أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط إلى موجة اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية، حيث تراجعت مؤشرات الأسهم والسندات بشكل ملحوظ. وجاء هذا التحول عقب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أشار فيها إلى احتمال انتهاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، ملوحاً بشن ضربات عسكرية إضافية.
وفي رد فعل فوري، قفزت أسعار النفط في الأسواق الدولية، حيث تجاوز خام برنت حاجز 80 دولاراً للبرميل لفترة وجيزة. وهددت هذه الأعمال العدائية المتجددة في منطقة الخليج العربي بتعطيل سلاسل إمدادات الطاقة العالمية، مما أعاد إشعال مخاوف التضخم لدى المستثمرين وصناع القرار النقدي.
وعلى صعيد أسواق المال، سجل مؤشر ستاندرد أند بورز 500 تراجعاً شمل نحو 400 سهم من مكوناته الأساسية قبل أن يقلص بعض خسائره لاحقاً. ورغم هذا التراجع، أظهرت أسهم شركات صناعة الرقائق صموداً نسبياً، في حين هبطت العملات الرقمية وعلى رأسها بيتكوين نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الدفاعية.
وأفادت مصادر اقتصادية بأن الأسواق بدأت تأخذ التهديدات الأمريكية الإيرانية على محمل الجد بعد فترة من التفاؤل الحذر. ويرى محللون أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يغير بشكل جوهري مسار النمو الاقتصادي العالمي وأرباح الشركات الكبرى خلال النصف الثاني من العام الجاري.
وفي سياق متصل، زادت أسواق المال من رهاناتها على قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بحلول شهر أكتوبر المقبل. ويأتي هذا التحول في التوقعات نتيجة الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة، مما قد يضطر البنك المركزي الأمريكي إلى تشديد سياسته النقدية بشكل أسرع من المتوقع.
وأشار خبراء استراتيجيون إلى أن انهيار الهدنة بين واشنطن وطهران ينطوي على مخاطر جسيمة قد تؤدي إلى تسارع جديد في نمو الأسعار. وأكدت مصادر أن المخاوف من التضخم عادت لتتصدر المشهد النقدي، مما يضع الاحتياطي الفيدرالي تحت مجهر المراقبة الدقيقة من قبل المستثمرين عالمياً.
من جهة أخرى، برزت ظاهرة إصدار السندات الضخمة كأداة تمويل مفضلة لشركات التكنولوجيا العملاقة لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي. وقد سجلت شركة أمازون مؤخراً إصداراً بقيمة 25 مليار دولار، وهو ما يعكس الحاجة الهائلة للسيولة في هذا القطاع المتنامي رغم تقلبات السوق.
لا يبدو أن الولايات المتحدة ولا إيران تميلان إلى صراع طويل الأمد، لكن المخاطر الجيوسياسية المتجددة تزيد من حالة العزوف عن المخاطرة.
ومع ذلك، بدأت تظهر علامات الإرهاق على المستثمرين في وول ستريت تجاه هذه الإصدارات الضخمة، حيث قوبل طرح أمازون الأخير بطلب فاتر. ويعزو مديرو محافظ مالية هذا التراجع إلى رغبة المستثمرين في تنويع محافظهم وعدم التركيز المفرط على أسماء محددة في ظل حالة عدم اليقين.
وفي سوق السندات السيادية، ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين ليقترب من مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ أوائل عام 2025. ويعكس هذا الارتفاع في العوائد قناعة متزايدة بأن الفيدرالي سيحتاج إلى إجراءات حازمة لكبح جماح التضخم المستورد عبر أسعار النفط.
كما ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات ليصل إلى 4.59%، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر مايو الماضي. وتؤكد هذه التحركات الحذر الشديد الذي يتوخاه مستثمرو السندات، خوفاً من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى صدمة عرض جديدة في سوق الطاقة العالمي.
وكشف محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير عن وجود انقسام بين المسؤولين حول ضرورة رفع الفائدة، حيث أيد البعض التشديد الفوري بينما فضل آخرون التريث. ومع ذلك، أجمع المشاركون على أن المخاطر الصعودية لاستقرار الأسعار لا تزال مرتفعة وتتطلب مراقبة حثيثة.
وترأس كيفن وارش الاجتماع الأخير للجنة السوق المفتوحة، حيث تم الإبقاء على معدلات الفائدة ضمن نطاق 3.5% إلى 3.75%. وأظهرت التوقعات أن عدداً من المسؤولين يرجحون رفعاً واحداً على الأقل للفائدة قبل نهاية العام الجاري إذا استمرت الضغوط التضخمية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل للفيدرالي، قد سجل ارتفاعاً بنسبة 4.1% على أساس سنوي. ويعود هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى تأثيرات النزاع الإقليمي على أسعار الوقود، مما يعقد مهمة البنك المركزي في تحقيق استقرار الأسعار.
ختاماً، تظل آفاق الاقتصاد العالمي رهينة التطورات الميدانية في مضيق هرمز والخليج العربي، حيث تتأرجح الأسواق بين آمال التهدئة ومخاوف التصعيد. وسيكون لمسار أسعار النفط في الأسابيع المقبلة القول الفصل في تحديد توجهات البنوك المركزية الكبرى بشأن أسعار الفائدة والنمو الاقتصادي.





Share your opinion
اضطرابات في الأسواق العالمية مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران