أفرزت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية في كاليدونيا الجديدة تقدماً واضحاً للائتلاف المناهض للاستقلال عن السيادة الفرنسية، حيث نجح في حصد 24 مقعداً من إجمالي مقاعد البرلمان البالغ عددها 54 مقعداً. ويُنظر إلى هذا الاقتراع بوصفه محطة تاريخية فاصلة ستحدد طبيعة العلاقة المستقبلية بين الإقليم الواقع في المحيط الهادئ والحكومة المركزية في باريس.
وجرت العملية الانتخابية يوم الأحد وسط تدابير أمنية مكثفة، حيث نشرت السلطات ما يقارب 2500 عنصر من قوات الشرطة والدرك لتأمين مراكز الاقتراع وضمان سير العملية بسلاسة. وقد شهدت العاصمة نوميا طوابير طويلة من الناخبين الذين توافدوا منذ ساعات الصباح الباكر، في إشارة إلى الأهمية الكبيرة التي يوليها السكان لهذا الاستحقاق السياسي.
تأتي هذه الانتخابات بعد فترة من عدم الاستقرار، حيث اضطرت السلطات لتأجيلها عن موعدها الأصلي في عام 2024 نتيجة اندلاع موجة من العنف والاضطرابات الدامية. وقد نشبت تلك المواجهات بين السكان الأصليين من شعب 'الكاناك' المطالبين بالاستقلال وبين الموالين للبقاء تحت المظلة الفرنسية، مما أثار مخاوف دولية من انزلاق الإقليم نحو حرب أهلية.
وتشير البيانات الديموغرافية إلى تعقيد المشهد الاجتماعي في كاليدونيا الجديدة التي يقطنها نحو 270 ألف نسمة، حيث يشكل الكاناك الميلانيزيون نحو 41% من إجمالي السكان. وفي المقابل، يمثل ذوو الأصول الأوروبية، وغالبيتهم من الفرنسيين، حوالي 24%، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على التوجهات السياسية وصناديق الاقتراع في كل استحقاق.
تعد نتائج هذه الانتخابات عاملاً حاسماً في رسم ملامح المفاوضات المقبلة مع باريس بشأن الوضع السياسي النهائي للإقليم.
تاريخياً، خضع الإقليم للاستعمار الفرنسي منذ عام 1853، وتحول لاحقاً في عام 1946 إلى إقليم فرنسي لما وراء البحار، ومنذ ذلك الحين والصراع السياسي مستمر حول تقرير المصير. ورغم إجراء ثلاثة استفتاءات سابقة على الاستقلال، كان آخرها في عام 2021، إلا أن الأغلبية صوتت في كل مرة لصالح الاستمرار ضمن السيادة الفرنسية.
وتسعى حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الحفاظ على استقرار الأرخبيل الذي يبعد عن باريس نحو 17 ألف كيلومتر، نظراً لموقعه الجيوسياسي الحساس. وقد اضطرت باريس في وقت سابق من عام 2024 إلى تعليق إصلاحات انتخابية مثيرة للجدل بعد أن تسببت في أسوأ أعمال عنف يشهدها الإقليم منذ ثمانينيات القرن الماضي.
إلى جانب البعد السياسي، تكتسب كاليدونيا الجديدة أهمية استراتيجية واقتصادية فائقة لفرنسا بسبب امتلاكها لواحد من أكبر احتياطيات النيكل في العالم. وتعد هذه المادة عنصراً أساسياً وحيوياً في الصناعات العسكرية المتقدمة وتقنيات الطاقة الحديثة، مما يجعل السيطرة عليها هدفاً اقتصادياً بعيد المدى للدولة الفرنسية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام القوى السياسية الفائزة هو كيفية إدارة المفاوضات المقبلة مع الإدارة الفرنسية للوصول إلى صيغة توافقية ترضي طموحات الانفصاليين وتهدئ مخاوف الموالين. فالمطالب بسحب الإصلاحات الدستورية لا تزال قائمة، والذاكرة الجمعية للسكان لا تزال متأثرة بأحداث الثمانينيات التي راح ضحيتها العشرات من أبناء الإقليم.





Share your opinion
مناهضو الاستقلال يتصدرون نتائج الانتخابات التشريعية في كاليدونيا الجديدة