في الوقت الذي لم تعرف فيه بعد قائمة الاتهامات الموجهة إلى "الرابور مهدي"، فإن المعطيات المتوفرة تتحدث عن توجيه الاتهام إليه بالتحريض على الاحتجاج والتظاهر، في ارتباط مع نشاطه ودعواته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الاحتجاج ضمن حركة "شباب زد".
أعاد قرار القضاء المغربي الأربعاء الماضي، باعتقال ومحاكمة مغني الراب الشاب مهدي اليوبي، المعروف بلقب "مهدي بلا كويند"، إلى الواجهة جدل "العلاقة المتوترة" بين السلطة وعدد من مغني الراب في البلاد.
واعتبر حقوقيون أن الكلمات القاسية والصور الصادمة واللغة المباشرة التي تنطوي عليها موسيقى الراب المغربي تعد انعكاساً للواقع بما يحمله من توترات وإحباطات اجتماعية، رافضين أن يكون التضييق أو الاعتقال وسيلة لمنع انتشار خطاب فني في زمن العولمة.
يعد مهدي اليوبي أحد أبرز الأصوات الشابة في عالم الراب المغربي المعاصر، وهو ناشط سابق في حركة "20 فبراير" المطالبة بمحاربة الفساد السياسي والمالي خلال فترة "ثورات الربيع العربي". واشتهر بتقديم أغاني راب تسلط الضوء على بعض مظاهر الاختلالات في المجتمع المغربي، وتنتقد ما يعتبره تهميشاً وفساداً وانتهاكات لحقوق الإنسان، وأصدر عديداً من الأعمال التي عرفت رواجاً في سوق الراب، من أبرزها أغنيتا "نشيد" و"لكل فرعون هناك موسى".
وبعدما منع القضاء المغربي سفره إلى فرنسا، حيث كان يستعد للتوجه إلى مارسيليا التي يقيم فيها، أصدرت النيابة العامة قراراً باعتقال اليوبي وإحالته فوراً إلى جلسة المحاكمة.
وفي الوقت الذي لم تُعرف بعد قائمة الاتهامات الموجهة إلى "الرابور مهدي"، فإن المعطيات المتوفرة تتحدث عن توجيه الاتهام إليه بالتحريض على الاحتجاج والتظاهر، في ارتباط مع نشاطه ودعواته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى الاحتجاج ضمن حركة "شباب زد".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي السياق، طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، كبرى المنظمات الحقوقية بالبلاد، بالإفراج عن مغني الراب مهدي اليوبي، مطالبة برفع جميع الإجراءات والتدابير المقيدة لحريته، بما في ذلك قرار المنع من مغادرة المملكة.
ونادت الجمعية الحقوقية بوقف ما نعتته بسياسة التضييق على الأصوات المنتقدة ومختلف أشكال التعبير الإبداعي والفني والثقافي، واحترام الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان.
وقبل اليوبي، اعتقلت السلطات المغربية، في شهر مارس (آذار) الماضي، مغني الراب صهيب قببلي، الملقب بـ"الحاصل"، وحكم عليه بالسجن النافذ ثمانية أشهر بسبب تدوينات ضمنها آراءه الحادة المنتقدة للأوضاع الاجتماعية والسياسية في البلاد.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي أيضاً، قضت محكمة بسجن مغني الراب جواد أسرادي، الشهير بلقب "بوز فلو"، ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية، بسبب اتهامه بـ"إهانة هيئة منظمة"، على خلفية عبارات واردة في بعض أغاني الراب التي أداها.
وأكد مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان عبد الإله الخضري، أن فن الراب لم يعد مجرد لون موسيقي، بل تحول إلى وسيلة تعبير مجتمعي فرضت حضورها بين فئات واسعة من الشباب، باعتبارها فضاء لنقل انشغالات الشارع وانتقاد السياسات العمومية.
وأضاف أن الدستور المغربي يكفل ضمان حرية الفكر والرأي والتعبير، إلى جانب حماية الإبداع الثقافي والفني، معتبراً أن اللجوء إلى الاعتقال والمتابعة الجنائية بسبب مضامين أغنيات تنتقد الأوضاع العامة يثير مخاوف جدية في شأن واقع حرية التعبير.
وشدد على أنه لا يدافع عن حرية تعبير مطلقة، بل يرفض كل خطاب يتضمن تحريضاً على العنف أو التشهير أو الإساءة إلى الدين أو إلى الهيئات المنظمة قانوناً، ولكن أية متابعة قضائية ينبغي أن تستند إلى أفعال مادية واضحة ومجرمة قانوناً، من قبيل السب أو القذف أو التحريض، لا إلى الطبيعة الفنية للمتابع أو إلى مضمون نقده السياسي. مؤكدا أن القضاء يظل الجهة الدستورية المختصة بتقدير الوقائع وضمان شروط المحاكمة العادلة، والتأكد من تناسب العقوبة مع الفعل المرتكب.
وأوضح المتحدث أن "الإشكال المطروح اليوم يتمثل في صعوبة التمييز بين النقد الفني والسياسي الجريء الذي أعتبره مؤشراً إلى حيوية المجتمعات الديمقراطية، وبين الأفعال التي تشكل تجاوزاً قانونياً صريحاً"، داعياً إلى اعتماد تأويل أوسع لفائدة حرية التعبير، مع تفضيل العقوبات البديلة على العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي والإبداع الفني، بما يضمن استمرار الدينامية الثقافية المغربية في إطار يجمع بين احترام القانون وصون الحقوق والحريات.
واعتبر الخضري أن "هذا التوازن يغيب، في نظره، عن عدد من المتابعات التي تطاول بعض الفنانين، والتي وصفها بأنها تبدو محكومة باعتبارات سياسية أكثر منها قانونية"، مبرزاً ضرورة حماية صورة المغرب الحقوقية على المستويين الداخلي والخارجي.
ونادى الحقوقي ذاته بفتح المجال أمام الفنانين وأصحاب الآراء المخالفة للتعبير عن مواقفهم، كونه الخيار الأنجع لتعزيز النقاش العمومي وإحياء الحياة السياسية والإسهام في مكافحة مظاهر الفساد والاستبداد، بما يخدم بناء مجتمع ديمقراطي قائم على التعددية واحترام حرية الرأي والتعبير.
في السياق، يعلق الكاتب والمخرج محمد نبيل، بالقول إن "الراب، ككل أشكال التعبير الفني، هو مرآة للمجتمع وتحولات، فالكلمات القاسية، والصور الصادمة، واللغة المباشرة في هذا النوع الموسيقي، ليست بالضرورة سبباً في خلق العنف، بل هي في كثير من الأحيان انعكاس للواقع بما يحمله من توترات وإحباطات وأسئلة اجتماعية عميقة".
وشدد نبيل على أن "التضييق أو الاعتقالات أو الأحكام السجنية لا يمكن أن تكون وسيلة ناجعة لمنع انتشار خطاب فني في زمن أصبحت فيه الكلمة والصورة تنتقلان بحرية غير مسبوقة، في زمن العولمة وعصر السرعة".
وأكمل نبيل أن الفن بطبيعته يبحث عن المساحات التي تعبر عن صوت الإنسان وتجربته وتطلعاته وآماله وآلامه، والحرية الفنية تظل مرتبطة بمسؤولية الوعي وبناء مجتمع قادر على الحوار، لافتاً إلى أن "المعالجة الحقيقية لا تكون إلا ببناء مشروع ثقافي وتربوي واضح يجعل التربية الفنية والبصرية وتعليم فنون الكلمة والصورة جزءاً أساسياً من تكوين الأجيال القادمة".
وتابع أن "نجاح المجتمعات لا يقاس فقط باقتصادها، بل أيضاً بنجاح مدارسها وتعليمها وفنونها وقدرتها على إنتاج مواطن يمتلك الحس النقدي والقدرة على التعبير"، مؤكداً أن الراب المغربي تحول إلى قوة شبابية لأنه أصبح لغة جيل يبحث عن موطئ قدم له داخل النقاش العام، من خلال استعمال الموسيقى كأداة للتعبير عن قضاياه وهمومه، وانتقاد ما يراه من اختلالات اجتماعية وسياسية وثقافية.
وخلص المتكلم إلى أن "لكل زمن أشكاله الإبداعية، لكن الإنسان هو من يصنع الزمن ويمنحه معناه، وليس العكس"، مبرزاً الحاجة اليوم إلى بناء فضاء ثقافي يسمح بالاختلاف ويحوّل الطاقة الإبداعية إلى قوة مجتمعية إيجابية، وفق تعبيره.





Share your opinion
ملاحقات قضائية تطال فناني الراب في المغرب: 'مهدي بلا كويند' خلف القضبان