Tue 30 Jun 2026 1:53 pm - Jerusalem Time

ترمب والاستعمار.. ووجود إسرائيل



الحقيقة أنه لولا الاستعمار قديماً ممثلاً ببريطانيا، وحديثاً ممثلاً بأمريكا، لما وجدت إسرائيل لأن وجودها ليس مرتبطاً بشخص ترمب، ولا بشخص أي زعيم أمريكي، وإنما وجودُها ووضعها مرتبطٌ في الوظيفة التي وجدت من أجلها، والسياسة الخارجية العامة والمصالح الأمريكية، هي التي تحدد ذلك ضمن برامج وخطط، والجميع يعرف ذلك، ومن أجل هذا الدعم الأمريكي والأوروبي المطلق لإسرائيل، والذي لولاه لما صمدت إسرائيل أمام مقاومة الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن تصريح ترمب -وإن جاء لأول مرة بهذه الطريقة وبهذا الوضوح وبهذه العلنية، ونحن نعلم ذلك أصلاً- يرسم ويحدد ملامح المخطط والمؤامرة، ومسار المنطقة العربية جغرافياً وديموغرافياً، ولستُ بصدد الدخول في سردية تاريخ هذه المؤامرة، والتي بدأت منذ عقود، ولكنني سأختصرها منذ بداية القرن العشرين، فمن منا لم يقرأ أو على الأقل يسمع بسايكس بيكو عام 1916، ومن ثم وعد بلفور عام 1917، امتداداً إلى أن تم تتويج ذلك بقرار التقسيم عام 1947، وقيام إسرائيل عام 1948، وسبق كل ذلك ما يُسمى مؤتمر الصلح، والذي خُصِصَ في جزء منه لمناقشة وعلاج مسألة اليهود، وكانت النتيجة ما يُسمى الانتداب البريطاني على فلسطين، وما هو إلا للحفاظ على فلسطين من أجل زرع ما يُسمى دولة إسرائيل، وما نتج عن ذلك من حوسلة اليهود ومنحهم دولة لحوسلتها كشرخ لتقسيم وتشتيت الأمة العربية، والإبقاء عليها عاجزة متأخرة لا تملك من أمرها شيئاً، رغم ما تملكه من ثروة طبيعية وبشرية، لو قُدرَ لها قيادة شجاعة وحكيمة لاستغلالها وتوظيفها على الوجه الأكمل لكانت الأمة العربية هي التي تقود العالم.
من هنا فإن ترمب أزال الستار بشكل واضح وغير مسبوق عن عنوان السياسة الخارجية الأمريكية، وعن رؤية الدوائر والهيئات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية الأمريكية، تجاه الأمة العربية كأمة مستهدفة، وتجاه إسرائيل كدولة وظيفية ووظيفتها محددة وواضحة، ورغم أن هناك خلافاتٍ واختلافات، وقد تصل حد الصراعات بين هذه الدوائر والهيئات، وحتى أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يتنافسان ويتسابقان على خدمة دميتهم، رغم كل ذلك إلا أن القاسم المشترك بينهما جميعاً الذي يطغى على كل خلاف ونقاش وجدال، وعلى كل وجهات النظر الموحدة والمتباينة هو هذه الدولة الوظيفية التي تُسمى في القانون الدولي إسرائيل، فهي الأمر الوحيد الثابت الدائم المستمر غير القابل للمناقشة، إلا في بعض الجزئيات التي قد تتعارض بعض الشيء مع المصالح الأمريكية، ومؤقتاً وهذا من منطلق حوسلتها وحوسلة المجتمع الذي يعيش تحت مُسماها، ولهذا تقوم أمريكا بصفتها القوة العظمى في العالم، وصاحبة القرار الدولي على رعايتها وحمايتها، وتتعامل معها على أنه يحق لها ما لا يحق لغيرها، من الدول وأنها خارجة عن مسار القانون الدولي لأنه لو وجد من يستطيع محاسبة ومعاقبة إسرائيل لتعرضت مصالح أمريكيا للخطر، فترمب عندما يقول لولا أمريكا لما وجدت إسرائيل، فهو محقٌ وهو يعي ما يقول؛ لأن إسرائيل كيان طارئ على المجتمع الدولي، فهي ليست دولة عادية، وإن أخذت شكلها وهيكليتها وهيئتها، بل هي دولة استثنائية في السياسة الدولية لتقوم بوظيفتها، وهي تحطيم الأمة العربية على الرغم من أن وظيفتها قد تتغير بعض الشيء، وفي جزئيات فقط طبقاً للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية التي قد تعصف بالمنطقة، أو التي تطرأ على السياسة والمصالح الأمريكية، أو التي قد تتعلق بإسرائيل نفسها، فإسرائيل لا تعدو كونها أسطولاً من أساطيل أمريكا، أو قد نَصِفها ونعرفها بأنها قاعدة عسكرية أمريكية تملك ما تملكه الدول، وقد نَصِفها طبقاً لوظيفتها بأنها مخلب قط، أو طبقاً لرعاية وحماية أمريكا لها على أنها نجمة في العلم الأمريكي والولاية الأمريكية رقم 51 ، وليس كما قال بن غفير ذات يوم إن إسرائيل ليست نجمةً في العلم الأمريكي.

Tags

Share your opinion

ترمب والاستعمار.. ووجود إسرائيل

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.