تستحضر الأوساط السياسية والإعلامية في دولة الاحتلال مرور ألف يوم على عملية 'طوفان الأقصى'، متوقفة عند النتائج العميقة التي خلفتها في ظل صراع مرير بين المعسكرات المتنافسة على هوية الدولة وسدة الحكم. ويتجلى هذا الاهتمام الواسع في تخصيص مساحات شاسعة في الإعلام العبري لاستعادة أحداث السابع من أكتوبر، وسط سجال لم ينتهِ حول المسؤولية عن الفشل الاستراتيجي الخطير الذي أصاب المنظومة الأمنية.
عكست الصحافة العبرية حجم الصدمة المستمرة، حيث تصدر غلاف صحيفة 'يديعوت أحرونوت' صورة لجرافة فلسطينية وهي تلتهم السياج الحدودي، في إشارة رمزية لسقوط نظرية الجدار العازل. وتتزامن هذه التغطية مع فعاليات اجتماعية وطقوس تقام في مستوطنات 'غلاف غزة' لاستذكار القتلى والأسرى الذين لا يزالون محتجزين لدى فصائل المقاومة في القطاع.
ينبع الانشغال الإسرائيلي بهذه الذكرى من حجم الخسائر البشرية غير المسبوقة التي وقعت خلال ساعات قليلة، مما أنتج حالة من الذهول الجماعي. وتوسعت هذه الصدمة لتأخذ بعداً استراتيجياً بعدما تبين أن القتال داخل الغلاف استمر لأسبوعين، ووصلت خلاله المركبات الفلسطينية إلى عمق مستوطنات كبرى مثل سديروت واحتلت مقار أمنية فيها.
لقد زعزعت مشاهد الاقتحام والمباغتة ثقة الإسرائيليين في مستقبل العيش داخل الدولة، ولم تقتصر الإصابة على الحكومة والجيش بل طالت السردية الصهيونية التاريخية. هذه السردية التي روجت لعقود بأن الدولة هي الملجأ الأكثر أمناً لليهود، تحطمت في السابع من أكتوبر حين تبين أن الواقع كان مغايراً تماماً لتلك الوعود الأمنية.
يزيد ملف الأسرى من حدة الصدمة والشرخ الداخلي، حيث تسود قناعات لدى أوساط واسعة بأن حكومة بنيامين نتنياهو قد تنازلت عن مواطنيها وجنودها الأسرى. وفي هذا السياق، وصف الجنرال نيتسان ألون، المسؤول عن ملف المفقودين، شعارات 'النصر المطلق' التي يرفعها نتنياهو بأنها كاذبة وتهدف للهروب من استحقاقات صفقات التبادل.
تشير تحليلات مصادر مطلعة إلى أن القلق الإسرائيلي ينبع أيضاً من إدراك أن النتائج كان يمكن أن تكون أكثر كارثية لو انخرطت أطراف أخرى في الهجوم بشكل متزامن. ويؤكد مستشار الأمن القومي الأسبق، غيورا آيلاند أن إسرائيل كانت ستواجه خطر الزوال الفعلي لو قرر حزب الله اللبناني اجتياح الجليل والوصول إلى حيفا في الساعات الأولى للعملية.
تتقاطع هذه المخاوف مع تصريحات دولية، منها ما ردده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول دور واشنطن في حماية إسرائيل من الدمار الشامل. ويرى مراقبون أن التدخل الأمريكي السريع بالسلاح والدعم السياسي كان حيوياً لاستعادة إسرائيل لثقتها بنفسها في لحظة حرجة كادت أن تنهار فيها المنظومة الدفاعية بالكامل.
إسرائيل ربما كانت في خبر كان لو قرر حزب الله دفع قواته الخاصة في اليوم الأول واحتلال الجليل وصولاً إلى حيفا.
تستغل المعارضة الإسرائيلية هذه الذكرى للنيل من هيبة ائتلاف نتنياهو، عبر التذكير الدائم بالفشل الذريع الذي سبق وواكب العملية العسكرية. وتجري هذه التحركات في إطار معركة على الوعي العام، تهدف إلى زيادة احتمالات إسقاط الحكومة الحالية في أي انتخابات قادمة، محملة إياها مسؤولية الإخفاق الأمني الأكبر في تاريخ الدولة.
وعندما يهدأ غبار المعارك الحالية، سيتوقف المؤرخون طويلاً أمام كيفية تحول عملية انطلقت من قطاع غزة المحاصر إلى حرب إقليمية واسعة النطاق. لقد امتدت الجبهات من باب المندب جنوباً إلى جبل الشيخ شمالاً، وشملت مواجهات مباشرة مع إيران، دون أن تتمكن إسرائيل من تحقيق حسم عسكري واضح حتى الآن.
يصور الكاريكاتير في الصحف العبرية الجندي الإسرائيلي كعداء في ماراثون لا ينتهي، حيث تحيط به النيران والخراب من كل جانب بعد ألف يوم من القتال. وتعبر هذه الرسوم عن حالة النزيف المستمر وفقدان الرؤية الاستراتيجية للخروج من مستنقع الحروب المتعددة التي فجرها 'طوفان الأقصى' في المنطقة.
في المقابل، يواصل نتنياهو التمسك بشعارات النصر المطلق، وهي الشعارات التي تعتبرها أوساط عسكرية وسياسية مجرد غطاء للفشل الناجم عن الغطرسة وفقدان الخطة السياسية. ويرى منتقدوه أن الرهان على القوة العسكرية وحدها أثبت فشله في التعامل مع جذور الصراع ومع القدرات المتطورة للمقاومة الفلسطينية.
من أبرز التداعيات الاستراتيجية لهذا الزلزال، تراجع مسار التطبيع الذي كانت تسعى إليه إسرائيل مع دول عربية وازنة في المنطقة. فقد دفعت الحرب دولاً مثل السعودية إلى إعادة النظر في مفاهيمها الأمنية، والاقتراب أكثر من التفاهمات الإقليمية مع إيران بدلاً من الارتماء في أحضان التحالف مع تل أبيب.
ما يثير قلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشكل خاص هو بقاء حركة حماس كقوة فاعلة ومؤثرة رغم مرور كل هذا الوقت ورغم التدمير الهائل الذي لحق بقطاع غزة. وتؤكد تقارير استخباراتية أن الحركة تعمل على ترميم قدراتها العسكرية وتستعد لخوض جولات جديدة، مما يجعل التهديد قائماً ومستمراً رغم كل التضحيات.
تتصاعد في الداخل الإسرائيلي دعوات متناقضة، فبينما يطالب البعض بشن حرب شاملة جديدة تحت ذريعة القضاء على التهديد المتبقي، يذهب اليمين المتطرف نحو المطالبة بتهجير سكان القطاع. وتعكس هذه التوجهات حالة التخبط وفقدان البوصلة في التعامل مع واقع جديد فرضته عملية السابع من أكتوبر وغيرت فيه قواعد الاشتباك للأبد.





Share your opinion
1000 يوم على 'طوفان الأقصى': زلزال استراتيجي يضرب السردية الصهيونية ويعمق الانقسام الإسرائيلي