Sun 12 Jul 2026 11:31 am - Jerusalem Time

حين يصبح الهاتف مُعلِّماً.. مَن يُربّي أبناءنا؟


في إحدى الجلسات الحوارية مع مجموعة من الطلبة، طرحت سؤالاً بدا بسيطاً: من منكم قرأ كتاباً كاملاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية؟ ساد الصمت، وارتفعت أيدٍ قليلة على استحياء. ثم سألتهم سؤالاً آخر: كم ساعة تقضون يومياً أمام الهاتف؟ هذه المرة لم يحتج أحد إلى التفكير، وجاءت الإجابات تلقائية: خمس ساعات، سبع ساعات، وبعضهم قال: "لا أعرف... لكنه لا يفارقني".
خرجت من ذلك اللقاء وأنا لا أفكر في الهواتف بقدر ما كنت أفكر في التربية. فمن الواضح أننا لم نعد أمام أدوات جديدة للتعلم، بل أمام بيئة جديدة تعيد تشكيل الإنسان منذ طفولته.
ليست الشاشات اختراعاً شريراً، كما أنها ليست المنقذ الذي سيحل جميع مشكلات التعليم. إنها وسيلة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى مرجع، وعندما تنتقل وظيفة التربية من الأسرة والمدرسة إلى الخوارزميات التي تحدد للطفل ما يشاهده، وما يقرأه، وما يضحك له، وما يغضب منه، بل وما يعتقد أنه حقيقة.
لقد اعتدنا أن نقول إن الأسرة هي المدرسة الأولى، وإن المدرسة هي المؤسسة التي تبني شخصية الإنسان. غير أن الواقع الرقمي يفرض سؤالاً مختلفاً: ماذا يحدث عندما يقضي الطفل مع هاتفه وقتاً أطول مما يقضيه مع والديه أو معلميه؟ ومن الذي يشكل منظومة قيمه في هذه الحالة؟
من منظور تربوي، لا يحدث التعلم الحقيقي بمجرد استقبال المعلومات. فالتعلم هو عملية بناء للمعنى، يربط فيها الإنسان بين المعرفة الجديدة وخبراته السابقة، ويختبر الأفكار، ويناقشها، ويعيد إنتاجها. لذلك فإن التعليم الذي يصنع الإنسان ليس التعليم الذي يملأ الذاكرة بالمعلومات، بل الذي يدرّب العقل على التفكير.
وهنا تكمن المفارقة. نحن نعيش في أكثر العصور وفرة في المعلومات، لكننا في الوقت نفسه نواجه أزمة متزايدة في القدرة على الفهم العميق والتحليل والتمييز بين الحقيقة والزيف. الوصول إلى المعرفة أصبح أسهل من أي وقت مضى، لكن امتلاكها أصبح أكثر صعوبة.
توضح أبحاث التربية وعلم الأعصاب أن دماغ الطفل يتشكل باستمرار تبعاً لنوعية الخبرات التي يعيشها. فالقراءة المتأنية، والحوار، واللعب، وحل المشكلات، كلها تبني شبكات معرفية تساعد على التركيز والاستنتاج. أما التدفق المتواصل للمقاطع القصيرة والتنبيهات والإثارة السريعة، فيدرب الدماغ على الانتقال المستمر بين المثيرات، ويجعل المحافظة على الانتباه لفترات طويلة أكثر صعوبة. ولهذا لا ينبغي أن يكون اهتمامنا منصباً على عدد ساعات استخدام الشاشة وحده، بل على نوعية الخبرة التي تقدمها تلك الشاشة.
لقد قادتني سنوات البحث في التربية، ودراسة التعلم في البيئات القسرية، إلى قناعة راسخة بأن التعلم لا تصنعه الأدوات وحدها. فقد شهدت تجارب إنسانية استطاع فيها أشخاص حُرموا من أبسط الوسائل التعليمية أن يحافظوا على شغفهم بالمعرفة من خلال الحوار، والتعاون، والانضباط الذاتي، والإيمان بأن العلم طريق للحرية. وفي المقابل، قد يمتلك طفل اليوم مكتبة العالم كلها في هاتفه، لكنه لا يخرج منها إلا بفتات من المعرفة، لأن البيئة التي يتعلم داخلها تشجعه على الاستهلاك أكثر مما تشجعه على التفكير.
من هنا، فإن القضية ليست معركة بين الورق والشاشة، ولا بين الماضي والمستقبل. إنها معركة بين نموذجين للتعلم: نموذج يجعل الإنسان قائداً للمعرفة، ونموذج يجعل الخوارزمية تقود اهتماماته وخياراته دون أن يشعر.
وتزداد حساسية هذه القضية في مجتمعاتنا العربية، لأن الشاشات لا تنقل معلومات فحسب، بل تنقل أيضاً لغةً، ورموزاً، وقيماً، وروايات عن التاريخ، وصوراً عن الذات والآخر. وإذا لم يمتلك الطفل أساساً قوياً في لغته وثقافته وتاريخه، فإنه قد يتلقى هذه السرديات باعتبارها حقائق نهائية، لا بوصفها رؤى تحتاج إلى نقاش وتمحيص.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى الانغلاق أو الخوف من التكنولوجيا. فالمجتمعات التي تتقدم لا تعادي أدوات العصر، بل تحسن استخدامها. والتعليم الحديث لا يستطيع أن يستغني عن التقنيات الرقمية، لكن نجاحه يتوقف على أن تبقى التكنولوجيا في خدمة المشروع التربوي، لا أن يصبح المشروع التربوي تابعاً لها.
إن مسؤولية الأسرة اليوم لم تعد تقتصر على تحديد وقت استخدام الهاتف، بل أصبحت تتمثل في بناء الحوار مع الأبناء، ومشاركتهم ما يشاهدون، وتعليمهم كيف يسألون قبل أن يصدقوا، وكيف يتحققون قبل أن ينشروا، وكيف يميزون بين الرأي والمعلومة، وبين الشهرة والقيمة.
أما المدرسة، فلم يعد يكفي أن تعلم القراءة والكتابة والحساب. إن من أهم أدوارها في القرن الحادي والعشرين أن تربي على التفكير النقدي، وعلى الثقافة الرقمية، وعلى أخلاقيات استخدام المعرفة. فالمتعلم الذي يعرف كيف يفكر سيكون قادراً على التعامل مع أي تقنية جديدة، أما الذي اعتاد تلقي الأفكار جاهزة، فسوف يبقى تابعاً مهما تطورت الأدوات بين يديه.
كما تقع على المثقفين والكتاب والفنانين مسؤولية لا تقل أهمية. فإذا كانت الشاشات أصبحت ساحة التنافس على وعي الأطفال، فإن إنتاج محتوى عربي رصين وجذاب لم يعد خياراً ثقافياً، بل أصبح ضرورة تربوية وحضارية. فالأجيال الجديدة لن تكتفي بالنصوص التي تطلب منها حماية الهوية، بل تحتاج إلى أعمال إبداعية تجعل هذه الهوية حية وقادرة على المنافسة.
ربما لن نستطيع تقليل حضور الشاشات في حياة أطفالنا، لكننا نستطيع أن نغير طبيعة العلاقة معها. فبدل أن تكون نافذة يتلقى الطفل منها كل شيء، يمكن أن تصبح أداة للبحث والاكتشاف والإبداع، إذا أحسنّا توجيهها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل تربي الشاشات أبناءنا؟ بل: هل تركنا لها مساحة جعلتها تقوم بدور لم يكن ينبغي أن تتولاه أصلاً؟
فالتربية كانت وستبقى مسؤولية الإنسان. وإذا أردنا أن نبني جيلاً قادراً على التفكير، معتزاً بلغته وثقافته، ومنفتحاً على العالم في الوقت نفسه، فعلينا أن نستعيد المبادرة، وأن نعيد للتعليم معناه الحقيقي: بناء العقل، لا ملء الشاشة، وصناعة الإنسان، لا مجرد صناعة المستخدم.

Tags

Share your opinion

حين يصبح الهاتف مُعلِّماً.. مَن يُربّي أبناءنا؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.