تمر القضية الفلسطينية، وخصوصًا قطاع غزة، بواحدة من أكثر لحظاتها قسوةً وتعقيدًا؛ فقد دفع شعبنا أثمانًا باهظةً من دمائه وبيوته ومقدراته، وبلغت المعاناة الإنسانية حدًّا لم يعد يحتمل مزيدًا من الاستنزاف. وفي مثل هذه المنعطفات التاريخية، لا تكفي الشجاعة وحدها، بل تصبح الحكمة السياسية، وحسن تقدير المآلات، واختيار الأدوات والتوقيتات، جزءًا أصيلًا من مفهوم المقاومة وإدارة الصراع.
ومن هنا، أتوجه بهذه الكلمات ناصحًا لإخواني في قيادة حركة حماس، انطلاقًا من الحرص على الحركة والقضية وشعبنا المنكوب في قطاع غزة، لا من موقع المزايدة أو الانتقاص من تضحيات المقاومين. لقد أصبحت المرحلة الراهنة تستوجب قراءة سياسية مختلفة، تقوم على ما يمكن أن نسميه «فقه التخذيل»؛ أي تخذيل العدو، وإفساد خططه، وسحب الذرائع من بين يديه، وتجريده من أوراق القوة التي يعتمد عليها لتحقيق أهدافه السياسية.
وليس المقصود بالتخذيل هنا خذلان المقاومة أو التخلي عن الحقوق والثوابت؛ فهذا فهم بعيد عن المعنى المراد. إنما المقصود هو تخذيل العدو عن بلوغ أهدافه، وسد أبواب الذرائع أمامه، وإضعاف تماسك مشروعه، وحرمانه من الساحة التي يريد استدراجنا إليها.
وهذا المعنى له أصل معروف في السيرة النبوية. ففي غزوة الأحزاب، جاء الصحابي نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه إلى النبي ﷺ بعدما أسلم سرًا، فقال له النبي ﷺ: «إنما أنت فينا رجل واحد، فَخَذِّلْ عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة». والمقصود بالتخذيل في هذا السياق لم يكن الانسحاب من المواجهة أو خذلان المسلمين، وإنما تفكيك تحالف الأحزاب، وإفساد خططهم، وزرع الشك بين مكونات معسكرهم، حتى تتبدد قوتهم ويعجزوا عن تحقيق غايتهم.
لقد نجح نعيم بن مسعود في مهمته؛ إذ لم يواجه الأحزاب بقوة السلاح، وإنما استخدم العقل ومعرفته بتناقضاتهم، فأسهم في إضعاف الثقة بين قريش وغطفان وبني قريظة. وهنا يكمن جوهر الدرس: ليست كل معركة تُخاض بالطريقة نفسها، وليس الانتصار مرهونًا دائمًا بكثرة الفعل العسكري؛ فقد يكون تعطيل خطة العدو، وحرمانه من ذرائعه، وإرباك حساباته، أشد تأثيرًا من الدخول في المواجهة التي يريدها ويرسم شروطها.
نتنياهو والحاجة إلى استمرار الحرب
لقد جعل بنيامين نتنياهو من الحرب أداةً في معركته السياسية، ويحاول تقديم نفسه للمجتمع الإسرائيلي باعتباره رجل الأمن القادر على مواصلة المواجهة. وفي الوقت ذاته، يدخل نتنياهو انتخابات مقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 وسط منافسة سياسية متصاعدة وانتقادات داخلية تتعلق بإدارته للحروب والإخفاقات الأمنية والانقسامات التي عمّقها داخل إسرائيل.
إن استمرار الاشتباك وفق الصورة التي يريدها نتنياهو يمنحه فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، واستعادة خطاب «الخطر الوجودي»، وجمع التيارات اليمينية من حوله. ولذلك، فإن الحكمة تقتضي ألا نمنحه الورقة التي يبحث عنها، وألا نقدم له قشة النجاة التي يتعلق بها كلما ضاقت عليه السبل السياسية.
إن الدعوة إلى «كفوا أيديكم» لشهرين أو ثلاثة ليست دعوة إلى الاستسلام، ولا إلى إسقاط خيار المقاومة من حسابات الشعب الفلسطيني، وإنما هي دعوة إلى هدنة استراتيجية من جانبنا، وإلى وقف الفعل الذي يمكن أن يستغله نتنياهو لتبرير مغامرات جديدة أو إطالة عمره السياسي. إنها دعوة إلى نقل المعركة من الميدان الذي يختاره هو إلى ميادين أخرى أصبح الفلسطينيون فيها أكثر قدرة على إحراجه وعزله.
فالمقاومة ليست إطلاق النار وحده، بل هي منظومة واسعة من العمل السياسي والقانوني والإعلامي والشعبي والدبلوماسي. وحسن إدارة المقاومة يعني أن نعرف متى نتقدم، ومتى نثبت، ومتى نمنع خصمنا من الحصول على المعركة التي يحتاج إليها.
درس جنوب أفريقيا
ولعل تجربة جنوب أفريقيا تقدم واحدًا من أبرز الدروس في هذا المجال. فقد أدرك المؤتمر الوطني الأفريقي أن الكفاح المسلح، على أهميته في سياقه التاريخي، لن يكون وحده كافيًا لإسقاط نظام الفصل العنصري، وأن معركة الشرعية والرأي العام العالمي والعزلة الاقتصادية والسياسية لا تقل أهميةً عن المواجهة في الداخل.
لم يتخلَّ المؤتمر الوطني الأفريقي عن أهدافه، ولم يتنازل عن حق الأغلبية في الحرية والمساواة، لكنه نجح في تطوير أدوات نضاله، وتحويل قضيته إلى قضية أخلاقية عالمية. وقد اجتمعت المقاومة الداخلية الواسعة مع العقوبات الاقتصادية والثقافية الدولية وتنامي الحركة العالمية المناهضة للأبارتايد، إلى جانب تغير البيئة الدولية، فأسهم ذلك كله في دفع النظام إلى التفاوض وصولًا إلى انتخابات عام 1994 وإقامة حكم ديمقراطي غير عنصري.
لقد كسب المؤتمر الوطني الأفريقي معركة الشرعية قبل أن يتسلم مقاليد الحكم. وأصبح نظام الأبارتايد هو الطرف المعزول والمحاصر أخلاقيًا، بينما تحول خطاب مانديلا ورفاقه إلى عنوان للحرية والكرامة والعدالة. وعندما بدأت المفاوضات، لم يدخلها المؤتمر الوطني الأفريقي من موقع المتخلي عن تاريخه، بل من موقع حركة تحرر نجحت في جعل العالم يتبنى جوهر قضيتها.
ثم قدمت جنوب أفريقيا نموذج العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، ليس بوصفه تنازلًا عن حقوق الضحايا، وإنما محاولة للانتقال من نظام عنصري إلى دولة جديدة، وكسر حلقة الانتقام المفتوحة، من دون إنكار الماضي أو إسقاط المسؤولية الأخلاقية عنه.
وبالطبع، ليست فلسطين نسخة مطابقة لجنوب أفريقيا، ولا يصح نقل التجارب التاريخية بحذافيرها؛ لكن الدرس الجوهري يظل صالحًا: إن حركات التحرر تنتصر حين تحسن الجمع بين أدوات المقاومة، وتدرك التحولات الدولية، وتنجح في جعل خطابها خطاب العدالة، بينما تدفع خصمها إلى زاوية العزلة الأخلاقية والسياسية.
معركة الرأي العام والشرعية الدولية
لقد شهد الرأي العام الغربي خلال الأعوام الأخيرة تحولًا مهمًا تجاه القضية الفلسطينية، ظهر في الجامعات والنقابات والكنائس والمؤسسات المدنية، ووصل إلى داخل المؤسسات السياسية الأمريكية نفسها. ففي يوليو/تموز 2026، أيد أكثر من مئة عضو ديمقراطي في مجلس النواب الأمريكي تعديلًا لوقف مساعدات عسكرية لإسرائيل، رغم عدم إقراره، في مؤشر على اتساع النقاش داخل الحزب الديمقراطي حول الدعم غير المشروط لإسرائيل.
كما أن تحرك جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية أسهم في إبقاء قضية غزة في قلب النقاش القانوني والأخلاقي العالمي، وانضمت دول عدة أو أعلنت نيتها التدخل في القضية. وهذا يؤكد أن معركة القانون والشرعية ليست هامشية، بل أصبحت إحدى الساحات المركزية في مواجهة سياسات الاحتلال.
إن المطلوب فلسطينيًا هو استثمار هذا التحول، لا تبديده؛ وتعزيز صورة الشعب الفلسطيني بوصفه شعبًا يطلب الحرية والعدالة وتقرير المصير، لا السماح لنتنياهو بإعادة اختزال القضية في روايته الأمنية. وكلما تراجع الفعل الذي يستطيع نتنياهو استغلاله، تقدمت إلى الواجهة صور الدمار والتهجير والحصار، وظهرت حقيقة الاحتلال وسياساته أمام الرأي العام العالمي.
وهنا يصبح فقه التخذيل استراتيجية سياسية متكاملة: تخذيل المشروع الإسرائيلي عن تحقيق أهدافه، وتجفيف ذرائعه، وتعميق تناقضاته الداخلية، وعزل قيادته المتطرفة، وتوسيع حركة التضامن والمقاطعة، ونقل القضية من مساحة الاتهام إلى مساحة المظلومية والحق والعدالة.
كفوا أيديكم... ولا تتخلوا عن حقوقكم
إنني لا أدعو حركة حماس إلى إلقاء السلاح أو إعلان التخلي عن المقاومة، ولا إلى تقديم تنازلات مجانية للاحتلال. إنما أدعوها إلى حسن إدارة القوة، وإلى استيعاب أن القوة لا تكمن في استخدامها المتواصل، بل في معرفة متى وكيف ولماذا تُستخدم.
إن سياسة «كفوا أيديكم» في هذه المرحلة قد تكون أكثر إيلامًا لنتنياهو من فعل عسكري محدود يمنحه الذريعة التي يحتاج إليها. فحرمانه من صورة الحرب، ومن خطاب الطوارئ، ومن القدرة على إعادة تجميع اليمين خلفه، هو شكل من أشكال تخذيل العدو وإسقاط مشروعه السياسي.
علينا أن نتيح للتناقضات داخل إسرائيل فرصة الظهور، ولعائلات الأسرى والمعارضة والتيارات الرافضة لاستمرار الحرب فرصة محاسبة الحكومة، وللرأي العام العالمي فرصة رؤية المشهد الفلسطيني بعيدًا عن الضجيج الذي يستخدمه نتنياهو للهروب من مسؤولياته.
إن واجب القيادة في اللحظات التاريخية ليس أن تستجيب لكل استفزاز، بل أن تختار المعركة التي تخدم شعبها. وليس كل امتناع تراجعًا، كما أن كل فعل عسكري ليس بالضرورة تقدمًا. وقد يكون الصبر المنضبط، حين يقوم على رؤية واضحة، واحدًا من أكثر أشكال المقاومة تأثيرًا.
رسالتي إلى إخواني في قيادة حركة حماس واضحة: لا تمنحوا نتنياهو قشة النجاة، ولا تسمحوا له بأن يجعل من دماء الفلسطينيين جسرًا إلى بقائه السياسي. خذِّلوا مشروعه، واسحبوا ذرائعه، وانقلوا المعركة إلى ميدان الشرعية والعدالة والرأي العام العالمي.
إنني لا أدعو إلى وقف المقاومة، بل إلى حسن إدارتها؛ ولا أدعو إلى ترك الصراع، بل إلى اختيار توقيته وساحته وأدواته. فكم من معركة كسبها أصحابها بالسلاح ثم خسروها بالسياسة، وكم من انتصار صنعه العقل قبل أن يحسمه الميدان.
ذلك هو فقه التخذيل الذي أدعو إليه: تخذيل العدو لا خذلان المقاومة، وإسقاط مشروع نتنياهو بحرمانه من أسباب الحياة، بدل أن نقدم له بأيدينا قشة النجاة.
Wed 22 Jul 2026 9:54 am - Jerusalem Time





Share your opinion
حركة حماس وفقه التخذيل... لا تمنحوا نتنياهو قشة النجاة