر عن موقف المعارضة والقراءات المختلفة للأزمة الحالية، هناك سعي لاستثمار حالة الغضب والقلق الاجتماعي لتأجيج الأوضاع واستثمارها سياسياً ضدّ السلطة، فالمعارضة جادة في ذلك وتسعى إلى استغلال الوضع، لكن داخل معسكر السلطة نفسه هناك أطراف تسعى الآن لإطاحة الحكومة وتحميلها المسؤولية من أجل تشكيل حكومة سياسية تنتمي عامة إلى مسار الخامس والعشرين من يوليو (تموز)" 2021، في إشارة إلى الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيد.
ومنذ توليها رئاسة الحكومة في مارس (آذار) 2025، تواجه سارة الزنزري ضغوطاً من البرلمان من أجل إجراء تعديل وزاري، وأيضاً كشف مقاربات طاقمها الحكومي إزاء الكثير من الملفات. ويعتقد الباحث السياسي، مراد علالة، أن "الحكومة التونسية بوصفها واجهة منظومة الحكم، تتحمّل بالفعل مسؤولية الأزمة الراهنة وهي عاجزة عن مصارحة الشعب بذلك، ليس بسبب محدوديتها فقط، وإنما بفعل المربّع الذي وضعها فيه الدستور الجاري به العمل والذي ينص صراحةً على كونها تسهر على تنفيذ السياسات العامة للدولة والتوجهات والخيارات الكبرى التي يضبطها رئيس الجمهورية، وبالتالي فإن المسؤولية الرئيسة تعود لقصر قرطاج الرئاسي وليس للقصبة (مقر رئاسة الحكومة)".
وأردف علالة أنه "من الطبيعي أن يستثمر الجميع، وخصوصاً خصوم السلطة، الأزمة الراهنة لتسجيل النقاط والإحراج ومحاولة استرجاع الشارع السياسي بعد حالة الجزر القوية التي ضربت الفعل السياسي بشكل عام والمعارضة بمختلف مكوناتها، الإسلامية والدستورية واليسارية، واللافت أيضاً شمولها خندق المساندة".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحذر من أنه في هذا الإطار فإن الاحتجاجات مرشحة للتصاعد لا سيما أنها تتزامن مع تاريخ الخامس والعشرين من يوليو (تموز)، مشيراً إلى أن "ما سيغذيها هو عدم التواصل ومصارحة الشعب، وتواصل عجز السلطة عن الإنقاذ وإيقاف النزيف وحلّ بعض المشكلات وخصوصاً الانقطاع المتكرّر للكهرباء، علاوةً على تواصل تدهور القدرة الشرائية وغياب الحوار الاجتماعي مع الأطراف المهنية على الأقل، أجراء وأعراف، من دون أن ننسى الاحتقان السياسي والانتقادات المتصلة بالحريات وبواقع الإعلام".
وبالفعل، تستعد قوى من المعارضة ومنظمات غير حكومية للتظاهر بعد غد السبت 25 يوليو، فيما يجمع الرئيس بحسب الدستور الجديد معظم الصلاحيات.
ومع تنامي الاحتجاجات الشعبية في تونس، تتزايد المخاوف من انفلات الوضع، لا سيما في ظل السجالات السياسية بين السلطة والمعارضة منذ تجميد الرئيس قيس سعيّد البرلمان والحكومة في 25 يوليو 2021 قبل حلهما.
ويرى ثابت أن "الحراك الشعبي لا يزال في المرحلة التراكمية إذ تشهد البلاد احتجاجات متواترة مثل ما حدث في قابس (جنوب) بسبب التلوث، والآن بسبب انقطاع الماء والكهرباء، لكن لا أعتقد أن الحراك الاحتجاجي يتجه إلى انتفاضة ذات بعد سياسي".
وبيّن أن "هذا الحراك سيبقى في اعتقادي في حدود المطلبية الخاصة، والمعارضة تراهن على استمرار هذه الأزمة وخصوصاً على تمديدها إلى حدود العودة السياسية والاجتماعية، ولو استمرت هذه الأزمة ستكون السلطة أمام اختبارات حقيقية وخطيرة".
وفاقمت الانتقادات التي يوجهها نواب برلمانيون معروفون بأنهم موالين للسلطة، بسبب عمل الفريق الحكومي، حدة الجدل الذي تشهده تونس.
وقال علالة "للأسف التصعيد من قبل معسكر الموالاة تحكمه حسابات انتخابية، فالبعض بدأ ربما في القفز من المركب، لأنه لم يعد يملك حججاً للدفاع عن السلطة والبعض الآخر معني مباشرةً بالانتخابات التشريعية المنتظره العام المقبل".
وأبرز أن "عدداً لا يستهان به من النواب الحاليين كذلك، معني بإعادة التجربة للظفر بولاية ثانية بما تحمله من امتيازات وحصانة، وبالتالي فقد شرعوا في حملة انتخابية سابقة لأوانها".





Share your opinion
تونس تحت وطأة "الغليان": 900 حريق وضغوط متصاعدة للإطاحة بالحكومة