كيف يستطيع الإسرائيليون الديمقراطيون كسب هذه الحرب؟
غرشون باسكن
كتبتُ الأسبوع الماضي أننا في حالة حرب. ليست حرب إسرائيل مع إيران أو حزب الله أو حماس، بل حرب تدور داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية المحتلة، يشنّها متطرفو اليمين الديني ووكلاؤهم من المستوطنين العنيفين. الفلسطينيون هم الضحايا المباشرون، لكن الهدف الحقيقي هو إسرائيل نفسها—إسرائيل الديمقراطية.
إنهم يتقدمون لأنهم يعرفون تماماً ما يريدون، بينما لا نتصرف نحن بعدُ وكأننا نعرف ما الذي يجب الدفاع عنه.
هم يريدون مملكة دينية خلاصية تحكمها الشريعة اليهودية. ونحن نريد دولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية، متجذرة في التاريخ اليهودي والثقافة العبرية وحق الشعب اليهودي في تقرير المصير، لكنها تنتمي بالتساوي إلى جميع مواطنيها، كما وعدت وثيقة الاستقلال.
هم يريدون التفوق اليهودي، ونحن نريد المساواة أمام القانون. هم يريدون أرضاً بلا فلسطينيين، ونحن نريد دولة تحمي كل مواطن وكل إنسان خاضع لسلطتها.
إنه صراع على مستقبل إسرائيل: هل تبقى دولة ديمقراطية؟ هل يخدم الجيش الدولة أم حركة دينية خلاصية؟ هل يحمي القانون الجميع أم اليهود وحدهم؟ وهل تمثل اليهودية في الحياة العامة مسؤولية أخلاقية أم تتحول إلى أداة للهيمنة؟
لقد حان الوقت للاعتراف بأنه لا يمكن الجمع بين الديمقراطية والاحتلال الدائم. لا تستطيع دولة أن تحكم ملايين البشر المحرومين من الحقوق المتساوية، ثم تصف نفسها بأنها ديمقراطية. فالاحتلال يفسد الجيش والقانون والسياسة واللغة الأخلاقية، ويخلق البيئة التي يتحول فيها المستوطنون العنيفون إلى أدوات لتنفيذ سياسة رسمية.
إنهاء الاحتلال ليس تنازلاً للفلسطينيين، بل ضرورة لإنقاذ إسرائيل.
لكي ينتصر الإسرائيليون الديمقراطيون، عليهم أولاً استعادة الوضوح الأخلاقي. المستوطنون العنيفون ليسوا مجرد «شبان تلال»، بل فاعلون سياسيون يستخدمون العنف لتحقيق أهداف أيديولوجية. وحين يدافع عنهم الوزراء، ويحميهم الجنود، وتمتنع الشرطة عن اعتقالهم، ولا يقدمهم الادعاء العام إلى المحاكمة، تصبح الدولة شريكة في الجريمة.
الإرهاب اليهودي هو إرهاب. والدولة التي لا تحمي الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها لا تخون الفلسطينيين فحسب، بل تخون قيمها وواجباتها تجاه نفسها.
إن دفاعنا عن الفلسطينيين هو دفاع عن إسرائيل. فاختبار الديمقراطية الإسرائيلية ليس في طريقة تعامل الدولة مع اليهود في تل أبيب، بل مع الفلسطينيين في الخليل ومسافر يطا والأغوار وحوارة وبورين وجنوب جبل الخليل.
ما دام الجيش يسيطر على حياتهم، تظل الدولة مسؤولة عن سلامتهم. وحين تسمح للمستوطنين بترويعهم، تكون عملية تدمير الديمقراطية قد بدأت بالفعل.
نحتاج أيضاً إلى معركة قانونية متواصلة. يجب توثيق كل اعتداء، وتسجيل كل تقصير من الجيش أو الشرطة، والطعن أمام المحاكم في كل بؤرة استيطانية غير قانونية. ويجب كشف بنود الميزانية التي تمول شبكات العنف، ومحاسبة كل مسؤول يسهّل الاعتداءات أو يوفر لها الحماية.
على المحامين ومنظمات حقوق الإنسان والمسؤولين الأمنيين السابقين والصحافيين والمواطنين أن يعملوا معاً بصورة يومية ومنظمة.
ونحتاج إلى تنظيم سياسي. لدى المتطرفين أحزاب وحاخامات وحركات شبابية ومتبرعون ووسائل إعلام ومعاهد دينية ووزراء وأيديولوجيا واضحة. المظاهرات ضرورية، لكنها لا تكفي. فالاحتجاج الذي لا يتحول إلى قوة سياسية منظمة يتلاشى.
نحن بحاجة إلى جبهة ديمقراطية هدفها إنقاذ إسرائيل من الاستبداد الديني الخلاصي. نتنياهو جزء أساسي من الخطر، لكنه ليس الخطر كله. فالتهديد الأعمق هو الحركة الأيديولوجية التي تسعى إلى استبدال إسرائيل الديمقراطية بنظام ديني قومي سلطوي.
ويجب أن تكون هذه الجبهة يهودية عربية. لا يمكن الحفاظ على الديمقراطية مع إقصاء عشرين في المئة من مواطني إسرائيل عن السلطة السياسية. المواطنون العرب ليسوا ضيوفاً، بل مواطنون كاملو الحقوق. الأحزاب العربية أحزاب إسرائيلية، والأصوات العربية أصوات إسرائيلية.
كل ائتلاف ديمقراطي يعتبر المواطنين العرب خارج دائرة الشرعية السياسية يكون قد تبنى جزءاً من منطق المتطرفين. لذلك يجب أن يقوم الائتلاف الديمقراطي المقبل على شراكة متكافئة بين اليهود والعرب ضمن مشروع مدني مشترك.
وعلى المواطنين الإسرائيليين أن يذهبوا إلى الأماكن التي تتخلى فيها الدولة عن مسؤولياتها: أن يرافقوا الرعاة، ويساعدوا المزارعين الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم، وأن يحضروا معهم الكاميرات والمحامين وأعضاء الكنيست والحاخامات والدبلوماسيين والصحافيين، وأن يقفوا بين المستوطنين العنيفين والعائلات الفلسطينية.
للحضور السلمي أثر. وللشهادة على ما يحدث أثر. وللحماية أثر.
وعلينا أن نستعيد اليهودية من الذين حوّلوها إلى سلاح. اليهودية ليست ترخيصاً للسيطرة على شعب آخر، والتاريخ اليهودي لا يبرر التفوق اليهودي. وعلى المتدينين الإسرائيليين المؤمنين بالديمقراطية والكرامة الإنسانية أن يرفعوا أصواتهم.
فالدولة ذات الأغلبية اليهودية التي تفقد روحها الأخلاقية لن تنقذها الأعلام أو المستوطنات أو الأسلحة أو الشعارات التوراتية.
الجيش الإسرائيلي تابع للدولة، لا للمستوطنين. والجنود ليسوا حراساً خاصين للمتطرفين. واجب الجيش حماية كل إنسان خاضع لسيطرته.
وعلى رؤساء الأركان والشاباك والموساد السابقين، والجنرالات وقادة الشرطة، أن يقولوا علناً وبوضوح إن عنف المستوطنين يشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل.
كما يجب الدفاع عن انتخابات حرة ونزيهة. لا يجوز السماح لنتنياهو أو لغيره بتأجيل الانتخابات أو التلاعب بها أو تشويه نتائجها أو افتعال أزمة لمنع الجمهور من اتخاذ قراره.
يجب أن تكون الانتخابات المقبلة في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر استفتاءً على بقاء إسرائيل دولة ديمقراطية.
والدفاع عن الانتخابات يبدأ الآن، بحماية لجنة الانتخابات المركزية، ومقاومة إساءة استخدام إجراءات الطوارئ من أجل البقاء السياسي، وكشف كل محاولة لنزع الشرعية عن الناخبين العرب أو الأحزاب العربية أو المعارضة الديمقراطية.
لكن الفوز في الانتخابات وحده لا يكفي. على الحكومة المقبلة أن تكون مستعدة، منذ يومها الأول، لتفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية، وإبعاد المستوطنين العنيفين عن المناطق التي يروعون فيها الفلسطينيين، وإعادة سلطة القانون إلى الشرطة والمحاكم، والتحقيق في التمويل الحكومي لشبكات التطرف، وإعادة الإدارة المدنية إلى إدارة مهنية إلى أن يحين وقت تفكيكها.
وعليها أيضاً أن تضع السلام مع جميع جيران إسرائيل، وفي مقدمتهم الفلسطينيون، على رأس جدول الأعمال الوطني.
يجب أن يصبح السلام المبدأ الناظم للسياسة الإسرائيلية، ضمن إطار يقوم على الأمن الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتطبيع والاعتراف المتبادل والشراكة.
فأمن إسرائيل على المدى الطويل لن يتحقق بالسيطرة الدائمة على شعب آخر، بل بإنهاء الاحتلال وبناء نظام إقليمي يستطيع فيه الفلسطينيون والإسرائيليون أن يعيشوا بحرية وأمن.
أما الشرط الأخير فهو الشجاعة.
كثير من الإسرائيليين يعرفون ما يحدث. يعرفون أن سموتريتش وحلفاءه ليسوا مجرد تيار سياسي آخر، وأن حركة المستوطنين العنيفة تغيّر طبيعة الدولة. لكنهم يخشون الصراع الداخلي، ويخشون اتهامهم بالخيانة، ويخشون الاعتراف بمدى عمق الخطر.
لا وحدة مع الذين يدمرون الديمقراطية من الداخل. ولا مصالحة مع العنف السياسي. ولا ديمقراطية من دون مواجهة الذين يسعون إلى القضاء عليها.
يمكننا كسب هذه الحرب. فالمتطرفون أقلية، لكنهم أقوياء لأنهم منظمون ولأن الأغلبية بقيت سلبية. ولكي ينتصر الإسرائيليون الديمقراطيون، عليهم أن يتحولوا إلى حركة، لا أن يظلوا مجرد حالة مزاجية عابرة.
علينا الدفاع عن القانون، وعن الفلسطينيين الخاضعين للسيطرة الإسرائيلية. ويجب أن تصبح المساواة اليهودية العربية جزءاً من هويتنا الوطنية، وأن يبقى الجيش بعيداً عن التسييس، وأن ندافع عن المحاكم واليهودية الأخلاقية ووثيقة الاستقلال بوصفها أساس حياتنا المدنية المشتركة.
إنه صراع من أجل إسرائيل التي ما زلنا نؤمن بإمكان وجودها: دولة ديمقراطية ومتساوية وأخلاقية وآمنة، متجذرة في الثقافة اليهودية والعبرية، وتنتمي إلى جميع مواطنيها، وتحترم حقوق الإنسان العالمية، وتنهي الاحتلال، وتعيش في سلام مع جيرانها.
الحرب قائمة بالفعل. والسؤال هو: هل نقرر أخيراً خوضها—وكسبها؟





Share your opinion
كيف يستطيع الإسرائيليون الديمقراطيون كسب هذه الحرب؟