في قلب مدينة خان يونس، وتحديداً داخل أروقة مركز التأهيل الطبي التابع للهلال الأحمر الفلسطيني، تُسطر يومياً ملاحم إنسانية تتجاوز مفهوم العلاج التقليدي. هنا لا تُقاس الإنجازات بالأرقام المجردة، بل بكل خطوة يستعيدها مصاب أو ابتسامة ترتسم على وجه أرهقته ويلات الحرب المستمرة، حيث تتحول القاعات إلى ساحات صمود لاستعادة القدرة على الحركة.
أفادت مصادر ميدانية بأن المركز الذي يُعرف بـ 'صالة الحياة' يستقبل يومياً عشرات الأطفال والبالغين الذين يعانون من إصابات بليغة وإعاقات دائمة. ويهدف البرنامج العلاجي المكثف إلى تمكين هؤلاء الجرحى من استعادة استقلاليتهم الجسدية عبر جلسات العلاج الطبيعي المتخصصة، رغم التحديات الجسيمة التي تفرضها قلة الموارد الطبية المتاحة.
من بين القصص المؤثرة داخل المركز، تبرز حالة الشاب عبد الله الذي أصيب بشلل نصفي إثر انهيار سقف منزله خلال القصف. يواصل عبد الله رحلة علاجه الممتدة منذ نحو عامين ونصف، متمسكاً بأمل السفر للخارج لاستكمال العمليات الجراحية اللازمة، ومؤكداً أن حلمه في المشي مجدداً لم ينطفئ رغم طول المسار العلاجي.
وعلى مقربة منه، تقاوم الطفلة ريماس آلامها بجلسات علاج شاقة تهدف لاستعادة توازنها المفقود. تعبر ريماس عن استعدادها لتحمل كافة الصعاب في سبيل العودة إلى مقاعد الدراسة، حيث ترى في كل تمرين رياضي خطوة تقربها من حياتها الطبيعية التي سلبتها الحرب منها قسراً.
ولا يقتصر دور المركز على الجانب العضوي فحسب، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي كركيزة أساسية للتعافي. وأوضح متخصصون في الصحة النفسية أن حالات البتر تتطلب مرافقة نفسية طويلة الأمد تشبه التعامل مع حالات الفقد، لمساعدة المصابين على تقبل واقعهم الجديد وإعادة دمجهم في النسيج المجتمعي بعد الصدمات العنيفة التي تعرضوا لها.
النجاة في غزة لم تعد تعني البقاء على قيد الحياة فقط، بل القدرة على استعادة تفاصيل الحياة من جديد.
من جانبه، كشف طارق الحنفي، مدير مركز التأهيل، عن حجم الضغوط التشغيلية التي يواجهها المرفق الذي يضم 82 سريراً. وأشار إلى أن المركز يستقبل حالات معقدة تشمل إصابات الحبل الشوكي والرأس، إلا أن النقص الحاد في مستلزمات الغيار والمواد الطبية الأساسية يعيق تقديم الخدمات التأهيلية بالمستوى المطلوب للمرضى المتزايدين.
وفي سياق متصل، أظهرت أحدث بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أرقاماً مفزعة حول الواقع الصحي، حيث تجاوز عدد الجرحى 173 ألفاً. وتشير الإحصاءات إلى وجود أكثر من 19 ألف جريح بحاجة ماسة لتأهيل طويل الأمد، بالإضافة إلى آلاف حالات البتر والشلل وفقدان البصر التي خلفتها الهجمات المستمرة.
الواقع الاجتماعي لم يكن أقل مأساوية، حيث وثقت التقارير وجود أكثر من 58 ألف طفل يتيم وعشرات آلاف الأرامل في القطاع. وتعكس هذه الأرقام حجم الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات الإنسانية المتصاعدة وبين القدرات الميدانية المنهكة بفعل الحصار والاستهداف المباشر للمرافق الحيوية.
وعلى صعيد البنية التحتية الصحية، أكدت المصادر أن الاحتلال أخرج 38 مستشفى و96 مركزاً للرعاية الصحية عن الخدمة بشكل كامل. كما طالت الاستهدافات 197 سيارة إسعاف وعشرات مركبات الدفاع المدني، مما جعل من عملية إنقاذ الجرحى وتأهيلهم مهمة شبه مستحيلة في ظل تدمير سلاسل الإمداد الطبي.





Share your opinion
صالة الحياة في خان يونس: معركة يومية لاستعادة الحركة والأمل لمصابي غزة