Wed 01 Jul 2026 3:15 pm - Jerusalem Time

"الظلال في الجانب الآخر".. كيف قارب المخرج الفلسطيني غالب شعث انكسار حزيران في السينما المصرية؟

تعد 'العوّامات' الراسية على ضفاف النيل مفتاحاً دلالياً في سينما السبعينيات المصرية، حيث جسدت حالة الانفصال عن الواقع المرير الذي تلا هزيمة حزيران 1967. وفي فيلم 'الظلال في الجانب الآخر'، تظهر العوامة كأرض للأحلام المعزولة، حيث يلتقي المتمردون والبورجوازيون والطلاب بعيداً عن صخب المدينة وبؤسها، ناظرين إلى مجتمعهم بنوع من الاحتقار الذي تفرضه عزلتهم الاختيارية.

يعتبر هذا الفيلم العمل الروائي الوحيد للمخرج الفلسطيني غالب شعث، الذي استطاع أن يحجز لنفسه مكاناً بارزاً في السياق السينمائي المصري. وقد افتتح شعث فيلمه بمشهد لعوامة على إيقاع أغنية ثورية توحي بأن الليل مهما طال، فإن المستحيل سيتحقق في النهاية، مما يضع المشاهد منذ اللحظة الأولى أمام صراع بين اليأس والأمل.

تتمحور قصة الفيلم حول أربعة أصدقاء من طلبة كلية الفنون الجميلة، يعيشون في الفترة الحرجة بين عامي 1967 و1973. وتتنقل المشاهد بين أروقة الكلية وبين العوامة، في محاكاة لنمط الحياة الذي قدمه نجيب محفوظ في 'ثرثرة فوق النيل'، حيث تبرز شخصية 'محمود' التي أداها الفنان محمود ياسين كنموذج للشاب الضائع والمأزوم.

تظهر شخصية 'روز'، التي جسدتها نجلاء فتحي، كضحية مثقلة بالرموز، فهي ابنة صاحبة الشقة بالتبني التي تقع في حب محمود وتُخذل منه. روز في الفيلم ليست مجرد شخصية عاطفية، بل هي المعادل الموضوعي لمصر التي تعرضت للخذلان، لكنها تحاول النهوض مجدداً بما تبقى لها من قدرة على المقاومة والصمود.

في العوامة، يعيش محمود مع زملاء يمثلون تيارات فكرية مختلفة، من بينهم طالب فلسطيني من القدس وآخر مثالي متمسك بالقيم. وبينما ينشغل الزملاء بمشاريع تخرج تتناول اللاجئين والمقاومة الفلسطينية، يغرق محمود في لا مبالاته وأنانيته، مما يعكس الانفصام الذي عانت منه بعض فئات النخبة في تلك المرحلة التاريخية.

استخدم المخرج غالب شعث تقنيات الضوء والظل ليس فقط كعنصر بصري، بل كمدخل لاستكشاف المناطق المعتمة في نفسية أبطاله. فالمناطق البارزة في اللوحة تأخذ نوراً أكثر، بينما تزداد مناطق الظل عتمة، وهو ما يمثل الدوافع الداخلية لمحمود التي كانت تقوده تدريجياً نحو اللامعنى والضياع الوجودي.

في نهاية الفيلم، يغرق محمود في هذيان يتناول القومية والاشتراكية، متسائلاً عن كيفية تحقيق حرية الفرد في مجتمع غير حر. وينتهي به المطاف وحيداً في فراغه، تماماً كالعوامة التي يسكنها، فلا هو ينتمي لليابسة الصلبة ولا هو في عرض البحر، بل معلق في مساحة من الضياع التاريخي.

على النقيض من محمود، تختار روز المضي قدماً في حياتها رغم فقدان طفلتها ومحاولة انتحارها الفاشلة، حيث تظهر في المشاهد الأخيرة وهي تمشي على عكازين خشبيين. هذا الإصرار يمثل انتصار الإرادة على الهزيمة، حيث ترفض روز أن يظل مستقبلها مرتبطاً بشخص يمثل رسولاً للانكسار والماضي المعتم.

ولد غالب شعث في القدس عام 1935، وعاش مرارة التهجير إلى غزة عام 1948، قبل أن ينتقل للدراسة في القاهرة ثم فيينا. وقد تأثر شعث بالسينما الأوروبية وأدرك خطورة الرواية الصهيونية، مما دفعه للانضمام إلى حركة فتح والإيمان بأن السينما هي سلاح أساسي في الصراع الوجودي مع الاحتلال.

ساهم شعث في تأسيس 'جماعة السينما الجديدة' في مصر عام 1968، وهي حركة سعت لتحديث السينما وربطها بالواقع الشعبي بعيداً عن نظام 'النجومية' الاستهلاكي. وضمت الجماعة نخبة من المبدعين مثل علي عبد الخالق ورأفت الميهي، الذين أرادوا سينما تحلل نمط العلاقات الاجتماعية وتكشف زيف الواقع المصطنع.

أنتجت الجماعة فيلمين بارزين هما 'أغنية على الممر' و'الظلال في الجانب الآخر'، لكنها واجهت اتهامات سياسية من قبل البعض. وقد روى شعث في مذكراته 'من أوراق مهاجر' كيف تم اتهام أعضاء الجماعة بأنهم 'مجموعة من الشيوعيين' بسبب دعوتهم لسينما واقعية تبتعد عن الأفلام الوردية التقليدية.

واجه فيلم شعث مقص الرقابة الذي منعه بذريعة أنه ينشر اليأس، ولم يُسمح بعرضه إلا بعد فوزه بجائزة دولية في تشيكوسلوفاكيا. ومع ذلك، لم يستمر العرض سوى أسبوع واحد قبل أن يُمنع مجدداً، في فترة شهدت تضييقاً رقابياً على أفلام أخرى مثل 'العصفور' ليوسف شاهين و'زائر الفجر' لممدوح شكري.

ينتمي 'الظلال في الجانب الآخر' إلى فئة الأفلام التي حاولت تشريح أسباب الهزيمة من خلال تسليط الضوء على دور 'الإنتلجنسيا' المصرية. ورغم قسوة الطرح، إلا أن الفيلم انتهى بإعلاء شأن المقاومة، حيث يقرر الطالب الفلسطيني الالتحاق بالعمل الفدائي، بينما تواصل روز طريقها رغم إصابتها الجسدية.

يبقى فيلم غالب شعث وثيقة سينمائية نادرة، تعبر عن رؤية مخرج فلسطيني استطاع الغوص في أعماق المجتمع المصري خلال لحظة تحول تاريخية. إنها سينما لم تبحث عن النهايات السعيدة الزائفة، بل بحثت عن الحقيقة في مناطق الظل، مؤكدة أن النهوض من الهزيمة يبدأ بمواجهة الذات وكشف عيوبها.

Tags

Share your opinion

"الظلال في الجانب الآخر".. كيف قارب المخرج الفلسطيني غالب شعث انكسار حزيران في السينما المصرية؟

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.